حبيبي الأبدي الجزء الثالث

همسة الريح على أهداب الروح

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة الفجر الأولى، التي تلتف حول قصر "المرجان"، تضجّ بحكايا الليل الطويل، وتُوقظ الشمس على جراح لم تندمل بعد. سلمى، بقلبٍ مثقلٍ بهمومٍ كأنها جبال، فتحت شرفتها المطلة على الحديقة الغنّاء. لم تكن تلك الحديقة مجرد مساحة خضراء، بل كانت شاهدةً على ضحكاتٍ علت، ودموعٍ انهمرت، ووعدٍ قطع على ضوء القمر. كان شجر النخيل واقفاً شامخاً كحراسٍ أوفياء، يلوّح بأغصانه وكأنه يودّع أياماً مضت، ويستقبل فجراً يحمل معه ما لا يُعلم.

ارتدت سلمى ثوبها الحريري بلون الفجر، والذي انسدل على قوامها برشاقة، ليُخفي تحته جسداً ما زال يحمل أثر الفقد. مرّت أصابعها النحيلة على سطح طاولة خشبية عتيقة، كانت تتزين بآنيةٍ فضيةٍ صدئة، كل قطعةٍ فيها تحكي قصة، وتروي فصلاً من تاريخ عائلتها العريق. لمعت عيناها السوداوان، اللتان كانتا تحملان بريقاً خافتاً كنجومٍ تختبئ خلف غيومٍ عابرة، حين ارتسم على شفتيها ابتسامةٌ باهتة، ذكرتها بكلماتٍ هامسةٍ، وأحلامٍ مؤجلة.

"يا لها من صباحٍ باردٍ في قلبٍ محرومٍ من الدفء"، تمتمت بصوتٍ خفيض، كأنها تتحدث إلى نفسها، أو إلى الأرواح التي تحلق حولها. كان صوتها يحمل شجناً عميقاً، ورنيناً قديماً، يعكس صراعاً داخلياً طال أمده. كانت سلمى، الوريثة الوحيدة لثروة "آل الشرفاء"، فتاةً لم تبلغ العقد الثالث من عمرها بعد، لكنّ الأقدار ألقت عليها عبئاً يفوق سنوات عمرها. فقدت والديها في حادثٍ مؤسفٍ قبل خمس سنوات، وتركتها وصيةُ جدتها، الحاجة فاطمة، مسؤولةً عن مصير العائلة، ومسؤولةً عن تحقيق حلمٍ عظيمٍ طالما راود جدتها.

كانت جدتها، الحاجة فاطمة، امرأةً نادرة، امتازت بحكمتها ورؤيتها الثاقبة، وبإيمانها الراسخ بأنّ الحبّ الحقيقي، المبني على تقوى الله والمودة الصادقة، هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعٍ قويٍّ ومتماسك. قبل وفاتها، جمعت سلمى إلى جانبها، وقالت لها بصوتٍ فيه رجاءٌ، وعزيمة: "يا ابنتي، لم تكن هذه الثروة إلا وسيلة، والغاية الأسمى هي بناء أسرةٍ صالحة، تتوارث الخير، وتُعلي راية الحق. لقد وضعتُ في قلبكِ بذرةَ الحبّ، وأخشى أن تذبل إن لم تجد من يسقيها. ابحثي عن زوجٍ صالحٍ، يكون سندكِ في الحياة، وشريككِ في رحلة الآخرة. لا تبحثي عن المال أو الجاه، بل عن قلبٍ يخاف الله، وروحٍ تواقةٌ للجنة."

تنهدت سلمى بعمق، وهي تتذكر تلك اللحظة. هل كان بإمكانها تحقيق وصية جدتها؟ كانت تعلم أن الأوان لم يفت بعد، لكنّ الشكوك كانت تتسرب إلى قلبها كالنمل. كانت تعيش في عالمٍ يبدو لها أحياناً كأنه يتربص بها، عالماً يتخبط بين التقاليد العريقة والمبادئ التي بدأت تتآكل.

في تلك الأثناء، استيقظت الحديقة على صوت خطواتٍ وئيدةٍ تقترب. خرجت الحاجة زهرة، مدبرةُ المنزل، التي أمضت عقوداً في خدمة "آل الشرفاء"، تحمل في يديها صينيةً فضيةً عليها فطورٌ شهيٌّ: خبزٌ طازجٌ، وجبنٌ أبيضٌ، وزيتونٌ أسودٌ، وعسلٌ أصيلٌ، وكوبٌ من الشاي بالنعناع. كانت الحاجة زهرة، بملامحها التي حفرتها الأيام، تحمل في عينيها حناناً لا حدود له، وعطفاً يغطي كلّ عثرات الحياة.

"صباح الخير يا ابنتي"، قالت الحاجة زهرة بصوتٍ هادئٍ، يحمل دفء الشمس. "أتمنى أن يكون الليل قد حمل معه بعض الراحة لقلبكِ المرهق."

أدارت سلمى وجهها، لتلتقي بعيني الحاجة زهرة. "صباح النور يا أمي زهرة"، أجابت بابتسامةٍ صادقة. "لقد مرّ الليل كما مرّت أيامه، ثقيلاً بعض الشيء."

وضعت الحاجة زهرة الصينية على الطاولة، وبدأت تُرتّب الأطباق بعناية. "يا ابنتي، لقد علّمتنا جدتكِ رحمة الله عليها، أنّ الصبر مفتاح الفرج، وأنّ مع العسر يسراً. أنتِ قويةٌ، ولن تهزّكِ الرياح."

نظرت سلمى إلى الفطور، وإلى وجه الحاجة زهرة المشرق بالإيمان. "أعلم يا أمي زهرة، ولكنّ الطريق يبدو طويلاً، ومليئاً بالعقبات. لم يعد الأمر يتعلق بي وحدي، بل بمستقبل هذه العائلة، وسمعتها."

"ولكنّ الله معكِ يا ابنتي"، قالت الحاجة زهرة، وهي تضع كوب الشاي أمام سلمى. "وهو سبحانه لن يضيعكِ. لقد رأيتُ في عينيكِ بريقاً بالأمس، عندما تحدّثنا عن مشروعِ تنميةِ القريةِ الزراعية. هذه روحُ جدتكِ فيكِ، روحُ العطاءِ والبناء."

تذكّرت سلمى حديثهما بالأمس. كانت قد قضت جزءاً من وقتها في دراسةِ خطةٍ وضعتها جدتها قبل وفاتها، لخلقِ فرصةِ عملٍ لمزارعي القريةِ المحيطةِ بالقصر، وتمكينهم من زراعةِ محاصيلٍ ذاتِ قيمةٍ عاليةٍ، تسويقها محلياً وعالمياً. كانت جدتها تؤمن بأنّ الثروة لا تُقاسُ بالمالِ وحده، بل بقدرةِ الفردِ على إفادةِ مجتمعه.

"لقد كانت فكرةً رائعةً يا أمي زهرة"، قالت سلمى. "وكنتُ أظنّ أنها مجرد حلمٍ بعيد. ولكنّكِ ذكرتيني، ربما يكون هذا هو الطريق الذي تقصده جدتي. طريقٌ يُرضي الله، ويُفيد الناس."

في تلك اللحظة، سمعتا صوتَ خطواتٍ مسرعةٍ، ورأتا ابنةَ عمّ سلمى، نورا، وهي تدخلُ الحديقة، بملابسَ رياضيةٍ أنيقةٍ، وشعرها الأسودُ الطويلُ يتطايرُ خلفها. كانت نورا، على عكس سلمى، تعيشُ حياتها ببذخٍ، وتُفضلُ الحفلاتِ والمناسباتِ الاجتماعيةَ على أيّ شيءٍ آخر.

"صباح الخير يا فتيات!" صاحت نورا بصوتٍ مرحٍ. "هل تأكلنَ فطورَ الصباحِ هنا؟ يا لها من أجواءٍ ريفيةٍ رائعة! سلمى، رأيتُ والدي قبل قليلٍ، كان يتحدثُ مع محاميهِ عن أمورٍ مهمةٍ تخصّ تركةَ جدتي. أظنّ أننا سنحصلُ على نصيبٍ كبيرٍ هذه المرة!"

تجمّدت ابتسامةُ سلمى على شفتيها. كانت تعلم أن والد نورا، عمّها، كان دائماً ما يطمعُ في ثروةِ جدتها، ولم يكن يُفكرُ إلا في المكاسبِ الشخصية. شعرتْ بقبضةٍ تشتدّ حولَ قلبها. هل كانت هذه هي العقباتُ التي تحدثت عنها؟

"صباح النور يا نورا"، أجابت سلمى ببرودٍ. "لقد كنتُ أفكرُ في مشروعِ جدتي لتمكينِ مزارعي القرية."

رفعت نورا حاجبيها باستغرابٍ. "مشروعٌ زراعيٌّ؟ سلمى، هل أنتِ جادةٌ؟ لدينا أمورٌ أهمُّ بكثيرٍ لنهتمّ بها، مثلَ التحضيرِ لحفلِ خطوبةِ السفيرِ القادم، سمعتُ أنهُ رجلٌ ثريٌّ جداً، ولهُ نفوذٌ كبيرٌ. ربما تكونُ فرصةً لنا لنتعرّفَ على شخصياتٍ مهمةٍ."

نظرت سلمى إلى نورا، وإلى العالمِ الذي تمثله. عالمٌ يهتمُّ بالمظاهرِ والسطحيات. بينما عالمُ جدتها، عالمُ الإيمانِ، والعطاءِ، والحبّ الحلالِ، هو الذي تسعى إليه. شعرتْ بأنّ الطريقَ أمامها قد أصبحَ أكثرَ وضوحاً، وأكثرَ صعوبةً في آنٍ واحد. كان عليها أن تُثبتَ للجميع، ولنفسها، أنّهُ يمكنُ للمرأةِ أن تكونَ قويةً، وصالحةً، ومؤثرةً، في ظلّ قيمها ومبادئها.

نظرت إلى السماءِ الزرقاءِ الصافيةِ، وإلى الطيورِ التي تحلّقُ بحريةٍ. "سأفعلُ كلّ ما في وسعي"، همستْ لنفسها، "لكي أُبنيَ ما حلمتْ بهِ جدتي. سأجدُ طريقي، ولو كانَ وحيداً."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%