قلب الأمير الجزء الثالث

همساتُ السوقِ وغموضُ الشرقِ

بقلم ليلى الأحمد

كانتْ الشمسُ ترسلُ أشعتَها الذهبيةَ عبرَ أزقةِ السوقِ القديمِ، لتُلقي بظلالِها الراقصةِ على بسطاتِ التجارِ المليئةِ بالبضائعِ الفاخرةِ. رائحةُ التوابلِ العطرةِ، وصوتُ الباعةِ المتجولينَ، وزقزقةُ العصافيرِ، كلُّها تختلطُ لتُشكّلَ سمفونيةً حيةً نابضةً بالحياةِ. في قلبِ هذا الصخبِ، كانتْ الأميرةُ ليلى، متخفيةً بعباءةٍ فضفاضةٍ، وعينينِ تبحثانِ عن شيءٍ يفوقُ جمالَ البضائعِ المعروضةِ.

لقدْ قطعتْ شوطاً طويلاً منذُ رحيلِها من القصرِ. وجهتُها الأولى كانتْ نحو الشرقِ، كما دلّتها الملاحظاتُ الغامضةُ. لكنَّ عبارةَ "البوصلةُ تشيرُ إلى الشرقِ" لم تكنْ مجردَ اتجاهٍ جغرافيٍّ، بلْ كانتْ وجهةً رمزيةً، مكاناً يُعرفُ فيهِ الأسرارُ، وتُباعُ فيهِ المعلوماتُ.

"السلامُ عليكم، يا أخي." قالتْ ليلى لأحدِ الباعةِ المتجولينَ، وهوَ رجلٌ كبيرُ السنِّ، يرتدي عمامةً بيضاءَ، وعينيهِ تشعُّ بذكاءٍ حادٍّ.

"وعليكم السلامُ، يا أختي. هلْ تبحثينَ عن شيءٍ مميّزٍ؟" ردَّ الرجلُ بابتسامةٍ ودودةٍ.

"نعم، أبحثُ عن شخصٍ يُعرفُ بـ 'العقربِ'." قالتْ ليلى، وخفتَ صوتُها قليلاً، متوقعةً رداً فورياً بالرفضِ أو الخوفِ.

لكنَّ الرجلَ لم يتفاجأ. بلْ أخذَ نفساً عميقاً، ونظرَ حولَهُ باستغرابٍ، قبلَ أنْ يهمسَ: "هذا الاسمُ لا يُذكرُ إلا في الظلامِ، يا أختي. إنَّ 'العقربَ' ليسَ شخصاً عادياً، بلْ شبكةٌ من الأسرارِ. من أنتِ، وماذا تريدينَ منهُ؟"

شعرتْ ليلى بارتياحٍ غريبٍ. لقدْ وجدتْ أخيراً خيطاً. "أنا شخصٌ يبحثُ عن الحقيقةِ. لقدْ كانَ 'العقربُ' صديقاً لفقيدٍ عزيزٍ عليَّ. وأريدُ أنْ أعرفَ كيفَ أفهمُ الرسالةَ الأخيرةَ التي تركَها."

أومأَ الرجلُ برأسِهِ ببطءٍ. "الرسائلُ تأتي بطرقٍ مختلفةٍ. ولكنْ، إذا كانَ طلبُكِ بخصوصَ 'الصقرِ'، فهناكَ من يستطيعُ مساعدتَكِ."

'الصقرُ'! الكلمةُ التي كانتْ مكتوبةً على ظهرِ الصورةِ. "من هوَ هذا الشخصُ؟" سألتْ ليلى بشغفٍ.

"اسمُهُ 'الحكيمُ'. وهوَ لا يتلقّى الزبائنَ في مكانٍ معلومٍ، بلْ في أماكنَ متغيّرةٍ. ولكنْ، إذا أردتِ لقاءَهُ، يجبُ أنْ تحملي معكِ شيئاً يُثبتُ صدقَ نواياكِ. شيئاً يُشبهُ رمزَ 'الصقرِ'."

أخرجتْ ليلى الصورةَ المخبّأةَ في حقيبتِها. "هلْ هذهِ تكفي؟"

نظرَ الرجلُ إلى الصورةِ، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى ليلى. "هذهِ الصورةُ تحملُ وجهاً غيرَ واضحٍ. لكنْ، إذا كنتِ ابنةَ السلطانِ، وكنتِ تبحثينَ عن الحقيقةِ، فهذهِ الصورةُ قد تكونُ جوازَ سفرِكِ. اذهبي إلى نهايةِ السوقِ، حيثُ يبيعُ 'سيدُ النقوشِ' خشبَ العودِ. إذا رأيتِ صقراً منحوتاً على بابِ دكانِهِ، فاطلبي منهُ 'أجنحةَ الحريةِ'. عندها، سيُحالُ إليكِ 'الحكيمُ'."

شكرتْ ليلى الرجلَ، ثمَّ انطلقتْ في اتجاهِ نهايةِ السوقِ. كانَ قلبُها يخفقُ بقوةٍ، مزيجاً من الخوفِ والأملِ. كلُّ خطوةٍ كانتْ تُقرّبُها من كشفِ الحقيقةِ، أو تُغرِقُها في المزيدِ من الألغازِ.

وصلتْ إلى المكانِ الذي وصفهُ الرجلُ. كانتْ هناكَ دكانٌ صغيرةٌ، تفوحُ منها رائحةُ خشبِ العودِ الفاخرِ. وعلى بابِ الدكانِ، كانَ هناكَ نقشٌ غريبٌ لصقرٍ، تبدو ريشاتُهُ وكأنها تتلوى بأجنحتِها.

"السلامُ عليكم." قالتْ ليلى بصوتٍ واضحٍ.

خرجَ رجلٌ من داخلِ الدكانِ، كانَ قصيرَ القامةِ، يرتدي ثوباً قديماً، ووجهُهُ مليءٌ بالتجاعيدِ، لكنَّ عينيهِ كانتْ تلمعانِ بالذكاءِ. "وعليكم السلامُ، يا أختي. ماذا تريدينَ؟"

"أطلبُ 'أجنحةَ الحريةِ'." قالتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بأنَّ كلَّ الأنظارِ حولَها تتجهُ إليها.

ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً غامضةً. "هذهِ الكلمةُ لم تُقالْ منذُ زمنٍ طويلٍ. تفضّلي بالدخولِ. 'الحكيمُ' في انتظارِكِ."

دخلتْ ليلى إلى الدكانِ، لتجدَ أنَّها أكبرُ مما تبدو من الخارجِ. في زاويةٍ منها، كانَ يجلسُ رجلٌ عجوزٌ، يرتدي ملابسَ بسيطةً، لكنَّ هالتَهُ كانتْ تشعُّ بالوقارِ. هذا هوَ 'الحكيمُ'.

"مرحباً بكِ، يا ابنةَ السلطانِ." قالَ الرجلُ بصوتٍ هادئٍ وعميقٍ. "لقدْ علمتُ بقدومِكِ. 'العقربَ' أخبرني عنكِ."

'العقربَ'؟ كيفَ علِمَ 'العقربُ' بقدومِها؟ هلْ كانَ يراقبُها؟

"أنا ابنةُ السلطانِ، نعم. لكنْ، أتيتُ اليومَ كباحثةٍ عن الحقيقةِ. أريدُ أنْ أعرفَ كلَّ شيءٍ عن وفاةِ الأميرِ سالمٍ." قالتْ ليلى، وصوتُها يرتعشُ قليلاً.

ابتسمَ 'الحكيمُ' ابتسامةً باهتةً. "الحقيقةُ غالباً ما تكونُ مؤلمةً، يا ابنةَ السلطانِ. والأميرُ سالمٌ، رحمهُ اللهُ، كانَ على وشكِ كشفِ مؤامرةٍ كبيرةٍ. مؤامرةٌ كانتْ تهددُ استقرارَ مملكتِنا. وقدْ أُجبرَ على الصمتِ للأبدِ."

"منْ هم؟" سألتْ ليلى بلهفةٍ. "منْ يقفُ وراءَ هذا؟"

"الأمرُ ليسَ بهذهِ البساطةِ. الأسماءُ كثيرةٌ، والمصالحُ متشابكةٌ. لكنْ، 'العقربَ' قدْ تركَ لكِ مفتاحاً. مفتاحاً سيُمكنُكِ من فتحِ أبوابٍ مغلقةٍ."

وضعَ 'الحكيمُ' صندوقاً خشبياً صغيراً على الطاولةِ أمامَ ليلى. كانَ الصندوقُ مزخرفاً بنقوشٍ دقيقةٍ، يبدو أنهُ لا يحملُ أيَّ قفلٍ.

"كيفَ أفتحُهُ؟" سألتْ ليلى.

"ليسَ بالقوةِ، بلْ بالذكاءِ. داخلَ هذا الصندوقِ، هناكَ لغزٌ. وبحلِّ اللغزِ، ستجدينَ مفتاحَ الحقيقةِ."

فتحتْ ليلى الصندوقَ، لتجدَ بداخلِهِ قطعةَ ورقٍ قديمةٍ، مكتوبٌ عليها كلماتٌ غريبةٌ: "أنا أبكي بلا عينينِ، وأجري بلا ساقينِ. أُغطي الأرضَ بلا أجنحةٍ. فمنْ أنا؟"

نظرتْ ليلى إلى الكلماتِ، وهيَ تشعرُ بأنَّها أمامَ اختبارٍ حقيقيٍّ. هلْ كانتْ وفاةُ سالمٍ مجردَ جريمةِ قتلٍ، أمْ بدايةَ حربٍ باردةٍ ستُغرقُ المملكةَ في بحرٍ من الظلمِ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%