زوجي الأمير الجزء الثالث
أشباح الماضي ومرارة الحاضر
بقلم سارة العمري
بعد ثلاثة أسابيع من غياب سيف، بدأت نور تشعر أن الأيام أصبحت لا تطاق. لم تتلق منه أي رسالة أخرى، ولم تسمع منه أي خبر. كانت تشعر بأنها محاطة بحائط صمت سميك، يخفي وراءه ما لا تعلم. لم تكن تعرف ما إذا كان سيف في خطر، أم أن الأمور بدأت تهدأ.
في أحد الأيام، بينما كانت تساعد والدتها في ترتيب بعض الأمور الخاصة بتجهيزات الزواج، رن الهاتف. نظرت إلى الرقم، وكان مفاجأة كبيرة أن تراه. كان رقم سيف. "ألو؟" ردت نور بصوت مرتعش، يختلط فيه الأمل والخوف. "نور؟" كان صوته متعبًا، لكنه كان صوته. "أنا آسف جدًا على هذا الغياب الطويل." "سيف! الحمد لله أنك بخير! أين كنت؟ لقد كنت قلقة جدًا!" "لقد كانت هناك بعض الأمور المعقدة جدًا. صفقة "الفجر الذهبي" كادت أن تنهار تمامًا. وكان هناك شخص يحاول إفشالها بكل الطرق." "هل تقصد… فهد؟" "نعم. كان هو العقل المدبر وراء كل شيء. لقد نجحنا في النهاية، لكن الثمن كان باهظًا." "ما هو الثمن؟ هل أنت بخير؟"
صمت سيف للحظة، ثم قال بصوت أقرب للهمس: "هناك قصة طويلة يا نور. قصة تتعلق بعائلتي، وبأسرار قديمة. لا أستطيع أن أخبركِ كل شيء الآن، لكنني وعدتكِ بأن أكون صادقًا معكِ. وأعلم أنني لم أوفِ بوعدي تمامًا. أنا آسف." "أنا أفهم. فقط قل لي، هل أنت في أمان؟" "نعم. أنا في أمان الآن. لكنني بحاجة إلى بعض الوقت لأستعيد قوتي. وأشعر أنني بحاجة لأن ألتقي بكِ. هل يمكن أن آتي إلى القرية غدًا؟" "بالتأكيد! سأكون في انتظارك."
تبادلا آخر الكلمات، ثم أغلقت نور الهاتف، وقلبها يخفق بقوة. كان عليها أن تستعد للقاء سيف، وأن تحضر نفسها لما قد يكشفه لها.
في اليوم التالي، وصلت سيارة سيف في الصباح الباكر. خرج منها، لكنه لم يكن السيف الذي عرفته. كان نحيلًا، وقد خفت بريق عينيه. ارتسمت عليه علامات الإرهاق الشديد، وكأن سنوات قد مرت عليه في غضون أسابيع.
استقبلته نور بابتسامة حذرة، واحتضنته بقوة. شعرت بأن جسده كان باردًا، وكأنه لم يذق دفء الحياة منذ زمن. "الحمد لله على سلامتك، سيف." قالت. "الحمد لله. وأنتِ، هل تأذيتِ بسبب غيابي؟" "كنت قلقة جدًا. لكنني كنت أؤمن بأنك ستعود."
جلسا تحت شجرة الرمان، ولكن هذه المرة، لم تكن الأجواء كما كانت من قبل. كان هناك شيء ثقيل يخيم على المكان. "نور،" بدأ سيف، "أعلم أنكِ تستحقين مني أكثر من هذه اللحظات المتقطعة، ومن هذه الرسائل المتناثرة. لقد مررت بتجربة قاسية جدًا." "ماذا حدث بالضبط؟"
حكى سيف قصته. كانت القصة معقدة، تتعلق بصراع قديم بين عائلته وعائلة "فهد". لقد اتضح أن فهد ليس مجرد منافس تجاري، بل هو شخص كان يحمل ضغينة قديمة ضد عائلة الحازمي، ويريد الانتقام منهم. لقد استغل صفقة "الفجر الذهبي" كفرصة لتحقيق ذلك.
"لقد اتهموني بجرائم لم أرتكبها، وحاولوا تشويه سمعتي. اضطررت للاختفاء لفترة، لكي أجمع الأدلة وأثبت براءتي. كانت الأيام والليالي أقرب إلى الكوابيس. كنت دائمًا أفكر فيكِ، يا نور، وأنتِ وحدكِ من كنتِ تمنحني القوة."
نظرت نور إليه، والدموع تنهمر على خديها. لم تستطع أن تتخيل حجم الألم الذي مر به. "لكنك الآن بخير، أليس كذلك؟" "نعم، بفضل الله. لقد تمكنت من إثبات براءتي، وكشف مؤامرة فهد. لكن الأمر استنزفني كثيرًا."
"وماذا عن المستقبل؟ ماذا سيحدث الآن؟" "سأعود إلى عملي، وسأستعيد ما فات. لكنني أشعر بأنني بحاجة إلى بداية جديدة. بداية أصفى، وأكثر هدوءًا." "وماذا عني؟" سألت نور، وهي تشعر بخوف جديد يتسلل إليها. "أنتِ يا نور، أنتِ الضوء الذي كان يضيء طريقي في الظلام. لا يمكنني أن أستغني عنكِ. لكنني… ربما كنتُ قصرتُ في إظهار ذلك لكِ."
"لقد أحببتك دائمًا، سيف. لكنني أخشى أن يكون ما مررت به قد غيّر فيك شيئًا." "ربما غيرني، يا نور. لكنه جعلني أدرك قيمة الأشياء الحقيقية. قيمة الحب، وقيمة الاستقرار. ربما كان هذا كله مقدمة لزواجنا. لكي أدرك حقًا كم أنتِ مهمة بالنسبة لي."
نظر سيف إلى نور بعينين مليئتين بالندم والحب. "أعلم أنني لم أكن الزوج المثالي لكِ في الفترة الماضية. لكنني أعدكِ، أنني سأكون دائمًا الرجل الذي تستحقينه. وأن حبكِ هو القوة التي ستعيدني إلى الحياة."
شعرت نور ببعض الاطمئنان، لكنها كانت لا تزال تشعر بأن هناك شيئًا ما لم يتم الكشف عنه بالكامل. كانت أسرار الماضي، ومرارة الحاضر، تلقي بظلالها على المستقبل.
"هل أنت متأكد أن فهد لن يعود؟" سألت. "لقد تم القبض عليه، وسيواجه عقابه. لكن في عالم الأعمال، لا يمكن ضمان شيء بنسبة مائة بالمائة."
"أنا لا أخاف من العالم، سيف. أنا أخاف فقط من أن تضيع وحدتنا، وأن تعود الأشباح من الماضي لتؤثر علينا." "لن تسمحي بذلك، أليس كذلك؟" قال سيف، وابتسامة خفيفة بدأت ترتسم على شفتيه. "لن أسمح بذلك. مهما حدث."
"أتمنى أن نلغي حفل الخطوبة مؤقتًا. أريد أن أكون بجانبكِ، وأن أستعيد قوتي. وأن نبدأ حياتنا الجديدة بعيدًا عن كل هذه الضغوط." "أتفهم. والدي سيكونان داعمين."
قضوا بقية اليوم يتحدثون، يحاول سيف أن يعوض نور عن الأيام التي غاب فيها، ويحاول هو نفسه أن يتشافى من آلام الماضي. كانت نور تشعر بأنهما يقفان على مفترق طرق. هل سيكون حبهما قويًا بما يكفي ليتجاوز كل هذه الصعوبات؟ هل ستكون نور قادرة على مساعدة سيف على تجاوز جراحه؟