زوجي الأمير الجزء الثالث
سرٌّ تفضحُه عاصفةٌ هوجاء
بقلم سارة العمري
تلبدت السماءُ بغيومٍ سوداءَ ثقيلة، وكأنها تحملُ في طياتها كلَّ الهمومِ والأسرارِ المكنونة. بدأتْ حباتُ المطرِ تتساقطُ عنيفةً، تضربُ نوافذَ قصرِ الأميرِ وليدٍ وكأنها تطرقُ أبوابَ الماضي. في الداخل، كانتْ الأجواءُ مشحونةً بالترقبِ والقلق. جلستْ الأميرةُ سارةُ في صالونها الفخم، تداعبُ بخفةٍ شالَ حريريَّاً أحمرَ، وكأنها تستجمعُ قواها لمواجهةِ ما هو قادم. كانتْ عيناها الزرقاوانِ تعكسانِ لمعةً من الخوفِ الممزوجِ بالإصرار.
كانتْ الأيامُ الأخيرةُ أشبهَ بحلمٍ مزعج. منذُ لقائها المفاجئِ بـ "نور"، الشابةِ التي ادعتْ أنَّ لها علاقةً وثيقةً بماضي الأميرِ وليد، لم تستطعْ سارةُ أنْ تجدَ سبيلاً للراحة. كلُّ كلمةٍ قالتها نور، وكلُّ نظرةٍ ألقَتْ بها، كانتْ تزرعُ في قلبِ سارةَ بذرةَ شكٍّ عميقة. شكٌّ ينمو ويتمددُ، مهدداً بابتلاعِ كلِّ ما بنتهُ سارةُ مع وليدٍ من حبٍّ وثقة.
دخلتْ الخادمةُ المطيعةُ، فاطمة، بهدوءٍ تحملُ صينيةً عليها كوبانِ من الشايِ الأخضرِ بالنعناع. وضعتْهما أمامَ سارةَ، وألقتْ عليها نظرةً مليئةً بالشفقة. كانتْ فاطمةُ تعملُ في القصرِ منذُ سنواتٍ طويلة، وشهدتْ على قصةِ حبِ سارةَ ووليدٍ منذُ بداياتها. كانتْ تحبُّ سارةَ كابنتها، وكانَ يؤلمها رؤيتُها تتألمُ هكذا.
"هل أنتِ بخيرٍ، مولاتي؟" سألتْ فاطمةُ بصوتٍ حنون. تنهدتْ سارةُ بعمق، وقالتْ بمرارة: "لا أعرفُ يا فاطمة. أشعرُ أنَّ الأرضَ تهتزُّ من تحتي. هذهِ "نور"… إنها تحملُ شيئاً يهددُ كلَّ شيء."
"الأمورُ لا تكونُ دائماً كما تبدو، مولاتي. قد تكونُ هذهِ الفتاةُ تحاولُ إيقاعَ الفتنةِ بينَكما." "ولكنَّ بعضَ ما قالتهُ… أشياءٌ لا يعرفُها إلا المقربون. عنْ بيتِ والدِ وليدٍ القديم، عنْ تلكَ اللوحةِ التي كانَ يضعُها في مكتبِ والده. كيفَ تعرفُ هيَ كلَّ هذا؟" تصاعدَ صوتُ الرعدِ في الخارج، وارتعشَ الزجاجُ في النوافذ. بدتْ العاصفةُ وكأنها تستجيبُ لنبرةِ الخوفِ في صوتِ سارة.
"قد تكونُ قد سمعتْها من أحدِ الخدمِ القدامى، أو قرأتها في مكانٍ ما. الناسُ يميلونَ إلى التضخيمِ واختراعِ القصصِ حولَ العائلاتِ الملكية." حاولتْ فاطمةُ إقناعَ سارةَ، لكنَّ عينيها كانتا تائهتين.
"لكنَّها… لقدْ ذكرتْ اسمَ "ليلى". هل تعرفينَ من هيَ ليلى يا فاطمة؟" تجمدتْ فاطمةُ للحظة، وكادتْ الصينيةُ تفلتُ من يدها. ثمَّ استجمعتْ نفسها بسرعة، وقالتْ بنبرةٍ متكلفةٍ للغاية: "لا، يا مولاتي. لمْ أسمعْ بهذا الاسمِ من قبل." كانَ ارتباكُ فاطمةِ واضحاً جداً، ولمْ يفتْ سارةَ ذلك. أدارتْ رأسَها نحو فاطمة، وعيناها تلمعانِ بفضولٍ ممزوجٍ بالشك. "هل أنتِ متأكدةٌ يا فاطمة؟ هذهِ الفتاةُ… إنها تدعي أنَّ لها علاقةً بعائلتِكم."
"أقسمُ لكِ، مولاتي. لمْ أسمعْ قطُّ باسمِ "ليلى" في سياقِ حديثٍ عنْ عائلةِ الأميرِ وليد." صمتتْ سارةُ، تارةً تفكرُ في كلماتِ فاطمة، وتارةً أخرى تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً تخفيهُ الخادمةُ المخلصة. لقدْ كانتْ فاطمةُ قريبةً جداً من والدةِ وليد، الأميرةِ علياء. هل يمكنُ أنْ تكونَ فاطمةُ تعرفُ شيئاً ولا تريدُ أنْ تخبرَها بهِ خوفاً على مشاعرِها؟
فجأةً، انقطعتْ الأنوارُ في القصرِ فجأة. سادَ الظلامُ والصمت، ولمْ يُسمعْ سوى هديرُ الرياحِ وصوتُ المطرِ الغزير. "يا إلهي! ما الذي يحدث؟" صرختْ سارةُ، وشعرتْ بالبردِ يتسللُ إلى عظامِها. "لا تقلقي، مولاتي. ربما هوَ انقطاعٌ عاديٌّ للتيارِ الكهربائي بسببِ العاصفة." قالتْ فاطمةُ، لكنَّ صوتَها كانَ مرتعشاً.
في تلكَ اللحظة، سُمعَ صوتُ طرقٍ قويٍّ ومفاجئٍ على بابِ الصالون. انقبضَ قلبُ سارة. منْ يمكنُ أنْ يكونَ في هذا الوقتِ المتأخرِ، وفي ظلِّ هذهِ العاصفة؟
"منْ هناك؟" سألتْ سارةُ بصوتٍ مرتجف. لمْ يكنْ هناكَ جواب، لكنَّ الطرقَ عادَ مرةً أخرى، أقوى وأكثرَ إلحاحاً. "سأفتحُ البابَ، يا مولاتي،" قالتْ فاطمةُ، وهيَ تتجهُ نحو البابِ بحذر. "لا، انتظرِي!" قالتْ سارةُ، لكنَّ الأوانَ كانَ قد فات. فتحتْ فاطمةُ البابَ ببطء، لتكشفَ عنْ رجلٍ يقفُ في الظلام، تبللتْ ملابسهُ منْ المطر، ووجههُ شبهُ مغطى.
"منْ أنت؟ وماذا تريد؟" سألتْ فاطمةُ بجرأةٍ مصطنعة. تقدمَ الرجلُ خطوةً إلى الأمام، ورفعَ رأسهُ. انقشعَ الظلامُ قليلاً بفعلِ ضوءٍ خافتٍ منْ الممر. كانتْ ملامحُهُ غريبة، لكنَّ عينيه… عينيهِ بدتا مألوفتينِ بشكلٍ مخيف.
"أنا… أنا هنا لأرى الأميرَ وليد." قالَ الرجلُ بصوتٍ عميقٍ أجش. "الأميرُ نائمٌ الآن، وهوَ متعبٌ للغاية. لا يمكنُك رؤيتُهُ." قالتْ فاطمةُ بحزم. "لا، يجبُ عليَّ رؤيتُهُ. الأمرُ عاجلٌ للغاية. متعلقٌ بأمرٍ هامٍ جداً يتعلقُ بماضيهِ وبـ… حياتِهِ."
نظرتْ سارةُ إلى فاطمة، ثمَّ إلى الرجلِ الغريب. شعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقِها. هذهِ الكلماتُ… "حياته"… "ماضيه"… "منْ أنتَ حقاً؟" سألتْ سارةُ، وهيَ تتقدمُ نحوه.
رفعَ الرجلُ يدهُ، وأخرجَ منْ تحتِ معطفهِ المبللِ… مغلفاً أبيضَ سميكاً. "هذا… هذا دليلٌ لكلِّ شيء. ما لمْ أستطعْ قولهُ لوجهِ الأميرِ وليد. أرجوكم، أعطوهُ إياه. إنَّ الوقتَ ينفد."
في تلكَ اللحظة، ومعَ اشتدادِ الرياحِ وارتفاعِ صوتِ المطر، انفتحتْ أبوابُ القصرِ الرئيسيةُ بقوةٍ شديدة، واندفعَ منها… الأميرُ وليد، وجهُهُ شاحبٌ وعيناهُ قلقة. كانَ يبدو وكأنَّهُ شعرَ بوجودِ غريبٍ في القصر.
"ما هذا؟" قالَ وليدٌ بصوتٍ يرتجفُ قليلاً، وهوَ يرى الرجلَ الواقفَ أمامَ سارةَ وفاطمة. "سموَّ الأمير،" قالَ الرجلُ، وهوَ يرفعُ المغلفَ بينَ يديه. "جئتُ لأخبرَكم بالحقيقةِ الكاملة. عنْ… ليلى."
تجمدَ وليدٌ في مكانه. انقطعَ صوته. نظرتْ إليهِ سارةُ، ثمَّ إلى الرجل، ثمَّ إلى المغلف. بدتْ الحقيقةُ تومضُ أمامَها، حقيقةٌ سوداويةٌ ومؤلمة. "ليلى؟" تمتمتْ سارةُ، وقلبُها يكادُ يتوقف.
"أجل، سموَّ الأمير. ليلى… إنها… إنها ابنتُكم. ابنتُكم التي كنتمُ تظنونَ أنها ماتتْ عندَ الولادة."
انفجرتْ العاصفةُ في الخارجِ بأقصى قوتها، وكأنها تحملُ في أنينِ رياحِها وزخاتِ مطرِها كلَّ صرخاتِ الألمِ والدهشةِ التي ستُطلقُ في هذهِ الليلة. كانَ هذا هوَ اللحظةُ التي انهارَ فيها كلُّ شيء، وبدأتْ فيها الحقيقةُ المرةُ تتكشف.