الزوج المجهول
ريح الشك العاتية
بقلم مريم الحسن
تسلل الليل إلى أركان الغرفة، ولكنه لم يجلب معه هدوءاً لـ "ليلى". بل زاد من ثقل أفكارها، وعمق جراحها. ظلت مستيقظة، تتنقل في أرجاء الغرفة كشبحٍ تعيس، عيناها تحدقان في الظلام، وقلبها يخفق بقوة. كل كلمة قالها "خالد" لها، كل نظرة، كل تلميح، أصبح الآن مشبوهاً، وكلّها تدور في حلقةٍ مفرغة من الشك.
كيف لها أن تسامح؟ كيف لها أن تثق؟ لقد عاشت معه كزوجة، وتشاركت معه أسرار الحياة، ولكنّ كل ذلك كان يكتنفه غشاءٌ من الكذب، وإن كان مبرراً أحياناً. هل كان "خالد" يفكر فيها حقاً عندما كان يخفي عنها الحقيقة؟ أم كان يفكر في نفسه، في رغبته في الاحتفاظ بها؟
استرجعت ذكريات الأيام الأولى لزواجهما، حين كان كل شيء مثالياً، حين كانت سعادتها لا تعرف حدوداً. هل كانت تلك السعادة مجرد وهمٍ جميل؟ وهل كان "خالد" يخفي وراء ابتسامته الرقيقة عواصف من القلق والخوف؟
"لماذا لم يخبرني والدي؟" تساءلت "ليلى" في نفسها. "لماذا لم يحاول عمي "أبو أحمد" أن يكشف هذه الحقيقة مبكراً؟"
كانت تشعر بالوحدة، بالعزلة. كأنها تقف على جزيرةٍ مهجورة، تحيط بها مياه الشك والريبة. لقد فقدت الثقة في أقرب الناس إليها، في الأشخاص الذين ظنت أنهم يمثلون لها الأمان.
مرّت الأيام التالية كأنها دهور. لم تذهب "ليلى" إلى العمل، ولم تتصل بأحد. كانت تقضي وقتها في التفكير، في البحث عن إجاباتٍ لأسئلتها المتشعبة. كانت تقلب أوراق عمها "أبو أحمد" التي تركها لها، تقرأ الوثائق، تستعرض المستندات، ولكنّها كانت تشعر بأنّها تائهة في متاهةٍ قانونية.
كانت تفكر في "خالد"، في رجله، في زوجها. هل كان يتوقع منها أن تتجاوزه بسهولة؟ هل كان يعلم حجم الألم الذي سببته هذه الحقيقة؟
شعرت بأنّ هناك شيئاً ما ينقص، شيئاً مفقوداً في القصة. كان عمها "أبو أحمد" قد أخبرها بكل شيء، ولكنّها كانت تشعر بأنّ هناك أبعاداً أخرى، تفاصيل دقيقة لم تصل إليها.
"يجب أن أفهم لماذا حدث كل هذا." قالت لنفسها بصوتٍ عالٍ. "يجب أن أعرف الدوافع الحقيقية، وليس فقط النتائج."
في أحد الأيام، اتصلت بعمها "أبو أحمد". كانت نبرتها تحمل مزيجاً من الحزن والقوة.
"عمي، أريد أن أسألك عن تفاصيل أكثر. عن والدة "خالد". وعن والدتي. لم أفهم تماماً كيف حدث كل هذا."
صمت "أبو أحمد" قليلاً، كأنه يستجمع قواه. "الحكاية معقدة يا ابنتي. والدة "خالد"، "أمينة"، كانت امرأةً طيبة، ولكنّها عاشت حياةً مليئة بالأحزان. لقد أحبت رجلاً، "صالح"، ولم يكن زواجها منه سهلاً. لقد واجهت معارضةً شديدة من عائلتها، ولكنّها أصرّت. ثمّ، شاء القدر أن تُجبر على الزواج من والدكِ، "أحمد". لقد كان الأمر مؤلماً لها، لكنّها رضخت. وبعد ذلك، أنجبت "خالد"."
"وماذا عن أبي؟ هل كان يعرف بكل هذا؟"
"والدكِ كان رجلاً طيباً، وفاضلاً. لم يكن يريد أن يرى والدتكِ تعاني. وقد عرض عليها الزواج، ظناً منه أنه سيجلب لها السعادة. ولكنّ والدتكِ، كانت تحمل في قلبها حباً عميقاً لـ "صالح". وقد كتمت هذا الحب، وعاشت حياتها بصبرٍ وألم."
"وهل عرف "صالح" بكل هذا؟"
"نعم، عرف. وقد حاول أن يصل إلى أمينة، ولكنّ الظروف لم تسمح. وبعد وفاة أمينة، وجد "صالح" رسائلها، اكتشف قصة حبهما. وقد ترك "خالد" لديه وصيةً، بأنّ يهتم بأمور "أمينة" العائلية، وبأنّ يكشف الحقيقة إذا لزم الأمر."
"يعني "صالح" هو والد "خالد"؟" سألت "ليلى" بصدمة.
"نعم، "صالح" هو والد "خالد". ولقد كان "خالد" يجهل كل هذا في البداية. عندما اكتشف الأمر، كان الأمر صادماً بالنسبة له. لقد وجد رسائل والدته، ووثائق والديه، واكتشف قصتهما. وبعد وفاة والده، "صالح"، وجد مستنداتٍ تثبت أنّ زواج أمه من والدكِ لم يكن مكتمل الأركان من وجهة نظرٍ شرعية، لأنّ أمينة كانت قد تزوجت "صالح" بالفعل، وإن كان زواجاً سرياً."
"يعني... يعني والدي لم يكن يعرف؟"
"والدكِ لم يكن يعلم بهذا الزواج السري. وقد تزوج أمينة ظناً منه أنّه حرٌّ. لقد كان الجميع يعيشون في ظروفٍ معقدة، وفي ظروفٍ لم تكن فيها المعلومات متاحة بسهولة."
"إذاً، "خالد" كان يعلم كل شيء وهو يتزوجني؟"
"لقد اكتشف الأمر بعد زواجه منكِ. وعندما علم، قرر أن يحتفظ بالسرّ، خوفاً من أن يخسركِ. لقد عاش في صراعٍ دائم، بين حبّه لكِ، وبين الحقيقة المؤلمة. وقد حاول أن يتصرف بمسؤولية، ولكنه تردد كثيراً."
"ولماذا ترك عمي "أبو أحمد" هذه الوثائق لي؟ لماذا لم يحاول أن يتصرف؟"
"لأنه رأى حجم الألم في قلبكِ. ورأى حجم الخوف في قلب "خالد". وقد أراد أن يمنحكِ الفرصة لاتخاذ القرار الذي ترينه مناسباً. لقد ترك لكِ كل شيء، لكي تعرفي الحقيقة كاملة، ولكي تتخذي القرار عن قناعةٍ تامة."
"ولكن، إذا كان والدي لم يكن يعلم، فإنّ هذا يعني أنّ زواجه من أمي كان باطلاً؟"
"زواج والدكِ من أمينة لم يكن باطلاً تماماً، ولكنه كان مشوباً. لقد كان زواجاً تمّ في ظروفٍ خاصة، في ظروفٍ لم تكن فيها الوثائق الرسمية متاحة بسهولة. ولكنّ "صالح" كان قد تزوج أمينة بالفعل، وهذا كان يمثل عائقاً شرعياً."
"إذاً، أنا... أنا لستُ ابنة "أحمد"؟" تساءلت "ليلى" بصوتٍ مختنق.
"أنتِ ابنة "أحمد" يا ابنتي. لقد كان رجلاً كريماً، وسيداً فاضلاً. لقد أحبّ أمينة، وحماها. ولكنّ هذه الحقيقة، حقيقة والدتها، كانت أمراً لا مفرّ منه."
"ولماذا لم يحاول "خالد" أن يجد حلاً قانونياً؟"
"لقد حاول، يا ابنتي. لقد وكلّ محامياً، ولكنه وجد صعوبةً كبيرة في إثبات بعض الأمور. لقد مرّت سنواتٌ طويلة، والوثائق الأصلية لم تكن متوفرة. وقد خاف "خالد" من أن يفقدكِ، ومن أن تتأثري بهذه القضية."
"إذاً، هو كان يخاف من فقداني؟"
"نعم، كان يخاف. ولكنه كان أيضاً غير قادر على إخفاء الحقيقة للأبد. ولذلك، ترك لكِ كل شيء."
ظلت "ليلى" صامتة، غارقة في بحرٍ من المشاعر المتضاربة. كل معلومة جديدة، كانت تزيد من تعقيد الأمور، وتعمق من جراحها. هل كان هناك حلٌ لهذه المعضلة؟ هل يمكنها أن تعود إلى حياتها الطبيعية بعد كل هذه الحقائق؟
شعرت بأنّ الشكوك تحيط بها كالحصار. هل كانت "أمينة" تحب "صالح" حقاً؟ هل كان "أحمد" يعلم شيئاً؟ هل كان "خالد" صريحاً معها تماماً؟
"يجب أن أتحدث مع "خالد" مرة أخرى." قالت لنفسها. "يجب أن أسمع منه بنفسي، وأن أواجهه بهذه التفاصيل."
كانت تعرف أن الحديث معه لن يكون سهلاً. ولكنّها كانت بحاجةٍ إلى سماع كلماته، إلى رؤية ردة فعله. هل كان صادقاً في حبه؟ أم أنّه كان يعيش لعبةً كبرى؟