زوجي الأمير الجزء الثالث
الأسرار المتوارية خلف أسوار القصر
بقلم سارة العمري
وصلت السيارة الفارهة إلى بوابة قصر "الريحان"، ذلك الصرح المعماري الشامخ الذي يعانق سماء المدينة بأبراجه العالية، ويتوشح بزخارفه الأندلسية الفاخرة. كان القصر يمثل إرثًا عريقًا لعائلة "الحازمي"، ويعكس هيبة ووقار كبير عائلتهم، "سيف". احتضنت نور يد سيف وهي تنزل من السيارة، تشعر بانقباض خفيف في صدرها. لم تكن هذه زيارتها الأولى، لكنها في كل مرة كانت تشعر بفارق كبير بين حياتها الهادئة في القرية، وبين هذا العالم الصاخب الذي ينتمي إليه سيف.
استقبلتهما الخادمة "أمينة" بابتسامة واسعة، تحمل في يديها صينية بها ماء ورد وقطع من الحلوى الشرقية. "أهلاً وسهلاً بسيدي، وأهلاً بالآنسة نور. والدة سيدي في انتظاركم في الصالون."
تبعت نور سيف إلى داخل القصر، حيث استقبلتهما رائحة البخور الفاخرة ممزوجة بعبق الزهور الطبيعية. كانت الأثاثات غاية في الفخامة، والسجاد غني بالألوان والتصاميم. كل ركن في القصر كان يحكي قصة، قصة نجاح، قصة قوة، وربما قصة أحزان خفية.
في الصالون الرحب، جلست "عمتي حبيبة" والدة سيف، ترتدي حجابًا حريريًا مزدانًا باللؤلؤ، وتتزين بابتسامة دافئة. فور رؤيتها، نهضت نور بخفة، وركعت أمامها لتطبع قبلة على يدها. "السلام عليكم يا عمتي." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ابنتي. كيف حالك؟" قالت عمتي حبيبة، ومدت يدها لتضم نور إليها. "اشتقت لكِ كثيرًا. قلبي لم يطمئن إلا حين رأيتكِ أمامي."
كانت علاقة نور بعمتي حبيبة تتسم بالود العميق، وذلك الاحترام المتبادل الذي يصل إلى حد الأمومة. لطالما شعرت نور بأنها وجدت في عمتي حبيبة الأم التي افتقدتها في صغرها.
"وأنا اشتقت لكِ أكثر. كيف حالكِ؟" "بخير، الحمد لله. لكنكِ تعلمين، ثقل الأيام يزيد. ووجودكِ يبعث في روحي الحياة."
جلست نور بجانبها، بينما استقر سيف على كرسي قريب، يراقب المشهد بنظرة تفحص. كان يعلم كم كانت أمه تنتظر هذه اللحظة، وكم كان حريصًا على أن تكون نور مرتاحة وسعيدة.
"هل وجدتِ ما تحتاجينه في تجهيزات الزواج؟" سألت عمتي حبيبة. "نعم، الحمد لله. الأمور تسير على ما يرام. لكنني ما زلت محتارة في اختيار فستان العشاء الخاص بحفل الخطوبة." "لا تقلقي يا حبيبتي. سأريكِ بعض التصاميم الرائعة التي اخترتها لكِ. وبالمناسبة، هل حجزتِ قاعة الأفراح؟"
بدأت نور تتحدث مع عمتي حبيبة عن تفاصيل الزواج، فيما بقي سيف مستمعًا بصمت، لكن نظراته كانت لا تفارقهما. كانت تلك النظرات تحمل أحيانًا شيئًا من القلق. كان يعلم أن زواجه من نور لم يكن مجرد خطوة طبيعية في حياته، بل كان يحمل أبعادًا أعمق، تتعلق بمستقبل عائلته، وبصفقات تجارية معقدة.
"سيف، هل هناك أي أخبار عن صفقة "الفجر الذهبي"؟" سألت عمتي حبيبة، وقد تبدل تعبير وجهها إلى شيء من الجدية. ارتسمت على وجه سيف لمعة من التفكير. "الأمر معقد بعض الشيء، يا أمي. هناك بعض الأطراف التي تحاول عرقلة الصفقة، لكننا نعمل على تجاوز هذه العقبات." "هل هم من خارج البلاد؟" "نعم، بعض المنافسين الذين لا يريدون لرؤيتنا ننمو."
"ماذا عن "فهد"؟ هل لك علاقة به؟" سألت عمتي حبيبة، وارتسمت على وجهها علامة استفهام. تجمد سيف للحظة. كان ذكر اسم "فهد" كافيًا ليخلق موجة من التوتر غير المرئي في الغرفة. "فهد؟ لا، ليس لدي أي علاقة به. ولماذا سأهتم بأمره؟" "مجرد سؤال. سمعت أنه بدأ يتداول أخبارًا عن صفقتنا." "سمعتِ ما سمعتِ. لا تقلقي، يا أمي. الأمور تحت السيطرة." قال سيف بنبرة حاسمة، محاولًا إقناعها وإقناع نفسه.
كان "فهد" اسمًا كان يثير في نفس سيف الكثير من المشاعر المتضاربة. كان فهد ابن عم بعيد، لطالما تنافس معه في كل شيء، وكان طموح فهد الجامح يجعله خصمًا عنيدًا، خاصة في عالم الأعمال.
"أتمنى ذلك." قالت عمتي حبيبة، وتنهدت. "خيارك نور لم يكن مجرد اختيار لزوجة، بل كان اختيارًا لمستقبل. وهي فتاة رائعة، ولا شك في ذلك. لكن لا تنسَ، يا سيف، أن هناك عيونًا تراقبنا، وألسنة تتكلم."
نظرت نور إلى سيف، وشعرت بأنها لم تفهم كل ما يدور بينهما. كانت تعلم أن سيف رجل ناجح، وأن عائلته تتمتع بنفوذ كبير، لكنها لم تكن على دراية كاملة بتفاصيل هذه الصراعات والمنافسات.
"نور، ما رأيكِ أن نذهب إلى حديقة القصر؟ الهواء هناك عليل." قال سيف، محاولًا تغيير مسار الحديث. "فكرة رائعة."
نهضوا وتوجهوا إلى الحديقة الخلفية للقصر، حيث تتوزع أشجار النخيل والباسقات، وتتزين بممرات مبلطة بالحصى، وتتوسطها نافورة ماء هادئة. جلست نور على مقعد حجري، بينما وقف سيف بجانبها، ينظر إلى غروب الشمس الذي بدأ يلون السماء بألوان زاهية.
"هل أنتِ متعبة؟" سأل سيف. "قليلًا. لكنني سعيدة بوجودي معكِ." "وأنا أسعد. لكن… قلبي ليس مرتاحًا تمامًا." "لماذا؟ هل بسبب صفقة "الفجر الذهبي"؟" "ربما. هناك بعض التعقيدات. وأخشى أن تؤثر على وقتنا معًا." "لا تقلق. يمكننا التكيف. أنا أفهم أن لديك التزامات."
نظر سيف إلى نور، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة. "هذا ما أحبه فيكِ يا نور. تفهمكِ وطيبتكِ. لكنني… أخشى أن أكون قصرت في حقكِ. ربما كان يجب أن أختار وقتًا آخر لهذه الالتزامات." "لا تقل هذا. أنا أؤمن بأن كل شيء يحدث لحكمة. وأنا واثقة بأن زواجنا سيكون مباركًا، وأننا سنتجاوز أي صعاب معًا."
امتدت يد سيف ولمست يد نور. "أنتِ نور حياتي يا نور. وأخشى أن تضيع هذه النور في ظلال عالمي المعقد." "لن يحدث ذلك. طالما أن قلوبنا متحدة، وطالما أننا نسير على الطريق الصحيح."
شعرت نور بحزن يخيم على قلبها. كانت تحب سيف بجنون، وتتطلع إلى بناء مستقبل مشرق معه، لكنها كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما يظلل هذا المستقبل، شيئًا غامضًا وغير مرئي. كانت تلك الأسرار التي يحملها سيف، وتلك الصراعات التي يخوضها، كلها تلقي بظلالها على أحلامها.
"هل هناك شيء تخفيه عني يا سيف؟" سألت فجأة، وبصوت هامس. تفاجأ سيف بالسؤال. نظر إليها طويلًا، ثم تنهد. "ليس هناك ما أخفيه عنكِ عمدًا، يا نور. لكن هناك أمور لا أستطيع البوح بها الآن. أتمنى أن تتفهمي." "أنا أفهم. لكن أرجوك، عندما يصبح الوقت مناسبًا، أرجو أن تشاركني كل شيء."
"بالتأكيد." قال سيف، وعاد ليمسك بيدها. "تذكري دائمًا، أنكِ محور حياتي. وأن سعادتكِ هي أثمن ما أملك."
لكن نور، رغم كلمات سيف المطمئنة، لم تستطع أن تتخلص من شعورها بأن هناك ما لا تعرفه، وأن القصر الذي يقف أمامهما، والذي سيصبح يومًا ما بيتًا لها، يخفي أسرارًا قد تكون أقوى من حبها لسيف.