زوجي الأمير الجزء الثالث

خفقة القلب تحت ظلال الشجر

بقلم سارة العمري

كانت نسمات المساء الندية تداعب وجنتيها وهي ترتشف من كوب الشاي بالنعناع، تراقب أطفال القرية يلعبون ببهجة عند سفح الجبل. كان صوت ضحكاتهم الرقيقة يمتزج بزقزقة العصافير قبيل الغروب، يرسم لوحة سماوية من السكينة التي اعتادتها "نور" منذ نعومة أظفارها. جلست تحت شجرة الرمان العتيقة التي شهدت أسرار طفولتها وصباها، أوراقها الخضراء الزاهية تظلل المكان بفسحة وارفة، وثمارها الحمراء المتدلية كالياقوت تسر الناظرين.

لكن اليوم، لم تكن السكينة التي تحيط بها كافية لتطفئ تلك اللهفة المتزايدة في قلبها. كانت تنتظر. تنتظر على أحر من الجمر، وقد أضحت هذه العادة جزءًا لا يتجزأ من روتين أيامها الأخيرة. كلما اقترب موعد مجيئه، كلما زادت سرعة دقات قلبها، كأنها تحاول اللحاق بأجنحة الوقت المتسارع.

أخيرًا، لمح بصرها سيارة الدفع الرباعي وهي تعبر الطريق الترابي المتعرج المؤدي إلى القرية. توقفت الأنفاس. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم نهضت بخفة، تلملم طرف عباءتها العاجية الموشاة بخيوط ذهبية دقيقة، وهي بالكاد تتمالك نفسها من فرط الشوق.

لقد مر شهر منذ آخر لقاء لهما، شهر طال عليه الأمد كأنه دهر. شهر مليء بالرسائل المشفرة، بالكلمات المتناثرة عبر الأثير، وبالأحلام التي نسجتها خيوط اليقين. كان "سيف" بالنسبة لها أكثر من مجرد رجل؛ كان الأمان، كان الحلم الذي طالما راودها، كان الزوج الذي اختاره لها القدر، والذي شعرت بأنها عرفته منذ الأزل.

قاد سيارته بمهارة، ونزل منها وهو لا يزال يرتدي زيه الرسمي الأنيق، وإن بدت بعض التجاعيد البسيطة على سترته، دلالة على رحلة طويلة. رفع نظره إليها، وفور أن التقت عيناهما، انقشع كل ما حولهما. لم يكن في العالم سوى تلك اللحظة، وتلك النظرة التي حملت في طياتها كل ما لم يستطع اللسان البوح به.

"السلام عليكم يا نور." كانت نبرته عميقة، تبعث دفئًا في قلبها. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، سيف." ردت بصوت ارتجف قليلًا، بالكاد استطاعت إخفاء مدى اهتزازها.

تقدم نحوها بخطوات ثابتة، لم يخفِ حرصه على المسافة التي فصلت بينهما. يعرفان جيدًا حدودهما، وتقديرهما لبعضهما البعض يكمن في احترام هذه الحدود. عندما وقف أمامها، مد يده ببطء، ولمست يديها بحنان رقيق. كانت يداه قويتين، تحملان أثر العمل والصبر، لكنهما في لحظتها كانتا تحملان رفقًا لا مثيل له.

"كيف حالك؟" سأل وهو ينظر إلى عينيها الزرقاوين اللتين اتسعتا قليلًا بوجوده. "بخير، بفضل الله. وأنت؟ رحلتك كانت طويلة؟" "ليست طويلة بما يكفي لأنسى رائحة أرضنا، أو لأغيب عن وجهكِ." رد بابتسامة خفيفة، كانت كافية لتجعل قلبها يرقص فرحًا.

كانت هناك دائمًا هالة من الجدية تحيط بسيف، هالة لا تنقص من وقاره، بل تزيد من مهابته. كان رجلًا يعيش في عالم الأعمال المتشعب، حيث القرارات الحاسمة تتخذ في لمح البصر، والصفقات تبنى على الثقة والنزاهة. لكن عندما يكون معها، تبدو تلك الهالة وكأنها تتلاشى، ليحل محلها ذلك الرجل الذي يمتلك قلبًا حنونًا، ونظرة صادقة.

"أحضرت لكِ شيئًا." قال، ثم التفت إلى سيارته وأخرج صندوقًا أسود أنيقًا. فتحه أمامها، ليفاجأها بمجموعة من الكتب النادرة، وعطر فاخر يحمل رائحة المسك والعنبر. "هذه الكتب… كيف عرفت أنني أبحث عنها؟" سألت بنبرة لا تخلو من الدهشة والإعجاب. "قلبكِ هو بوصلتي يا نور." قال ببساطة، لكن كلماته تلك تركت أثرًا عميقًا فيها.

لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة. لقد كانت تعكس الفهم العميق الذي كان بينهما، حتى قبل أن يجمعهم عقد الزواج الرسمي. كانا مخطوبين، والزواج على وشك أن يتم بعد أشهر قليلة، لكن كل لحظة يقضيانها معًا كانت تبني جسرًا من المودة والثقة بينهما، جسرًا أقوى من أي ظروف.

"والعطر… رائع." قالت وهي تبتسم، وتستنشق عبيره الفواح. "رأيته في أحد أسفاري، وفكرت أنه سيناسب رقة روحكِ."

وقفوا صامتين للحظات، كل منهما يغرق في تأمل الآخر. كانت أشعة الشمس الذهبية الأخيرة ترسل خيوطها عبر أوراق الشجر، ترسم ظلالًا راقصة على الأرض. بدا وكأن الزمان قد توقف، وتوقف معه كل شيء سوى نبض القلب المتزايد.

"والدتي تسأل عنكِ." قال سيف فجأة، كاسرًا الصمت. "تريد أن تطمئن عليكِ، وأن تعرف متى سنتمكن من زيارتها." "وأنا كذلك. شوقي لعمتي حبيبة كبير. سأرتب أموري لزيارتها الأسبوع القادم إن شاء الله. ربما يمكننا الذهاب معًا؟"

لمعت عينا سيف. "هذا ما كنت أتمناه. ترتيبات الزواج بدأت تأخذ منحى جدياً، وأشعر أننا بحاجة لقضاء وقت أطول معًا، بعيدًا عن صخب المدينة وترتيبات المكتب." "أنا معك. هذا الوقت ثمين بالنسبة لي."

نظر إليها سيف مليًا، وظهرت في عينيه لمحة من الامتنان. "علمت أنكِ كنتِ تساعدين في تجهيز دار الأيتام. جهدكِ هذا محل تقدير كبير، يا نور. أن تكوني على هذه الدرجة من العطاء والتفاني… هذا ما زادني حبًا لكِ."

ابتسمت بخجل. "هذا واجب علينا جميعًا. هم بحاجة إلينا." "وأنتم بحاجة لبعضكم البعض. هذا هو معنى الحياة الحقيقية."

كانت كلماته تلك تلامس أعمق ما في روحها. كانت دائمًا تؤمن بأن السعادة الحقيقية لا تكمن في الملذات الشخصية، بل في العطاء، وفي بناء أسرة متماسكة، وفي خدمة المجتمع.

"هل نذهب؟ أمي تنتظرنا." قال سيف. "بالتأكيد."

مشوا معًا نحو سيارته، لا يزالان يشعران بتلك الشحنة الكهربائية التي تنتقل بينهما عند أي تماس. كانت نور تشعر بأنها تعيش حلمًا، حلمًا جميلًا، مليئًا بالأمل والحب. لكن في زوايا روحها، كانت هناك دائمًا تلك الغموض الذي يلف حياة سيف، تلك الأسرار التي لم تبح بها بعد، والتي كانت تزرع في قلبها بذرة قلق ممزوجة بالفضول. كانت تعلم أن هناك ما هو أكثر من مجرد الحب الذي يجمعهما، وأن المستقبل يحمل لهما الكثير، خيره وشره.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%