قلب الأمير الجزء الثالث
وهج الأمل في غياهب اليأس
بقلم ليلى الأحمد
اهتزّت أركان قصر الحمراء، لا بفعل زلزال، بل بوقع أقدامٍ سريعةٍ، وصوتٍ يختنق بالدموع. كانت السماء قد ارتسمت بلونٍ رماديٍّ باهتٍ، كأنها تشاطر قلوبَ أهلِ القصرِ حزنَهم. في قلبِ هذا الاضطراب، كانت الأميرةُ ليلى، بجمالها الذي يشعُّ كجوهرةٍ نادرةٍ، تقفُ كالصخرةِ الصامدةِ أمامَ عاصفةٍ هوجاء. عيناها الواسعتان، بلونِ الليلِ العميقِ، لم تكنْ تحملانِ سوى بريقِ الأملِ المتبقّي، رغمَ ما غشّاهُ من حزنٍ عميقٍ.
لقد ماتَ الأميرُ سالم، وليُّ العهدِ، بطريقةٍ مفاجئةٍ ومأساويةٍ. كانَ غدراً، لا ريبَ في ذلك، غدراً طعنَ قلبَ المملكةِ، وقلبَ ليلى على وجهِ الخصوص. كانَ سالمُ حبَّ حياتِها، رفيقَ روحِها، ووالدَ طفلِها الذي لم يرَ النورَ بعد. كانتْ تتلمّسُ بطنَها المنتفخَ قليلاً، كأنها تستمدُّ منهُ القوةَ لمواجهةِ هذا المصابِ الجلل.
"يا سموّ الأميرة، لا بدَّ لكِ من الراحةِ. لقد أتعبتِ نفسَكِ."
كانَ الصوتُ الهادئُ والرصينُ للسيدةِ خديجة، مربّيةِ الأميرةِ ومرشدتِها، يحاولُ تهدئةَ روعِها. لكنَّ الروحَ المكلومةَ لم تجدْ سبيلاً للطمأنينةِ.
"الراحةُ؟ كيفَ لي أن أرتاحَ وسالمُ بينَ يديْه الرحمةُ؟ كيفَ لي أن أرتاحَ وقلبُ مملكتي ينزفُ؟" ألقتْ ليلى بكلماتِها كأنها سهامٌ مصوّبةٌ نحو جدارِ الصمتِ الذي لفَّ القصرَ.
كانتْ الأجواءُ مشحونةً بالحذرِ والشك. الأميرُ سالم، رغمَ شبابهِ، كانَ حكيماً وعادلاً، محبوباً من عامةِ الناسِ وخاصّتِهم. اختفاؤه المفاجئُ، ثمَّ العثورُ على جثمانِه في ظروفٍ غامضةٍ، ألقى بظلالٍ قاتمةٍ على المستقبلِ. والدهُ، السلطانُ سليمان، كانَ في شيخوختِه، لم يعدْ يملكُ القوةَ اللازمةَ لإدارةِ شؤونِ المملكةِ في خضمِّ هذهِ الأزمةِ.
"يجبُ أن نعرفَ الحقيقةَ، يا جدّي." قالتْ ليلى للسلطانِ، بينما كانَ يجلسُ على عرشِهِ، شاحبَ الوجهِ، يرتعشُ جسدُه من هولِ المصابِ. "لا يمكنُ أن نتركَ دمَ سالمٍ يذهبُ هدراً. هناكَ من يقفُ وراءَ هذا الغدرِ."
نظرَ السلطانُ سليمان إلى حفيدتِه بعينينِ مليئتينِ بالأسى والحكمةِ. "يا ابنتي، أعلمُ أنَّ قلبَكِ يحترقُ. لكنَّ الحقيقةَ قد تكونُ أشدَّ ألماً من الجرحِ. في مملكتِنا هذهِ، المصالحُ متشابكةٌ، والخيانةُ قد تأتي من أقربِ الناسِ."
كانَ حديثُ السلطانِ يحملُ تحذيراً مبطناً. كانتْ ليلى تعلمُ أنَّ هناكَ قوىً داخلَ البلاطِ تسعى للسلطةِ، وإنْ لم تكنْ تتوقعُ أن تصلَ الأمورُ إلى هذا الحدِّ من الدمويةِ.
في تلكَ الليلةِ، بينما كانَ القصرُ يلفُّهُ السكونُ الحزينُ، تسلّلتْ ليلى إلى مكتبِ الأميرِ سالم. كانَ المكتبُ مرآةً لشخصيتِه: غنيٌّ بالكتبِ، تحفٌّ من رحلاتِه، ورسائلُ من عائلتِه وأصدقائِه. استنشقتْ عطرَ سالمٍ المتبقّي في الهواءِ، وبدأتْ تبحثُ عن أيِّ خيطٍ يقودُها إلى الحقيقةِ.
بينَ الأوراقِ المبعثرةِ، وجدتْ دفترَ مذكراتٍ صغيراً، يبدو أنهُ لم يكنْ مخصصاً للكتابةِ اليوميةِ، بل للملاحظاتِ السريةِ. قلبَتْ صفحاتِه، وقرأتْ بخطِّ سالمٍ المتعرّجِ ما يثيرُ الفضولَ:
"اليومَ، اجتمعْتُ بـ 'العقربِ'. لقاؤنا كانَ سرياً، كما اتفقنا. لقدْ أكّدَ لي شكوكِي. هناكَ من يخطّطُ لزعزعةِ استقرارِ البلادِ، ويستغلُّ غيابَ السلطانِ عن الوعيِ الكاملِ. لقدْ كشفَ لي بعضَ الأسماءِ، أسماءٌ مرعبةٌ، أسماءٌ تتجلّى في الظلِّ."
شعرتْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدِها. من هوَ 'العقربُ'؟ ومن هم أولئكَ الذينَ يتجلّونَ في الظلِّ؟ ولماذا كتبَ سالمٌ هذهِ الملاحظاتِ قبلَ وفاتِه بأيامٍ قليلةٍ؟
واصلتْ البحثَ، لتجدَ ظرفاً صغيراً مخبّأً في درجٍ سريٍّ. في الداخلِ، كانتْ صورةٌ. صورةٌ لسالمٍ، وهوَ يصافحُ رجلاً ملتحياً، ذو نظرةٍ ثاقبةٍ، لكنَّ وجهَهُ كانَ غيرَ واضحٍ تماماً، كأنَّه تعمّدَ إخفاءَ هويتِه. وعلى ظهرِ الصورةِ، كُتبَ بخطٍّ مختلفٍ: "البوصلةُ تشيرُ إلى الشرقِ. الرمزُ هوَ الصقرُ."
'البوصلةُ تشيرُ إلى الشرقِ'. هذهِ عبارةٌ غامضةٌ. هلْ يقصدُ اتجاهاً جغرافياً؟ أمْ شيئاً آخرَ؟ أما 'الصقرُ'، فهلْ هوَ رمزٌ لشخصٍ ما، أمْ لمنظمةٍ؟
اختلطتْ مشاعرُ ليلى بينَ الخوفِ والجرأةِ. كانتْ هذهِ الرسائلُ هيَ الفرصةُ الوحيدةُ لمعرفةِ ما حدثَ لسالمٍ، ولكشفِ هؤلاءِ المجرمينَ. قررتْ في تلكَ اللحظةِ، أنَّها لنْ تسمحَ لأحدٍ بأنْ ينهيَ قصةَ حلمِها بهذهِ الطريقةِ. مهما كانَ الثمنُ.
استيقظتْ الشمسُ في اليومِ التالي، لتجدَ ليلى قدْ غادرتْ قصرَ الحمراءِ، دونَ أنْ يدركَ أحدٌ. كانتْ ترتدي ملابسَ بسيطةً، تخفي وراءَها أميرةً. في يدِها دفترُ المذكراتِ والصورةُ. لقدْ بدأتْ رحلتَها. رحلةٌ ستُعيدُ تعريفَ مفهومِ الشجاعةِ، والولاءِ، والانتقامِ. رحلةٌ نحو قلبِ المؤامرةِ.