زوجي الأمير الجزء الثالث
وريث غريب وأسرار مدفونة
بقلم سارة العمري
تسللت الهمسات والخوف إلى أرجاء قصر المرجان بعد أن انتشر خبر وجود وريث آخر للأمير فهد. بدأت نور ترى نظرات متسائلة ممزوجة بالشفقة من بعض الخدم، بينما حافظ آخرون على صمت مطبق، وكأنهم يخافون من الحديث عن أمر حساس. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، وكان الأمير فهد يتحرك كمن يراقب عدوًا خفيًا، يزداد عزلته يومًا بعد يوم، لكنه كان يحرص على إظهار نوع من القوة أمام نور، وكأنه يريد أن يطمئنها.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت نور تتأمل النجوم من شرفتها، وجدت الأمير فهد يقف بجانبها، عيناه تتابعان اتساع السماء. صمت ساد بينهما لدقائق، صمت لم يكن مريحًا، بل كان مليئًا بالأسئلة غير المطروحة.
"هل أنتِ بخير يا نور؟" سأل الأمير أخيراً، وقد وضع يده على كتفها برفق. "الحمد لله." أجابت نور، محاولة أن تبدو قوية. "ولكنني قلقة عليك يا فهد. يبدو أن هذا الأمر قد أثقل كاهلك."
"إنها مسؤولية كبيرة." اعترف الأمير، وقد انسحبت يده لتمسك بيدها. "أن تجد فجأة أن حياتك لم تكن كما ظننت، وأن هناك أسرارًا قديمة تتكشف، هو أمر مؤلم. ولكن الأكثر إيلامًا هو الخوف على مستقبلنا، على كل ما بنيناه."
"ولكن، هل أنت متأكد من هذا الادعاء؟ من هذا الشخص؟" سألت نور، لا تزال تشعر ببعض التردد. "الوثائق التي بحوزتهم تبدو مقنعة، وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا. لقد طلبتُ من محامين موثوقين التحقق من الأمر، ولكنهم يحتاجون وقتًا. وفي هذه الأثناء، علينا أن نتعامل مع احتمال أن يكون الأمر صحيحًا."
"ولماذا لم يحاول والداكِ الحديث عن هذا الأمر من قبل؟ لماذا كل هذا الكتمان؟" "هذا ما لا أستطيع فهمه يا نور. يبدو أن والدي كان لديه أسبابه الخاصة لإخفاء هذا الأمر. ربما خوفًا من الفضيحة، أو ربما لأسباب أخرى لم أفهمها بعد. ولكن من الواضح أن والدتي لم تكن تعلم شيئًا."
"وهل تواصلت مع والدتكِ؟" "نعم. لقد تحدثتُ معها، وهي مصدومة تمامًا. لم تكن تتخيل أبدًا أن زوجها السابق كان له حياة أخرى، وابن آخر. إنها تشعر بالألم والخيانة."
"لا بد أن الأمر صعب عليها جدًا." قالت نور، متعاطفة مع والدة الأمير. "بالفعل. ولكن علينا أن نكون أقوياء. يجب أن ننتظر نتائج التحقيقات، وأن نتعامل مع الحقائق مهما كانت."
في اليوم التالي، تلقى الأمير فهد اتصالاً هاتفيًا أحدث اضطرابًا في هدوئه النسبي. بدا وجهه شاحبًا بعد انتهاء المكالمة.
"ماذا حدث يا فهد؟" سألت نور بقلق. "لقد اتصل بي هذا الشخص. يريد أن يلتقيني. يريد التحدث وجهًا لوجه." قال الأمير، وصوته يحمل نبرة استياء.
"وأنت؟ ماذا قررت؟" "سأذهب. لا يمكنني تجنب الأمر أكثر من ذلك. يجب أن أرى هذا الشخص، وأن أسمع منه ما لديه."
"ولكن... ألا تخاف؟" "الخوف لا يخدمني الآن يا نور. القوة والحكمة هما ما أحتاجه. سأذهب، ولكنني سأكون حذرًا."
حدد الأمير فهد موعدًا للقاء في مكان محايد، بعيدًا عن قصره وعن مناطق نفوذه. كان المكان عبارة عن مقهى هادئ في أحد أحياء المدينة القديمة، ذي طابع عربي أصيل، تفوح منه رائحة القهوة والهيل.
في اليوم الموعود، توجه الأمير فهد إلى المقهى، بينما كانت نور في القصر، تدعو الله له بالتوفيق والحماية. كان الأمير قد أبلغ بعض رجاله الموثوقين بمكان لقائه، ولكن دون أن يكشف لهم عن طبيعة اللقاء.
عندما وصل الأمير، وجد رجلاً في منتصف العمر، يرتدي ملابس أنيقة لكنها تبدو عادية. لم يكن لديه ملامح تشبه ملامح الأمير فهد بشكل كبير، ولكنه كان يمتلك هالة من الثقة بالنفس، وربما بعض الغرور.
"هل أنت الأمير فهد؟" سأل الرجل بصوت جهوري. "نعم. وأنت؟" أجاب الأمير. "أنا أحمد. ابن والدك." قال الرجل، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة لم تخفِ بريقًا من التحدي.
جلس الأمير فهد وأحمد على طاولة في زاوية هادئة من المقهى. بدأ أحمد بالحديث، وكأنه كان يروي قصة قديمة. "لقد عاش والدي حياة مزدوجة لفترة طويلة. كان يحب والدتكِ، ولكن كان لديه أيضًا امرأة أخرى، والدتي. لقد اضطر للزواج منها سرًا، ولأسباب لم أفهمها تمامًا، لم يعلن عن وجودي."
"ولماذا الآن، بعد كل هذه السنوات؟" سأل الأمير فهد، وقد بدأ يشعر بالملل من المقدمات. "والدي، قبل وفاته، ترك لي هذه الوثائق." قال أحمد، وقد وضع حقيبة جلدية أمامه. "وثائق تثبت نسبتي، ووثائق أخرى تتعلق بتقسيم الإرث، وبتوزيع الأصول. لقد طالبتُ بحقوقي، وهذا كل ما في الأمر."
"وما هي حقوقك التي تراها؟" "أنا وريث شرعي، تمامًا مثلك. لي الحق في جزء من ممتلكات والدي. وهذا القصر، والكنوز التي بداخله، جزء لا يتجزأ من هذا الإرث."
نظر الأمير فهد إلى أحمد بجدية. "هذا القصر هو ملك للعائلة منذ أجيال. ولا يمكن لأحد أن يطالب به بهذه السهولة." "ولكن الوثائق تثبت أن والدي كان يملك جزءًا كبيرًا منه، وأن هذا الجزء يعود لي الآن. لقد تحدثتُ مع محامين، وهم يؤكدون صحة موقفي."
بدأ الأمير فهد يشعر بأن الأمور تتجه نحو منحنى خطير. لقد كان مستعدًا للتفاوض، ولكن لم يكن مستعدًا للتخلي عن إرث عائلته. "إذا كنتَ تعتقد أن لديكَ حقوقًا، فليكن. ولكننا سنتعامل مع الأمر عبر القنوات القانونية، وبكل شفافية. لن أسمح لأحد بأن يهدد استقرار عائلتي أو إرثها."
"بالتأكيد." قال أحمد، وقد نهض من مكانه. "أنا لا أرغب في إثارة المشاكل. ولكنني لا أرغب أيضًا في التنازل عن حقوقي. لقد أمهلتك وقتًا، والآن حان وقت العمل. أريد أن أرى تقسيمًا عادلاً. وإلا..."
"وإلا ماذا؟" سأل الأمير فهد، وهو يتابع أحمد بعينيه.
"وإلا سأضطر للكشف عن حقائق قد لا ترغب في ظهورها. حقائق عن تصرفات والدك، وعن أساليب كان يستخدمها في الماضي. أعتقد أن هذا لن يكون في صالح سمعة عائلتك."
خرج أحمد من المقهى، تاركًا الأمير فهد يفكر في الكلمات التي قيلت. شعر بأن هذا الرجل، أحمد، ليس مجرد شخص يطالب بحقوقه، بل إنه أداة في يد شخص آخر، شخص يخطط للإضرار به.
عاد الأمير فهد إلى القصر، وقلبه مثقل. لقد كان اللقاء صادمًا، والتهديدات واضحة. لم يعد الأمر مجرد خلاف عائلي، بل أصبح صراعًا على الإرث، صراعًا قد يكشف عن أسرار مدفونة منذ زمن طويل، أسرار قد تهز أركان حياته.