حبيبي الأبدي الجزء الثالث
همسات القدر في دهاليز الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات الأصيل العليلة تداعب أشجار النخيل الشاهقة في باحة قصر "دار الفجر"، حاملةً معها عبير الزهور البرية ورائحة التراب الندي. في إحدى غرف القصر الفسيحة، حيث تتسرب خيوط الشمس الذهبية لتصبغ السجاد الفارسي العتيق بألوان دافئة، جلست "نور" تتأمل طيف "آدم" الذي لم يفارق خيالها مذ غادر. لم تكن رؤيته الأخيرة مجرد وداع عابر، بل كانت تحمل في طياتها وعدًا وعهدًا، وبصيص أمل يتسلل إلى قلبها الذي شهد مرارة الفقد.
تنهدت بعمق، واستحضرت كلمات أمه، السيدة "فاطمة"، التي حاولت جاهدةً أن تمتص ألم ابنتها بالكلمات الطيبة والدعوات الصادقة. "الصبر مفتاح الفرج يا نور، والله يعلم ما في القلوب". كانت تلك الكلمات رفيقتها في وحدتها، وقوتها في ضعفها. لكن اليوم، كانت هناك أشياء تثقل كاهلها أكثر من مجرد الشوق.
كانت "ليلى"، صديقة الطفولة ورفيقة الدرب، قد زارتها قبل يومين، وجلبت معها أخبارًا مقلقة. بدت "ليلى" شاحبة الوجه، وعيناها غائرتان، وكأنها تحمل سرًا ثقيلاً. بعد تردد، ألقت بكلمات مبهمة عن "تغيرات تحدث خلف الأبواب المغلقة"، وعن "نوايا لا تخلو من الغموض". لم تصرح "ليلى" بالاسم، لكن نظراتها كانت تتجه دائمًا نحو "الشيخ سالم"، شقيق "آدم" الأكبر، وولي أمره الرسمي في غيابه.
"ماذا تقصدين يا ليلى؟" سألتها "نور" بصوت مرتجف. أجابت "ليلى" بخفوت، وعيناها تحدقان في نقطة بعيدة: "أتمنى أن أكون مخطئة يا نور. لكن هناك من يسعى لفرض سيطرته، ومن لا يهمه سوى تحقيق مصالحه. لقد سمعت حديثًا بين الخدم، عن مشروعات كبيرة يخطط لها الشيخ سالم، تتطلب رأس مال ضخمًا، وأن الأمر قد يمس بممتلكات العائلة، بما في ذلك أرض الأجداد التي تحمل تاريخنا."
شعرت "نور" ببرودة تسري في عروقها. أرض الأجداد لم تكن مجرد أرض، بل كانت الروح والهوية. لقد كانت ملاذ عائلتها عبر الأجيال، ومكانًا شهدت فيه أروع ذكريات طفولتها مع "آدم". فكرة أن يتعرض هذا الإرث العريق للخطر، وأن تكون هناك أيدٍ تسعى للتلاعب به، أثارت قلقها العميق.
"وهل تحدثتِ مع عمي الشيخ سالم مباشرة؟" سألت "نور" محاولةً كتمان اضطرابها. هزت "ليلى" رأسها: "لقد حاولت. لكنه كان متحفظًا جدًا، وأصر على أن كل شيء تحت السيطرة، وأنني لا داعي للقلق. لكنني شعرت بأن الأمر ليس كذلك. أعتقد أن لديه خططًا لا يريد أن يعرف بها أحد."
انتهت زيارة "ليلى"، تاركةً "نور" في دوامة من التساؤلات والقلق. هل كانت "ليلى" تبالغ؟ أم أن هناك حقًا خطرًا يلوح في الأفق؟ فكرت في "آدم". لقد تركها وهو واثق بأن أمور العائلة ستسير على ما يرام، خاصةً بعد تولي "الشيخ سالم" دفة الأمور. لكن كيف ستواجه هذه المستجدات؟
في هذه الأثناء، كان "آدم" يصل إلى وجهته، مدينة جدة النابضة بالحياة. كان قد قضى أيامًا طويلة في رحلة عمل شاقة، لكنه كان يشعر بالرضا عن النتائج. لقد تمكن من عقد صفقات ناجحة، وعزز مكانة شركته، وكان كل ذلك بفضل الله ثم بفضل الدعم والتشجيع الذي تلقاه من "نور".
عندما وصل إلى فندقه الفاخر، طلب قهوته العربية المعتادة، وجلس على شرفة تطل على البحر الأحمر اللامتناهي. استعاد ذكريات لقائه الأخير بنور، ابتسامتها الهادئة، وعينيها اللامعتين بالإيمان. كم اشتاق إليها. لكن قبل أن يغوص في بحر الشوق، تذكر ما وعدها به. لقد تعاهد معها على العودة بقلب مليء بالثقة، مستعدًا لبناء مستقبل مشرق لهما.
لكن لم يكن الأمر بهذه البساطة. ففي حين كان "آدم" بعيدًا، كانت الأمور في "دار الفجر" تشهد تحولات لم يكن يتوقعها. أرسلت له والدته، السيدة "فاطمة"، رسالة إلكترونية موجزة، تطلب منه العودة في أقرب وقت ممكن. لم تذكر الأسباب بوضوح، لكن نبرة القلق في كلماتها كانت كافية لتثير شكوكه.
"آدم، يا بني. أتمنى أن تكون بخير. رحلتك موفقة إن شاء الله. لكني أرجو منك العودة في أقرب فرصة. هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى رأيك وحكمتك. استودعتك الله."
أغلق "آدم" جهاز الحاسوب، وشعر بتيار من القلق يجتاجه. "أمور تحتاج إلى رأيه وحكمته". هذه العبارة لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت تحمل في طياتها معنى أعمق. هل يتعلق الأمر بالعمل؟ أم بشيء آخر؟
في الوقت نفسه، كان "الشيخ سالم" يمضي وقته في مكتبه الخاص بالقصر، وهو يقلب أوراقًا ووثائق تحمل طابع السرية. كان وجهه عابسًا، وعيناه تلمعان بنوع من المكياج والتركيز. كان يخطط لمستقبل يحلم به، مستقبل يجعله سيد القرار، وسيد الثروة. لم يكن يكترث كثيرًا بالتقاليد أو بالعائلات. كانت لديه أهدافه الخاصة، وكان مستعدًا لفعل أي شيء لتحقيقها.
لقد سمع عن قلق "نور" وعن تساؤلاتها. ابتسم ابتسامة باردة. "إنها فتاة طيبة، لكنها ساذجة. لا تدرك حجم الأمور التي تحدث. الوقت ليس في صالحها. وبمجرد أن يعود "آدم"، سيكون الأوان قد فات."
لقد قام "الشيخ سالم" بخطوات متقدمة في خططه. لقد استغل غياب "آدم" ليتخذ قرارات حاسمة، تتعلق ببيع بعض الأصول غير المرغوبة، واستثمار أموال أخرى في مشاريع عالية المخاطر، ووعد بأرباح سريعة. كان يعتمد على تعقيد الإجراءات، وعلى حداثة سن "آدم" نسبيًا في إدارة شؤون العائلة الكبيرة.
كانت "نور" تشعر بالوحدة في مواجهة هذا المجهول. لم يكن أمامها سوى انتظار عودة "آدم"، والاعتماد على ثقتها بالله، وربما على حكمة "ليلى" التي كانت تبدو قلقة بشكل حقيقي. لكن القلق لم يكن مجرد شعور، بل كان بداية لمواجهة قادمة، مواجهة قد تغير مجرى حياة كل منهما.
في قصر "دار الفجر"، كانت الظلال تتطاول، تحمل معها أسرارًا لم تُكشف بعد، وهمسات قدر لم تُسمع إلا لمن كان قلبه مفتوحًا. كانت "نور" تتطلع نحو الأفق، وقلبها يخفق بسرعة، تنتظر نور الصباح الذي سيحمل معه "آدم"، ولكن هل سيحمل معه أيضًا حلولًا، أم المزيد من التعقيدات؟