الزوج المجهول
شمسٌ لم تعد تغرب
بقلم مريم الحسن
ارتعش قلبُ نورة حين وقعت عيناها على الرسالة، لم تكن كأي رسالةٍ سبقتها، لم تحمل توقيعًا مألوفًا، ولم تحمل كلماتٍ اعتيادية، بل كانت كالنبوءة، كنذيرٍ بالأعاصير القادمة. وضعت يدها على فمها لتكتم شهقةً كادت أن تفلت، والورقة بين أصابعها ترتجف. "نورة، اسمكِ الحقيقي ليس نورة. هناك سرٌ دفينٌ يتعلق بوالدتكِ، سرٌ قد يغير مسار حياتكِ إلى الأبد. العثور على الحقيقة يتطلب منكِ شجاعةً لم تعهديها، وقوةً كامنةً لم تكتشفيها بعد. الأيام القادمة ستكشف لكِ ما غُيِّب عنكِ طويلاً. كن مستعدةً، فالحقيقة مؤلمةٌ أحيانًا، ولكنها الطريق الوحيد للحرية."
لم تفهم نورة المعنى الكامل لتلك الكلمات، لكنها أحست بثقلها، بثقلٍ لا يُطاق. من أرسل هذه الرسالة؟ ومن هي والدتها حقًا؟ كان اسمها "نورة" هو كل ما تعرفه عن نفسها، كل ما تعلمته من سيدةٍ ربتها بحبٍ وحنانٍ لا ينقصهما شيء، سيدةٌ لم تعرف شيئًا عن ماضيها، سيدةٌ ادعت أنها وجدتها رضيعةً على عتبة بابها. لكن هذه الرسالة، بكلماتها الغامضة، فتحت بابًا لجحيمٍ من الأسئلة.
ارتدت عباءتها بسرعة، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ أسيرٍ يحاول الهرب. خرجت من باب منزلها، إلى زقاقٍ لم تعتد السير فيه إلا في وضح النهار. الظلام يلف المكان، والأضواء الخافتة تلقي بظلالٍ متراقصةٍ على الجدران القديمة. كانت تشعر وكأن كل حجرٍ وكل زاويةٍ تراقبها، تحمل في طياتها أسرارًا لا يُسمح لها بمعرفتها.
وصلت إلى المقهى القديم، حيث اعتادت أن تلتقي بأحمد. لم يكن أحمد هنا، لكنها رأت طيفًا مألوفًا يجلس في ركنٍ مظلم. كانت أميرة، زوجة عمها، وفمها يبتسم ابتسامةً غريبةً لم ترها من قبل. اقتربت نورة بخطواتٍ مترددة، وشعرت ببرودةٍ تسري في عروقها.
"أميرة؟" نادت بصوتٍ خافت، كأنها تخشى أن تسمعها الجدران.
التفتت أميرة، وبدت عليها علامات المفاجأة، لكنها سرعان ما استبدلتها بابتسامةٍ مصطنعة. "نورة؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
جلست نورة أمامها، والرسالة لا تزال في يدها. "وجدتُ هذه الرسالة، ولا أعرف من أين أتت، ولا ماذا تعني."
نظرت أميرة إلى الرسالة، وتجمدت ملامحها للحظة. ارتسمت على وجهها نظرةٌ لم تعرف نورة تفسيرها، نظرةٌ اختلط فيها الخوف بالشماتة. "لا أعرف شيئًا عن هذه الرسالة، نورة. ربما تكون مزحةً سيئة."
"مزحة؟" تكررت الكلمة من فم نورة، وهي تشعر بأن كل شيءٍ بدأ يتداعى. "لكنها تتحدث عن اسمي الحقيقي، وعن والدتي."
لم تستطع أميرة إخفاء ارتباكها. "والدتكِ؟ والدتكِ هي المرأة التي ربتكِ، أليس كذلك؟"
"لا،" أجابت نورة بحزمٍ غريب. "هذه المرأة لم تخبرني أبدًا عن والديّ الحقيقيين. هناك شيءٌ تخفيه عني، شيءٌ أعمق مما أتصور."
بدأت أميرة تتلعثم، وتتجنب النظر في عيني نورة. "يا ابنتي، لا تعقدي الأمور. الحياة بسيطةٌ إن أردتِ ذلك."
"بسيطة؟" رفعت نورة صوتها قليلاً، ودموعٌ بدأت تتجمع في عينيها. "الحياة ليست بسيطةً حينما تشعرين أن كل ما تعرفينه عن نفسكِ هو كذبة. من هي والدتي الحقيقية، أميرة؟"
ارتعشت شفة أميرة، وكأنها على وشك البوح بسرٍ عظيم. "نورة، أنتِ... أنتِ لا تعرفين شيئًا."
"علميني،" توسلت نورة، وهي تشعر بقلبها يمزقه الألم. "أرجوكِ، علميني."
نظرت أميرة حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. "والدتكِ... والدتكِ كانت امرأةً صالحةً، نقيةً. تزوجت رجلًا لم يكن من عائلتنا، رجلًا غريبًا. عائلتنا لم توافق على هذا الزواج، وكان هناك خلافٌ كبير. ثم... ثم حدث ما حدث."
"ماذا حدث؟" ضغطت نورة، وهي تشعر بأنها على حافة الهاوية.
"بعد أن أنجبتكِ، اختفت والدتكِ. لم نعد نسمع عنها شيئًا. وتُركتِ أنتِ، طفلةً رضيعةً، ليجدكِ أهلكِ."
"لم تجدني أهلي،" قالت نورة بصوتٍ مرتعش. "بل وجدتكِ أنتِ، أميرة. المرأة التي ربتني لم تخبرني أبدًا أنها وجدتني. بل قالت إنها أنجبتني."
صمتت أميرة، وكان صمتها أبلغ من أي اعتراف. بدأت نورة تشعر بدوارٍ شديد، كأن الأرض تبتلعها. كل ما كانت تعتقد أنه حقيقةٌ كان يتلاشى، كرمالٍ تنساب بين الأصابع.
"وهذا الرجل، زوج والدتي، من هو؟" سألت نورة، وصوتها يكاد لا يُسمع.
نظرت أميرة إلى الأرض، ثم رفعت عينيها، ونظرت إلى نورة بنظرةٍ تحمل مزيجًا من الشفقة والأسى. "هو... هو رجلٌ له اسمٌ كبير في هذه المدينة، نورة. رجلٌ له سلطةٌ ونفوذ. واسمه..."
قبل أن تكمل أميرة كلماتها، انفتح باب المقهى، ودخل منه رجلٌ يرتدي عباءةً داكنة، وجهه غارقٌ في الظلال. سار مباشرةً نحو مائدتهما، وجلس ببطءٍ على الكرسي الفارغ. كانت الهالة المحيطة به مشبعةً بالغموض والقوة.
"من هو؟" سألت نورة، وهي تشعر بجاذبيةٍ غريبةٍ نحو هذا الرجل، جاذبيةٌ ممزوجةٌ بالخوف.
نظرت أميرة إلى الرجل، ثم عادت بنظرها إلى نورة، وفي عينيها رسالةٌ واضحة: "هذا هو."
شعر قلب نورة بالذعر. لم تكن تعرفه، لكنها شعرت بأن وجوده هنا ليس صدفة. لقد أتت أميرة لتكشف لها سرًا، والآن ها هو الرجل الغامض يجلس أمامهما.
"نورة،" قال الرجل بصوتٍ عميقٍ ورخيم، صوتٌ كان يحمل في طياته قصةً طويلة. "أخيرًا، ألتقي بكِ."
ارتبكت نورة. "كيف تعرف اسمي؟ ومن أنت؟"
ابتسم الرجل ابتسامةً بالكاد تُرى. "أنا... أنا الشخص الذي تنتظرين أن يأتيكِ. الشخص الذي له الحق في أن يكون والدكِ."
جمدت نورة مكانها. والدها؟ الرجل الذي تتحدث عنه الرسالة؟ لم تستطع تصديق ما تسمع. "والدي؟"
"نعم، والدكِ،" أكد الرجل، ونظر إلى أميرة بنظرةٍ حادة. "أنتِ، أيتها المرأة، لم تقومي بدوركِ جيدًا."
شعرت نورة أن كل شيءٍ حولها ينهار. لم تعد تعرف أي شيءٍ حقيقي. كل ما كانت تعتقد أنه حقيقةٌ كان يتكسر أمام عينيها. هل هذا الرجل هو والدها؟ هل هذه أميرة التي كذبت عليها طوال حياتها؟
"لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا،" همست نورة، والدموع تترقرق في عينيها. "أمي... أمي التي ربتني..."
"تلك المرأة،" قاطعها الرجل ببرود، "كانت مجرد واجهة. أما والدتكِ الحقيقية، فقد اختفت بعد أن أنجبتكِ، تركتكِ لي."
"ولماذا لم تأتِ أنت؟" سألت نورة، وصوتها يرتعش.
"كانت هناك ظروفٌ قاهرة،" أجاب الرجل، بنبرةٍ تحمل ثقلًا كبيرًا. "ظروفٌ لم تسمح لي بالاقتراب منكِ. لكنني كنت أراقبكِ من بعيد. أراقبكِ وأنتِ تكبرين، وأنتِ تتألمين. والآن، حان الوقت لتواجهي الحقيقة كاملةً."
نظرت نورة إلى أميرة، ثم إلى الرجل الغامض. شعرت وكأنها تقف على حافة هاويةٍ سحيقة. لم تعد تعرف من تثق به، ولا ما تصدقه. هل كانت هذه بداية نهاية كل شيء، أم بداية كل شيءٍ جديد؟
"ماذا تريد مني؟" سألت نورة، وهي تشعر بقوةٍ غريبةٍ تنبعث منها، قوةٌ لم تكن تعلم بوجودها.
نظر الرجل في عينيها، وقال بصوتٍ عميق: "أريدكِ أن تعرفي من أنتِ حقًا، نورة. وأن تعودي إلى حيث تنتمين."
كانت تلك اللحظة هي نقطة اللاعودة. كانت شمس الحقيقة قد بدأت بالظهور، لتكشف عن أسرارٍ غابت طويلاً، أسرارٌ كانت كفيلةً بإشعال نارٍ جديدةٍ في حياة نورة، نارٌ قد تحرق كل شيء، أو قد تنير لها دروبًا لم تكن تحلم بها.