قلب الأمير الجزء الثالث
مرايا الخيانةِ وظلالُ الماضي
بقلم ليلى الأحمد
انحدرتْ ليلى في الممرِّ الضيقِ، ورائحةُ الغبارِ والزمنِ تعبقُ في أنفاسِها. كانتْ الشمعةُ ترقصُ في يدِها، تلقي بظلالٍ متراقصةٍ على الجدرانِ الحجريةِ الباردةِ. كانتْ كلُّ خطوةٍ تخطوها تُشعرُها بأنها تقتربُ من قلبِ السرِّ، أوْ من فمِ الوحشِ.
بعدَ مسافةٍ، اتّسعَ الممرُّ قليلاً، ليؤدي إلى غرفةٍ صغيرةٍ، يبدو أنها كانتْ سراً مخفياً منذُ زمنٍ بعيدٍ. في وسطِ الغرفةِ، كانتْ هناكَ طاولةٌ خشبيةٌ، وعليها بعضُ الأدواتِ الغريبةِ، وصندوقٌ آخرُ، يشبهُ الصندوقَ الذي أعطاهُ إياها 'الحكيمُ'.
لكنَّ ما لفتَ انتباهَ ليلى حقاً، كانَ ما هوَ معلّقٌ على الجدارِ المقابلِ. كانتْ سلسلةٌ منَ الصورِ، مرصوصةٌ بعنايةٍ. صورٌ لأشخاصٍ، لم تستطعْ التعرفَ على هويتِهم في البدايةِ. لكنْ، كلما تدققتْ، شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدِها.
كانتْ هناكَ صورةٌ لتاجرٍ ثريٍّ، معروفٍ بتعاملاتِهِ المشبوهةِ، يُدعى 'الشيخُ عثمانُ'. وبجانبِها، صورةٌ لضابطٍ رفيعٍ في الحرسِ الملكيِّ، يُدعى 'الملازمُ أحمدُ'. ثمَّ صورةٌ لوزيرٍ منْ وزراءِ السلطانِ، معروفٍ بطموحِهِ الجامحِ، يُدعى 'الوزيرُ جاسرُ'.
وفي نهايةِ السلسلةِ، كانتْ صورةٌ لامرأةٍ جميلةٍ، ذاتِ عينينِ حادتينِ، ترتدي ملابسَ فاخرةً، لكنَّ وجهَها بدا متعباً، وكأنها تحملُ هموماً ثقيلةً. تحتَ الصورةِ، كُتبَ اسمُها: 'الأميرةُ سارةُ'.
منْ تكونُ هذهِ الأميرةُ سارةُ؟ لم تسمعْ بها من قبلُ. هلْ كانتْ منْ عائلةِ السلطانِ؟ ولماذا كانتْ صورُ هؤلاءِ الأشخاصِ معروضةً هنا، في هذا المكانِ السريِّ؟
اقتربتْ ليلى منَ الصندوقِ الثاني. كانَ هذا الصندوقُ مفتوحاً، ومنْ داخلِهِ، خرجتْ مجموعةٌ منَ الأوراقِ، يبدو أنها كانتْ مراسلاتٍ. أمسكتْ بورقةٍ، وقرأتْ ما فيها.
كانتْ الرسالةُ موجهةً إلى 'الملازمِ أحمدَ'، منْ شخصٍ يُشارُ إليهِ بـ 'العقربِ'.
"عزيزي أحمدُ، تمَّ الترتيبُ النهائيُّ. خطتُنا تسيرُ حسبَ الخطةِ. 'الشيخُ عثمانُ' قدْ أكملَ جزءَهُ الماليُّ، و'الوزيرُ جاسرُ' قدْ ضمنَ ولاءَ الحرسِ. أما 'الأميرةُ سارةُ'، فقدْ وافقتْ على لعبِ دورِها، وتقديمِ المعلوماتِ الضروريةِ. الأمرُ الوحيدُ المتبقّي هوَ 'الوليُّ'. لقدْ اقتربَ موعدُ الانتهاءِ منْهُ. حينَها، سيبدأُ عصرٌ جديدٌ، عصرٌ نحكمُ فيهِ بعيداً عنْ أيديِ العاجزينَ."
"الوليُّ؟" همستْ ليلى. "هلْ يقصدونَ الأميرَ سالمَ؟"
ثمَّ قرأتْ رسالةً أخرى، موجهةً إلى 'الأميرةِ سارةَ'، منْ 'العقربِ' أيضاً.
"يا سارةُ، لقدْ أثبتِّ جدارتَكِ. المعلوماتُ التي قدمتِها كانتْ دقيقةً، وسمحتْ لنا باختراقِ دفاعاتِ 'الوليِّ'. إنَّ دورَكِ حاسمٌ في هذهِ المعركةِ. لا تخافي منْ أفعالِ 'الشيخِ عثمانَ' أوْ 'الملازمِ أحمدَ'. كلُّهم مجردُ أدواتٍ في يدِنا. المهمُّ هوَ النهايةُ، ونصرُنا الأكيدُ."
لم تستطعْ ليلى أنْ تُصدّقَ ما تقرأُهُ. سالمُ، زوجُها، كانَ يُلقَّبُ بـ "الوليِّ". وقدْ كانَ هؤلاءِ الأشخاصُ، منْ تاجرٍ وضابطٍ ووزيرٍ، بلْ وحتى أميرةٍ أخرى، يتآمرونَ عليهِ. والشخصُ الذي كانَ سالمُ يثقُ بهِ، 'العقربُ'، هوَ منْ يقودُ هذهِ المؤامرةَ.
كيفَ ذلكَ؟ كيفَ يمكنُ لـ 'العقربِ' أنْ يكونَ عدواً؟ ألمْ يكنْ هوَ منْ تركَ لهُ الأدلةَ؟
نظرتْ ليلى إلى صورةِ الأميرةِ سارةَ. كانتْ تبدو حزينةً، رغمَ جمالِها. هلْ كانتْ مجبرةً على المشاركةِ في هذهِ المؤامرةِ؟ أمْ أنها كانتْ جزءاً منها بإرادتِها؟
انتقلتْ ليلى إلى الصندوقِ الثالثِ، الأصغرِ حجماً، الذي لم يكنْ مفتوحاً. كانَ يحملُ نقوشاً دقيقةً، تشبهُ تلكَ التي رأتها على بابِ دكانِ 'سيدِ النقوشِ'. حاولتْ فتحَهُ، لكنهُ كانَ مغلقاً بإحكامٍ.
"لا بدَّ أنَّ هناكَ مفتاحاً لهذهِ الأبوابِ المغلقةِ." قالتْ ليلى لنفسِها.
نظرتْ مرةً أخرى إلى سلسلةِ الصورِ. صورةُ 'الشيخِ عثمانَ'، صورةُ 'الملازمِ أحمدَ'، صورةُ 'الوزيرِ جاسرِ'، وصورةُ 'الأميرةِ سارةَ'. ثمَّ عادتْ بصرُها إلى صورةِ 'الوليِّ' (سالمٍ).
فجأةً، لمحتْ شيئاً غريباً. في كلِّ صورةٍ منْ صورِ المتآمرينَ، كانَ هناكَ رمزٌ صغيرٌ، شبهُ مخفيٍّ، في زاويةِ الصورةِ. على صورةِ 'الشيخِ عثمانَ'، كانَ هناكَ رمزُ دينارٍ. على صورةِ 'الملازمِ أحمدَ'، كانَ هناكَ رمزُ سيفٍ. على صورةِ 'الوزيرِ جاسرِ'، كانَ هناكَ رمزُ ميزانٍ. وعلى صورةِ 'الأميرةِ سارةَ'، كانَ هناكَ رمزُ قلبٍ مجروحٍ.
لكنَّ صورةَ سالمٍ، 'الوليِّ'، لم يكنْ عليها أيُّ رمزٍ.
"هذا ليسَ منْ أجلِ الديكورِ." همستْ ليلى. "هذهِ الرموزُ لها معنى."
وبينما كانتْ تُفكّرُ، وقعَ بصرُها على الصندوقِ الثالثِ. نظرتْ إلى النقوشِ عليهِ، ثمَّ عادتْ بنظرِها إلى الرموزِ.
"المالُ، السيفُ، الميزانُ، والقلبُ المجروحُ..."
ثمَّ تذكرتْ ما قالهُ 'الحكيمُ' عنْ 'العقربِ'. "إنَّ 'العقربَ' ليسَ شخصاً عادياً، بلْ شبكةٌ منَ الأسرارِ."
وفجأةً، أشرقتْ فكرةٌ في ذهنِها. ماذا لوْ كانَ 'العقربُ' ليسَ شخصاً واحداً، بلْ مجموعةً منَ الأشخاصِ؟ وماذا لوْ كانتْ هذهِ الرموزُ هيَ علامةَ كلِّ فردٍ في هذهِ الشبكةِ؟
نظرتْ إلى الصندوقِ الثالثِ مرةً أخرى. كانتْ نقوشُهُ تشبهُ كثيراً شكلَ عقربٍ، لكنْ بتفاصيلَ دقيقةٍ. ثمَّ لاحظتْ وجودَ أماكنَ صغيرةٍ، تشبهُ فوهاتِ أبوابٍ، حولَ شكلِ العقربِ.
"إنها الأقفالُ!" صرختْ ليلى. "يجبُ أنْ أجدَ المفاتيحَ لهذهِ الأقفالِ."
لكنْ، أينَ تجدُ المفاتيحَ؟ هلْ هيَ هذهِ الرموزُ؟
في تلكَ اللحظةِ، سمعتْ ليلى صوتاً قادماً منْ خارجِ الغرفةِ. صوتَ أقدامٍ تقتربُ. شعرتْ بالخطرِ يلوحُ في الأفقِ.
"يجبُ أنْ أخرجَ منْ هنا." قالتْ لنفسِها.
أخذتْ صورةَ الأميرةِ سارةَ، وصورةَ سالمٍ، وبعضَ الرسائلِ التي كانتْ تحتَ يدِها. ثمَّ نظرتْ إلى الصندوقِ الثالثِ، وكأنها تريدُ أنْ تحتفظَ بمكانِهِ في ذاكرتِها.
أسرعتْ ليلى عائدةً إلى الممرِّ، وقلبُها يدقُّ كالمطارقِ. خلفَها، سمعتْ صوتَ بابٍ يُفتحُ. لقدْ اكتشفَ أمرَها.