زوجي الأمير الجزء الثالث
أصداء الماضي في قصر المرجان
بقلم سارة العمري
جلست نور على شرفة قصر المرجان، تحتضن فنجان قهوتها الممزوجة بالهيل، والنسيم العليل يحمل عبق الياسمين المتسلق على جدران الفيلا. أمامها، امتدت زرقة البحر اللازوردية لتتلاشى مع خط الأفق، وكأنها لوحة فنية رسمتها يد الخالق. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تستعيد ذكريات الأيام الأولى لزواجها من الأمير فهد. أيام كانت فيها البساطة والقناعة تنسج خيوط سعادتهما، قبل أن تتسلل إليهما تعقيدات الحياة وقسوة الظروف.
كانت الأيام الماضية قد شهدت تحولًا في أجواء القصر. بعد عودة الأمير فهد من رحلته المفاجئة، أصبح أكثر انعزالًا، وبين الحين والآخر، كانت تمر على وجهه سحابة من الحزن والتفكير العميق. لم تعد تلك الابتسامة الساحرة تضيء وجهه كما عهدتها، وبات صمته أبلغ من أي كلام. لاحظت نور هذا التغير بقلب موجوع، وحاولت مرارًا أن تستدر عطفه أو تفهم ما يعتريه، لكنه كان غالبًا ما يكتفي بكلمات مختصرة أو إيماءات تشير إلى انشغاله.
اليوم، وبعد طول انتظار، قررت أن تواجهه. سمعت عن وجود مكتبة قديمة في أحد أجنحة القصر، قيل إنها تحتوي على كنوز من المخطوطات والوثائق الخاصة بالعائلة. تملكتها فكرة أن يكون في تلك المكتبة ما يفسر سبب هذا التغير المفاجئ في الأمير، أو ربما شيئًا يتعلق بماضيه الذي كان دائمًا يلفه الغموض.
بعد صلاة الضحى، ارتدت نور ثوبًا فضفاضًا بلون اللافندر، ووضعت على رأسها حجابًا بسيطًا. توجهت بخطوات هادئة نحو الجناح الغربي، حيث تقع المكتبة. استقبلتها امرأة مسنة، تدعى أمينة، وهي حارسة المكتبة وذاكرة القصر. رحبت بها بابتسامة حنونة، وفتحت لها الباب الخشبي الثقيل الذي يكشف عن عالم من التاريخ.
كانت المكتبة أشبه بكهف أثري. رفوف خشبية عتيقة تعلو لتلامس السقف، تعج بالكتب والمخطوطات المغبرة. رائحة الورق القديم والجلد الطبيعي تفوح في الأرجاء، ممزوجة بعبق البخور الذي لم ينطفئ منذ عقود. جلست نور على كرسي جلدي مريح، وبدأت تتصفح بعناية فائقة، تقلب الصفحات برفق، وتبحث عن أي خيط قد يقودها إلى الحقيقة.
مرت ساعات وهي غارقة في عالم من القصص والأساطير. وجدت سجلات لمناسبات عائلية قديمة، ورسائل متبادلة بين أجيال سابقة. وفجأة، وقع بصرها على صندوق خشبي صغير، مزخرف بنقوش ذهبية باهتة. بدا الصندوق مختلفًا عن باقي محتويات الرف، وكأنه يحمل سرًا دفينًا.
بحذر، فتحت نور الصندوق. كان بداخله مجموعة من الرسائل القديمة، مربوطة بشريط حريري أحمر. وورقة مطوية بعناية، يبدو أنها كانت رسالة. مدّت يدها لتأخذها، وعندما بدأت في قراءتها، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كانت الرسالة بخط يد الأمير فهد، ولكنها تبدو قديمة جدًا، وكأنها كُتبت في مرحلة مبكرة من حياته.
"إلى نور، يا من سكنتِ فؤادي قبل أن ألتقيكِ، أعلم أنكِ قد لا تفهمين ما يحدث الآن. ولكن أريدكِ أن تعلمي أنني لم أعد كما كنت. لقد عاد شبح الماضي ليطاردني، وظلال أحداث كادت أن تنهيني. في رحلتي الأخيرة، وجدت ما يؤكد شكوكًا قديمة، وفتح بابًا كنت أتمنى أن يظل مغلقًا إلى الأبد. هناك أمور لم أخبركِ بها، ظننت أنها تخصني وحدي، وأنني سأحملها إلى قبري. ولكن الآن، ربما يكون من واجبي أن أضعكِ في الصورة، وأن أتحمل مسؤولية ما قد يترتب على ذلك. الرجاء، لا تبحثي عني في الأيام القادمة. دعي الأيام تكشف ما سيأتي. فقط اعلمي أن حبكِ هو بصيص الأمل الوحيد في ظلمة حياتي. أميركِ، فهد."
تنهدت نور بعمق، وشعرت بقلبها يرتجف. كلمات الأمير فهد كانت أقرب إلى لغز منها إلى إفصاح. "شبح الماضي"، "أحداث كادت أن تنهيني"، "أمور لم أخبركِ بها". كل هذه العبارات كانت تبعث على القلق والغموض.
جلست نور ساكنة لدقائق، تحاول استيعاب ما قرأت. لم تكن تعرف ما هي تلك الأحداث، ولا ما هي تلك الأمور التي أخفاها عنها. تذكرت كيف كان الأمير فهد في بداية زواجهما، يتقاسم معها أدق تفاصيل حياته، وكان صريحًا وشفافًا. لكن يبدو أن شيئًا ما قد تغير، وأن هناك جدارًا قد بُني بينهما، جدارًا من الأسرار والخوف.
تصفحت الرسائل الأخرى، فوجدت أنها كلها موجهة من الأمير فهد إلى "نور" أيضًا. بعضها كان يعبر عن حب عميق وشوق، وبعضها الآخر كان يتحدث عن آلام وتحديات. هل كانت هذه الرسائل كلها تتحدث عن نفس نور؟ أم أن هناك نورًا أخرى في حياة الأمير؟ هذا السؤال كان يزداد إلحاحًا في ذهنها.
خرجت نور من المكتبة وهي تشعر بثقل العالم على كتفيها. لم تجد إجابات، بل وجدت المزيد من الأسئلة، والمزيد من الشكوك. عادت إلى غرفتها، وجلست أمام النافذة، تنظر إلى غروب الشمس وهو يصبغ السماء بألوان برتقالية ووردية. تذكرت كلام أمينة، حارسة المكتبة، التي قالت لها: "كل كتاب في هذه المكتبة يحمل قصة، وكل قصة تحمل حكمة. ولكن ليست كل الحكمة سهلة الفهم."
تساءلت في قرارة نفسها: هل كانت هذه الأحداث التي يعيشها الأمير فهد مجرد اختبار من الله، أم أنها بداية لمرحلة جديدة من حياتهما، مرحلة تتطلب منها الصبر والقوة والتفهم؟ هل يمكنها أن تتجاوز هذه العقبات، وأن تعيد بناء الثقة بينهما؟
أغلقت نور عينيها، ودعت الله أن يلهمها الصبر والحكمة، وأن يكشف لها عن الحقائق، وأن يعينها على تجاوز هذه المحنة. شعرت بأنها على وشك الدخول في منعطف خطير في حياتها، منعطف قد يغير مسار علاقتها بالأمير فهد، وقد يؤثر على مستقبل حياتهما معًا. ولكنها قررت، في تلك اللحظة، ألا تستسلم لليأس، وأن تواجه ما يأتي بعزيمة وإيمان.
لم تكن تعرف أن هذه الرسائل، التي وجدتها بالصدفة، كانت مجرد البداية لكشف أسرار أعمق، وأن هناك خيوطًا من الماضي بدأت تتكشف، خيوطًا ستعيد تشكيل حياتها وحياة الأمير فهد إلى الأبد.