الزوج المجهول
صدى الأسماء في ساحة الذكريات
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس قد ارتفعت في كبد السماء، نافثةً أشعتها الذهبية على أرجاء المدينة القديمة، تيقظ أهلها من سباتهم. أما "ليلى"، فقد كانت قد استيقظت قبل شروق الشمس، مستيقظةً على همسٍ لم يغادر أذنها، على كلماتٍ نسجت حولها هالةً من الغموض. لم تكن قادرةً على نسيان اللقاء الغريب الذي جمعها بذلك الرجل المجهول.
صباح ذلك اليوم، استقبلتها والدتها بابتسامةٍ دافئةٍ، ولكن عينيها كانتا تشعان بقلقٍ لم تود "ليلى" أن تشعر به. "صباح الخير يا ابنتي، هل نمتِ جيدًا؟" سألت الأم، وهي تضع أمامها طبقًا من الفاكهة الطازجة.
"صباح النور يا أمي، الحمد لله،" أجابت "ليلى" بصوتٍ فيه نبرةٌ لم تخفِ عنها والدتها.
"أراكِ اليوم مختلفةً يا ليلى. هل حدث شيءٌ؟" سألت الأم، وهي تراقب ابنتها بعينٍ فاحصة.
ترددت "ليلى" للحظة. كيف يمكن أن تخبر أمها عن رجلٍ غريبٍ ظهر في الظلام، ووعدها بالانتظار؟ كيف يمكن أن تصف كلماتٍ حملت قدرًا ومستقبلًا، ولم تحمل هويةً واضحةً؟
"لا شيء يا أمي، فقط... كنت أفكر في بعض أمور الدنيا،" قالت "ليلى" بابتسامةٍ لطيفةٍ، محاولةً إخفاء ما يجول في خاطرها.
لم تقتنع الأم تمامًا، ولكنها لم تصر. فقد كانت تعرف ابنتها جيدًا، وتعرف أن لديها روحًا حساسةً، تتأمل في كل شيءٍ.
كانت "ليلى" تعمل في مكتبةٍ قديمةٍ، مليئةٍ بالكتب العتيقة، وبأصواتٍ هادئةٍ لأناسٍ يبحثون عن المعرفة. كانت تحب عملها، ففيه تجد عزاءً لروحها، وفيه تلتقي بأفكارٍ عظيمةٍ، بقصصٍ خالدة. ولكنها في ذلك اليوم، لم تستطع التركيز. كانت تفكر في الرجل المجهول، في كلماته التي كأنها أتت من عالمٍ آخر.
"ينتظرني... وجدت فيكِ ما كنت أبحث عنه."
تلك الكلمات كانت تتردد في ذهنها كصدىً عميقٍ. من هو هذا الرجل؟ وماذا كان يبحث عنه؟ وهل كانت حقًا هي ما كان يبحث عنه؟
جلست "ليلى" في ركنٍ هادئٍ من المكتبة، تتصفح كتابًا عن الأنساب العائلية. لم يكن ذلك من عادتها. لكنها شعرت بأنها بحاجةٍ إلى فهمٍ أعمق، إلى إدراكٍ لما يمكن أن يعنيه لقاءٌ كهذا.
تصفحت صفحات الكتاب، ورأت أسماءً عائليةً كبيرةً، لها تاريخٌ عريقٌ في المنطقة. سمعت قصصًا عن رجالٍ عظماء، وعن نساءٍ فاضلات، وعن زيجاتٍ جمعت بين العائلات النبيلة. وتساءلت: هل يمكن أن يكون هذا الرجل من إحدى تلك العائلات؟ هل يمكن أن تكون هذه مجرد بدايةٍ لقصةٍ قديمةٍ، تتجسد من جديد؟
لم يكن في المجتمع الذي تنتمي إليه "ليلى" أمرٌ عاديٌ أن يتزوج رجلٌ من امرأةٍ لم يعرفها من قبل. كانت الزيجات دائمًا تتم عبر العائلات، أو عبر التعارف المباشر، وبموافقة الأهل. فكرة أن يأتي رجلٌ من العدم، ليعلن عن انتظاره، كانت غريبةً، بل ربما غير مقبولةٍ في بعض الأوساط.
لكن "ليلى" لم تكن تفكر في الأعراف بقدر ما كانت تفكر في معاني كلماته. "وجدت فيكِ ما كنت أبحث عنه." هذه الجملة كانت تحمل إحساسًا بالقبول، بالتقدير، بشيءٍ أعمق من مجرد المظهر.
في الظهيرة، وبينما كانت "ليلى" منهمكةً في أفكارها، دخل شابٌ إلى المكتبة. كان شابًا أنيقًا، يحمل في يديه كتابًا يبدو قديمًا. اقترب من "ليلى" بابتسامةٍ هادئةٍ.
"أعتذر عن الإزعاج،" قال الشاب بصوتٍ رخيمٍ. "ولكنني أبحث عن كتابٍ معينٍ، ولم أجد ما يفيدني في قوائمكم."
نظرت "ليلى" إلى الشاب. كان وجهه وسيمًا، يحمل ملامحًا عربيةً أصيلةً. كان شابًا تبدو عليه علامات العلم والثقافة.
"تفضل،" قالت "ليلى" بابتسامةٍ، وشعرت بأنها بحاجةٍ إلى التحدث مع شخصٍ ما، ولو عن كتاب. "ما هو الكتاب الذي تبحث عنه؟"
"إنه كتابٌ قديمٌ، يتحدث عن تاريخ منطقةٍ ما، ويحمل تفاصيل دقيقةً عن الأسر التي سكنتها،" أجاب الشاب، وعيناه تلمعان بالاهتمام.
بدأت "ليلى" تبحث معه، مستخدمةً خبرتها في المكتبة. جلسا سويًا، وتحدثا عن الكتب، وعن التاريخ، وعن الأماكن. كان الحديث ممتعًا، ومثمرًا. شعرت "ليلى" بالراحة في حضرة هذا الشاب، وكأنها تعرفه منذ زمن.
"اسمي أحمد،" قال الشاب بعد فترةٍ، وهو يمد يده لـ"ليلى".
"ليلى،" أجابت "ليلى" وهي تصافحه.
"يشرفني التعرف عليكِ، أستاذة ليلى. أنا مغتربٌ، وأهتم كثيرًا بتاريخ بلادي. وسمعت عن هذه المكتبة، وأن بها كنوزًا نادرة."
"أهلاً بك أستاذ أحمد. هذه المكتبة مليئةٌ بالقصص، وبأسرار الماضي."
"بالفعل،" قال أحمد، وهو ينظر حوله بإعجاب. "أنا أبحث عن كتابٍ معينٍ، عن تاريخ عائلةٍ معينةٍ، ولدي معلوماتٌ تقول إنه قد يكون هنا."
"هل لي أن أعرف اسم هذه العائلة؟" سألت "ليلى"، وشعرت بنبضةٍ غريبةٍ.
"إنها عائلة 'الهاشمي'. هل تعرفينها؟"
صمتت "ليلى" للحظة. عائلة الهاشمي. اسمٌ كبيرٌ، اسمٌ يحمل تاريخًا. هل يمكن أن يكون أحمد هذا له علاقةٌ بالرجل المجهول؟ هل يمكن أن يكون هذا لقاءً ترتيبًا إلهيًا؟
"أجل، أعرفها،" قالت "ليلى" ببطء. "عائلةٌ عريقةٌ، لها تاريخٌ طويل."
"بالضبط. أنا أحاول جمع أكبر قدرٍ من المعلومات عن هذه العائلة، لتكوين صورةٍ واضحةٍ عن جذورنا. هل لديكِ أي معلوماتٍ قد تفيدني؟"
شعر "ليلى" بأن قلبها يدق بعنف. هل هذا الشاب يبحث عن معلوماتٍ قد تقوده إلى الرجل الذي قابلته؟ هل هذا هو الطريق الذي ستكشف به عن الهوية المجهولة؟
"ربما،" قالت "ليلى" بابتسامةٍ غامضةٍ. "ربما لدينا ما يفيدك."
لم يكن الأمر مجرد صدفة. لم يكن لقاء أحمد مجرد لقاءٍ عادي. شعرت "ليلى" بأن هناك خيطًا رفيعًا، يربط بين هذا الشاب، وبين الرجل الذي ظهر في الظلام. خيطٌ بدأ يتشكل، وخيطٌ قد يقودها إلى معرفة الحقيقة، إلى معرفة من هو "الزوج المجهول" الذي ينتظرها.