زوجي الأمير الجزء الثالث
ليل لا يخلو من القلق
بقلم سارة العمري
بعد أيام قلائل، كان الجو في بيت "أبو أحمد" في القرية، يعبق بنسمات السعادة والترقب. كانت "نور" قد عادت من زيارتها لعمتي حبيبة، حاملة معها فرحة اللقاء، وأنباءً عن قرب تجهيزات حفل الخطوبة. جلست مع والدتها، "أميرة"، وهي ترتشف من كوب العصير المنعش.
"لقد أحببت عمتي حبيبة كثيرًا يا أمي. قلبها كبير وحنون." قالت نور، وعيناها تلمعان. "علمت ذلك. والدة سيف كانت دائمًا معروفة بكرمها وطيبتها. وهذا دليل على أن اختيارك كان موفقًا، يا ابنتي."
"لكنني… أشعر بقلق بسيط." اعترفت نور. "قلق؟ وأنتِ على وشك الزواج من رجل كـ "سيف"؟ رجل في مثل هذا المكانة، ويحبكِ لهذه الدرجة؟" "ليس قلقًا من سيف. بل من… ظروفه. عالم الأعمال الذي يعيش فيه يبدو معقدًا جدًا. وسمعت بعض الهمسات عن صفقة كبيرة يخوضها، وعن منافسين يحاولون إفشالها."
تنهدت أميرة، وجلست بجانب نور. "يا ابنتي، كل رجل ناجح يواجه صعوبات. ولا أعتقد أن سيف سيكون استثناءً. لكنه رجل حكيم وقوي. وأنا على ثقة بأنه سيتمكن من تجاوز كل ذلك." "أعلم. لكنني أخشى أن تؤثر هذه الصعوبات عليه، وأن تجعله يبتعد عني. أحيانًا أشعر أنه يحمل همومًا ثقيلة على كتفيه."
"هذا طبيعي. أنتِ الآن جزء من عالمه، يا نور. وعليكِ أن تكوني له السند والدعم. تذكري أن الله يضع العبء على قدر تحمل العبد. وسيف، بفضل الله، يتحمل الكثير." "أتمنى ذلك."
كانت نور تحاول جاهدة أن تبني جسرًا من الثقة بينها وبين عالم سيف، لكن كلما تعمقت في معرفته، كلما اكتشفت طبقات جديدة من التعقيد. كانت الرسائل التي يرسلها لها، والكلمات التي يتبادلانها، مليئة بالحب، لكنها كانت دائمًا تحمل في طياتها شيئًا من الغموض، شيئًا لم يفصح عنه بعد.
في تلك الليلة، بينما كانت القرية تغط في نوم عميق، تلقت نور رسالة نصية من سيف. كانت مجرد بضع كلمات، لكنها سببت في اضطراب في قلبها: "غدًا، لابد أن أذهب في رحلة عمل مفاجئة. قد أكون بعيدًا لعدة أيام. أتمنى أن تتحملي غيابي. أحبكِ."
شعرت نور بخيبة أمل كبيرة، لكنها لم تستطع أن تخفي قلقها. "رحله عمل مفاجئة؟" تساءلت في نفسها. "في هذا التوقيت بالذات؟" ردت عليه برسالة أخرى: "أتمنى لك رحلة موفقة. قلبي معك. وأنا أحبك كثيرًا."
كانت تلك الرحلة هي الأولى التي يغيب فيها سيف عنها لفترة طويلة منذ خطبتهما. كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكل يوم يمر دون رسالة أو مكالمة منها، كان يزيد من شعور نور بالوحدة والقلق. كانت تتابع أخبار الصفقة من خلال الصحف، وتشعر بأن هناك توترًا متصاعدًا في عالم الأعمال.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت تقلب صفحات إحدى الصحف الاقتصادية، لفت انتباهها خبر عاجل. كان الخبر يتحدث عن "مؤامرة جديدة" تحاك ضد صفقة "الفجر الذهبي"، وأن هناك "أيدي خفية" تحاول إفشالها. كان الخبر يتحدث عن شخص يدعى "فهد"، وأنه يلعب دورًا رئيسيًا في هذه المؤامرة.
جمد الدم في عروق نور. "فهد؟" تذكرت أن والدة سيف ذكرت هذا الاسم. كان هذا الاسم يثير لديها شعورًا غريبًا بالخوف. شعرت بأن هناك ما هو أكبر من مجرد منافسة تجارية.
حاولت أن تبحث عن أخبار إضافية، لكن كل ما وجدته كان مجرد تلميحات، وأخبار غير مؤكدة. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، وأن هناك ما لا تراه، ما لا تفهمه.
عادت الرسالة التي أرسلها سيف لها، "أتمنى أن تتحملي غيابي." هل كان يعلم بهذا الخطر؟ هل كان هذا هو السبب الحقيقي لغيابه؟
مرت ثلاثة أيام أخرى، ولا يزال سيف غائبًا. في مساء اليوم الرابع، وبينما كانت نور تجلس في غرفتها، مرت سيارة فارهة أمام منزلهم، وتوقف رجل ملثم عند البوابة. اقترب منها، وطرق الباب برفق.
فتحت نور الباب، لتجد أمامها رجلًا يرتدي ملابس أنيقة، لكن وجهه كان غير مألوف. "هل أنتِ الآنسة نور؟" سأل بصوت هادئ. "نعم. تفضل؟" "أنا مندوب عن السيد سيف الحازمي. لقد أرسلني إليكِ بهذه الرسالة."
مد الرجل لها ظرفًا مختومًا. أخذته نور بيد مرتعشة، وشكرته. ثم أغلق الباب، وجلست في غرفتها، تنظر إلى الظرف. كان قلبها يدق بعنف.
فتحت الظرف، لتجد بداخله ورقة مطوية. بدأت تقرأ، وشعرت بأن الكلمات تتلاشى من أمام عينيها. كانت الرسالة قصيرة، لكنها حملت صدمة كبيرة:
"نور حبيبتي، علمت أنكِ قلقة. أردت أن أطمئنكِ أنني بخير، لكنني مضطر للبقاء هنا لفترة أطول. هناك بعض الأمور الخطيرة جدًا التي يجب أن أتعامل معها. أخاف أن أحدثكِ بالتفاصيل الآن، خوفًا على سلامتكِ. فقط ثقي بي. ثقي بحبنا. سأعود إليكِ قريبًا، ووعدًا سأبقى معكِ. حتى ذلك الحين، كوني قوية. أحبكِ، سيف."
نظرت نور إلى الورقة، والدموع تتجمع في عينيها. "أمور خطيرة؟" "خوفًا على سلامتكِ؟" كانت هذه الكلمات تلقي بظلال قاتمة على كل أحلامها. شعرت بأنها لا تعرف سيف حقًا، وأن الرجل الذي أحبته، والذي سيصبح زوجها، يعيش حياة مليئة بالأسرار والمخاطر.
نظرت إلى السماء المظلمة، وعقدت العزم. لابد أن تعرف الحقيقة. لابد أن تعرف ما الذي يدور حوله، وأن تجد طريقة لمساعدته. لم يكن حبها له مجرد مشاعر رقيقة، بل كان قوة تدفعها لتجاوز حدود خوفها.