حبيبي الأبدي الجزء الثالث
خيوط متشابكة في الظلام
بقلم مريم الحسن
عادت "نور" إلى غرفتها، وقد خيم عليها شعور ثقيل بالهم. كانت كلمات "ليلى" لا تزال تتردد في أذنيها، ورنين القلق ينذرها بمستقبل غامض. لم تعد تكفيها وعود "آدم" الهادئة، ولا كلمات والدته المطمئنة. شعرت بأن هناك شيئًا خطيرًا يحدث خلف ستار من الزيف، وأن عائلتها، بما تحمله من إرث عظيم، أصبحت عرضة للخطر.
قررت أن تبحث عن دليل. لم تكن تريد أن تتهم "الشيخ سالم" ظالمةً، لكن واجبها كفرد من العائلة، وكشخص يحمل حب "آدم" في قلبها، يدفعها للتأكد. بدأت تبحث في أوراق العائلة القديمة، في صناديق الذكريات المكدسة في الغرفة الخلفية، على أمل أن تجد ما يفسر الوضع، أو ما يعطيها قوة لمواجهة ما هو قادم.
كانت الساعات تمر ببطء. كانت تتصفح رسائل جدتها، وتقلب صفحات ألبومات الصور الباهتة. في إحدى الصناديق، وجدت مجموعة من الرسائل المكتوبة بخط أنيق، يعود تاريخها إلى سنوات مضت. كانت الرسائل بين جدتها وبين رجل غامض، تتحدث عن مشاريع مشتركة، وعن اتفاقيات لم تر النور. ثم، بين تلك الأوراق، سقطت ورقة مفاجئة. كانت عبارة عن عقد بيع مبدئي لأرض واسعة، تحمل وصفًا دقيقًا لحدودها، وهو وصف يطابق تمامًا أرض الأجداد. لكن الأغرب من ذلك، أن توقيع البائع كان توقيع جدها، بينما توقيع المشتري كان لاسم لم تسمع به من قبل، اسم غريب وغير مألوف. والمدهش، أن تاريخ العقد كان قريبًا جدًا من تاريخ وفاة جدها.
تساءلت "نور": كيف يمكن أن يتم بيع أرض بهذا الحجم دون علم أحد؟ ومن هو هذا المشتري؟ ولماذا لم يتم توثيق هذا العقد في سجلات العائلة؟ انتابها شعور بأن هذه الورقة ليست مجرد صدفة، بل هي مفتاح لغز أكبر.
في هذه الأثناء، كان "آدم" قد وصل إلى مطار جدة، وكان يشعر بالإرهاق الناتج عن الرحلة الطويلة. استلم حقائبه، وبدأ يبحث عن سيارة أجرة. كانت السماء في جدة تميل إلى السواد، والإضاءة الخافتة للمطار تعطي المكان جوًا من السكون. وبينما كان ينتظر، تلقى مكالمة من والدته، السيدة "فاطمة".
"آدم، بني. الحمد لله على سلامتك. كيف كانت رحلتك؟" سألت بصوت كان يحمل مزيجًا من الارتياح والقلق. "الحمد لله يا أمي. الرحلة كانت موفقة، لكنني أشعر ببعض التعب. هل كل شيء على ما يرام؟" سأل "آدم" وهو يشعر بشيء غريب ينتابه. "كل شيء على ما يرام يا بني، لكن كما ذكرت لك، هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى حضورك. الشيخ سالم يتصرف بطريقة... غريبة بعض الشيء. لقد بدأ في اتخاذ قرارات كبيرة دون استشارتي أو استشارة أحد. أخشى أن يكون الأمر يتعلق بإدارة أملاك العائلة."
شعر "آدم" ببرودة تسري في عروقه. "الشيخ سالم". لم يكن يتوقع أن تتطور الأمور إلى هذا الحد. لطالما كان "الشيخ سالم" شخصية غامضة، لكنه لم يكن يتخيل أن يتصرف بهذه الطريقة. "وما هي القرارات التي اتخذها يا أمي؟" سأل "آدم" وهو يحاول أن يبدو هادئًا. "لقد تحدث عن استثمارات جديدة، وعن بيع بعض الأصول. لم يعطني تفاصيل كافية، لكنني شعرت بقلق شديد. أرجو منك يا بني أن تعود إلى القصر بأسرع وقت ممكن. نحتاج إلى حكمتك."
أنهى "آدم" المكالمة، وقد اختفى التعب من جسده. حل محله مزيج من الغضب والقلق. كان يعلم أن "الشيخ سالم" شخصية انتهازية، لكنه لم يتخيل أن تصل به الجرأة إلى هذا الحد. لقد وعد "نور" بالعودة إليها قويًا، مستعدًا لبناء مستقبلهما. ولكن يبدو أن هذا المستقبل أصبح مهددًا قبل أن يبدأ.
في غضون ذلك، كان "الشيخ سالم" يجلس في مكتبه، وهو يبتسم ابتسامة رضا. لقد انتهى من آخر الترتيبات. كان قد اتصل ببعض المستثمرين الخارجيين، وعقد معهم اتفاقيات سرية. كان يعتقد أن "آدم" سيأتي متعبًا من سفره، وسيكون مشغولًا بأموره الخاصة، ولن يلتفت كثيرًا إلى ما يفعله.
"كل شيء يسير حسب الخطة،" قال لنفسه بصوت خافت. "هذه الثروة لن تكون لقمة سائغة لأحد. إنها لي، ولأبنائي من بعدي."
كان يعلم أن "نور" لديها بعض الشكوك. لقد لاحظ نظراتها المتفحصة، وسؤالها المستمر عن أحوال العائلة. لكنه كان يعتقد أن مخاوفها لا أساس لها، وأنها مجرد فتاة صغيرة لا تفهم في أمور المال والأعمال.
في قصر "دار الفجر"، كانت "نور" قد اكتشفت شيئًا آخر. بين الأوراق القديمة، وجدت رسالة بخط والدها، كانت موجهة إلى جدها، تتحدث عن "دين ثقيل" ورثه عن والده، وعن "صعوبة سداده". كان والده قد توفي في سن مبكرة، ولم يكن لديه الكثير من المعلومات عن وضعه المالي. هل كان هذا الدين هو السبب وراء محاولات "الشيخ سالم" لبيع الأصول؟ هل كان يحاول أن يستر على فضيحة عائلية؟
شعرت "نور" بأن الخيوط تتشابك حولها. كلما تعمقت في البحث، وجدت المزيد من الألغاز. كانت تعلم أن "آدم" قادم، وأن لقاءهما القادم لن يكون مجرد لقاء عاطفي، بل لقاء مليء بالأسئلة والتساؤلات.
بدأت تتساءل: هل كان "آدم" على علم بهذه المشاكل؟ هل كان "الشيخ سالم" يخفي عنه كل شيء؟ أم أن "آدم" نفسه لم يكن يدرك حجم الأزمة؟
قررت "نور" أن تحتفظ بورقة عقد البيع المبدئي بسرية تامة. لم تكن تريد أن تخلق فزعًا قبل أن تتأكد من كل شيء. لكنها عرفت في قرارة نفسها أن الوقت ينفد، وأن المواجهة قادمة لا محالة.
بينما كانت تستعد للنوم، نظرت إلى صورة "آدم" المعلقة على الحائط. ابتسمت ابتسامة حزينة. "آدم، كم أتمنى أن تكون هنا الآن. كم أحتاج إلى قوتك وحكمتك. أتمنى أن نتمكن من تجاوز هذه المحنة معًا."
في تلك الليلة، لم تنم "نور" كثيرًا. كانت أحلامها مليئة بالظلال، وبالأصوات الخافتة، وبالشعور بأن هناك خطرًا يتربص بعائلتها. لقد كانت على وشك اكتشاف سر قديم، سر كان يمكن أن يغير كل شيء.