زوجي الأمير الجزء الثالث

غياهب النفس وأوهام الهوى (تابع)

بقلم سارة العمري

حملت ليلى معها مصباحًا زيتيًا قديمًا، أنفاسها تتسارع مع كل خطوةٍ تخطوها بعيدًا عن ضوء القصر. كانت الأرض تحت أقدامها موحلةً بفعل مطرٍ خفيفٍ هطل في المساء، مما جعل مسارها نحو قصر الأماني القديم أكثر صعوبة. كان القمر قد بدأ بالصعود في السماء، يرسم هالاتٍ فضيةً على الأشجار المتشابكة التي أحاطت بالقصر، وكأنها حراسٌ صامتون.

عندما وصلت إلى أسوار القصر المتهالكة، شعرت برهبةٍ غريبة. بدت أبوابه المفتوحة وكأنها أفواهٌ تبتلع كل من يقترب. دخلت بحذر، وصوت خطواتها الوحيدة كان يتردد صداه في السكون المخيم. الغبار يغطي كل شيء، كأن الزمن قد توقف هنا. رائحة العفن والتراب تعبق المكان، ممزوجةً برائحةٍ خفيفةٍ من الورق القديم.

وجهت ضوء المصباح نحو المدخل، ورأت ماضٍ عريقًا يرتسم أمامها. الأثاث المغطى بالأقمشة البيضاء، كالأشباح النائمة. اللوحات المعلقة على الجدران، صورٌ لأجدادٍ غابت وجوههم بفعل الزمن. كل زاويةٍ تحمل قصةً، ولكن لا أحد يسمعها.

توجهت مباشرةً نحو المكتبة. كانت بابها الخشبي ثقيلًا، وكأنها تخفي وراءها أسرارًا تفوق طاقتها. دفعت الباب بصعوبة، وانفتح بصريرٍ مزعج. في الداخل، كانت الكتب متراصةً على رفوفٍ خشبيةٍ ضخمة، تمتد حتى السقف. ضوء المصباح يكشف عن عناوينٍ قديمة، بعضها مكتوبٌ بلغاتٍ أندثرت.

بدأت ليلى تبحث. كل كتابٍ تلمسه، كل صفحةٍ تقلبها، كانت كرحلةٍ في الزمن. كانت تبحث عن أي شيءٍ يتعلق بالأمير الوليد، أو عن أي شيءٍ قد يشير إلى اختفاءاتٍ أو مؤامراتٍ. كانت تشعر بأن الوقت يداهمها، وأن هناك من يراقبها، حتى وإن لم تره.

مرت ساعاتٌ على هذا المنوال، وشعرت بالإحباط يتسرب إلى قلبها. الكتب كلها تبدو وكأنها تتآمر ضدها، لا تقدم أي دليلٍ ملموس. ثم، وبينما كانت تمسح يدها على أحد الرفوف العالية، شعرت بشيءٍ مختلف. كان هناك كتابٌ يبدو مختلفًا عن البقية، غلافه جلديٌ داكن، وخالٍ من أي عنوان.

سحبته بحذر. كان ثقيلًا، وكأنه يحمل أوزارًا. فتحته، ووجدت أن صفحاته مليئةٌ بمذكراتٍ بخطٍ قديم. بدأت تقرأ، حرفًا حرفًا. كانت المذكرات تعود لأحد أجدادها، الذي عاصر فترةً من الاضطرابات في تاريخ العائلة.

كان الجد يصف مؤامراتٍ خطيرة، وخياناتٍ وقعت بين أفراد العائلة نفسها. كان يذكر أسماءً، وتواريخ، و تفاصيل دقيقة عن صراعاتٍ على السلطة، وعن دسائسٍ لزعزعة استقرار الإمارة. ولكن الجزء الذي لفت انتباهها بشكلٍ خاص، هو فصلٌ يتحدث عن "الوسائل المظلمة" التي استخدمها البعض لتحقيق مآربهم.

قرأت عن طبيبٍ كان يعمل سرًا في القصر، يعتمد على موادٍ نادرةٍ وطرقٍ غير شرعية، لهدفٍ غامض. كان يذكر أن هذا الطبيب كان يمتلك معرفةً واسعةً بالنباتات والأعشاب، وقدرةً على تغيير المزاج والسلوك. كان وصفه للطبيب، وصفًا غريبًا، لكنه كان يتطابق بشكلٍ مخيفٍ مع بعض التصرفات التي لاحظتها على الوليد في الأونة الأخيرة.

"كان يستخدم جرعاتٍ خفية،" قرأت ليلى بصوتٍ متهدج، "لتغيير طبيعة الأشخاص، وجعلهم تابعين له. كانت تلك المواد تمنحهم شعورًا بالنشوة، ثم تتحول إلى إدمانٍ لا فكاك منه. كان يطلق عليها اسم 'نسمات العذاب'."

"نسمات العذاب"؟ كان الاسم يثير القشعريرة في جسدها. هل كان هذا هو ما يعاني منه الوليد؟ هل كان ضحيةً لهذه "النسمات"؟

واصلت القراءة، ثم وجدت إشارةً إلى "مخزنٍ سري" في هذا القصر، حيث كان الطبيب يخزن مواده. كان وصف المكان غامضًا، لكنه أشار إلى وجود "نافذةٍ تطل على بئرٍ قديم".

شعرت بأنها تقترب من شيءٍ مهم. أغلقت المذكرات، ونظرت حولها في المكتبة. كانت تبحث عن أي علامةٍ تدل على وجود هذا المخزن. وضعت المصباح جانبًا، وبدأت تفحص الجدران، بحثًا عن أي شيءٍ غير طبيعي.

بعد فترةٍ من البحث، لاحظت شيئًا. كان هناك جزءٌ من الرف الخشبي، يبدو مختلفًا عن البقية. ضغطت عليه، فتراجع الجزء ببطء، كاشفًا عن فتحةٍ صغيرةٍ في الجدار. كان المنظر خلفها مظلمًا، ولكنه كان يذكرها بوصف "نافذةٍ تطل على بئرٍ قديم".

أشعلت مصباحها مرةً أخرى، وسلّت نفسها عبر الفتحة. وجدت نفسها في ممرٍ ضيقٍ ورطب. الهواء فيه كان أثقل، ورائحته أقرب إلى العفن. تابعت الممر، ووصلت إلى غرفةٍ صغيرة.

في وسط الغرفة، كانت هناك طاولةٌ خشبيةٌ عليها بعض الأدوات الزجاجية، وقواريرٌ صغيرةٌ تحتوي على سوائلٍ مختلفة الألوان. كان هناك أيضًا بعض الأعشاب المجففة، وكتبٌ أخرى، ولكنها بدت غريبة، مليئةً بالرسومات التشريحية ورموزٍ غير مفهومة.

كانت هذه هي غرفة الطبيب! كانت هذه هي "مخزن" مواده.

في زاوية الغرفة، رأت صندوقًا خشبيًا صغيرًا. فتحته، ووجدت فيه عدة قواريرٍ أخرى، مكتوبٌ عليها بخطٍ رفيع: "نسمات العذاب – التركيبة الخام".

لم تستطع ليلى أن تمسك نفسها. بدأت تشعر بالاشمئزاز والخوف. كل هذا كان حقيقيًا. لم تكن أوهامًا. كان هناك عالمٌ خفيٌ من الفساد يتغلغل في حياة أحبائها.

شعرت ببردٍ مفاجئٍ يسري في عروقها. كان عليها أن تفعل شيئًا. ولكن ماذا؟ هل كانت هذه المواد هي سبب ما يعاني منه الوليد؟ هل كانت تلك "النسمات" هي التي تجعله يتصرف بهذه الطريقة؟

نظرت إلى القوارير، ثم إلى المذكرات. بدأت تربط الخيوط. المؤامرات القديمة، والطبيب المجهول، والمواد الغامضة. كل هذا كان يشير إلى أن الوليد ليس وحده المهدد، بل ربما تكون الإمارة كلها في خطر.

شعرت بثقلٍ هائلٍ على قلبها. لم تعد مجرد شكوكٍ عابرة، بل حقيقةٌ مرعبةٌ تكشفت أمامها. كان عليها أن تواجه هذا الخطر، مهما كان حجمه. ولكن في خضم هذه الاكتشافات، كيف ستواجه حقيقة حبها للأمير الذي قد يكون ضحيةً، أو ربما، قد يكون جزءًا من كل هذا؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%