حبيبي الأبدي الجزء الثالث

أمواج القدر العاتية

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء تحمل معها عبق الياسمين الممزوج برائحة البحر، لكن ليلى لم تشعر بشيء سوى توتر يلفّ أعماقها. جلست في شرفة منزلها المطل على الخليج، تتأمل زرقة الماء التي بدأت تتلاشى مع غياب الشمس، كأنها تستحضر لون الحزن الذي بدأ يغشى قلبها. قبل ساعات قليلة، استقبلت الخبر الذي هزّ أركان عالمها الهادئ. دعوة رسمية من السيد خالد بن علي، والد خطيبها، لحضور جلسة عائلية عاجلة في قصره الكبير. لم تكن الدعوة عادية، فقد جاءت بصيغة تحمل ثقلاً لا تخطئه عين، صيغة تشير إلى أمور جلل، وأخبار غير سارة.

كانت قد خططت لكل شيء بمرح وسعادة. موعد عقد قرانها على أحمد، ابن السيد خالد، يقترب، وقد أعدا معاً قائمة طويلة من الأحلام والتطلعات. لم يغب عنها أن حياتهما الزوجية المنتظرة لن تكون خالية من التحديات، فالحياة شراكة تتطلب صبراً وتفهماً، لكنها لم تتوقع أبداً أن تكون العقبات الأولى بهذا الحجم، وبهذه القسوة.

تذكرت آخر لقاء جمعها بالسيد خالد. كان لقاءً ودياً، تبادلا فيه الأحاديث عن مستقبل أحمد وليلى، وعن سعادة الأبوين برؤية ابنهما يجد شريكة حياته. ابتسم السيد خالد حينها وقال لها: "أحمد محظوظ بك يا ليلى، وفخور بك. حافظي على هذه الروح الطيبة وهذه الأخلاق الرفيعة." الآن، كيف يمكن لهذه الروح أن تتلقى ما قد تقرره هذه الجلسة؟

أخذت نفساً عميقاً، محاولةً استجماع قواها. والدتها، السيدة فاطمة، دخلت الغرفة بهدوء، وحملت في عينيها قلقاً مماثلاً. جلست بجوار ابنتها، ووضعت يدها الحانية على كتفها. "هل أنتِ بخير يا بنيتي؟" سألت بصوت يرتجف قليلاً.

أجابت ليلى بصوت خافت، وهي لا تزال تحدق في البحر: "لا أدري يا أمي. أشعر وكأن كل شيء على وشك أن يتغير."

"لا تقلقي يا ليلى. مهما كان الأمر، سنكون بجانبك. أحمد يحبك، وأنا متأكدة أنه سيجد حلاً."

"لكن هذا القرار ليس بيده وحده يا أمي. والدته، السيدة نورة، لها الكلمة الأخيرة غالباً. وأنا... أنا لست متأكدة من مدى تقبلها لي."

فكرت ليلى في السيدة نورة. كانت امرأة ذات شخصية قوية، واهتمامات رفيعة، وانتماءات اجتماعية راسخة. لم ترَ فيها ليلى أي بادرة سلبية تجاهها، لكنها كانت تشعر دائماً بمسافة غير مرئية تفصل بينهما، مسافة لا تعرف مصدرها. هل هي فقط هلوسات من قلق ما قبل الزواج، أم أن هناك شيئاً أعمق؟

في تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة تقترب. عرفت أنها سيارة أحمد. نزل من سيارته وبدا وجهه شاحباً. جاء مباشرة إليها، وأخذ بيدها. "ليلى، هل أنتِ مستعدة؟" سأل بصوت بدا متعباً.

"هل عرفت شيئاً؟" سألت ليلى بسرعة، وقلبها يخفق بعنف.

هز أحمد رأسه. "والدي طلب مني أن أكون معكِ. قال إنها مسألة هامة جداً."

نظرت ليلى إلى والدتها، ثم إلى أحمد. "دعنا نذهب إذن."

اجتمعت العائلة في قاعة الاستقبال الفاخرة في قصر السيد خالد. كان الجو مشحوناً بالترقب. السيد خالد، ببدلته الأنيقة وهدوئه المعهود، كان جالساً في مقدمة القاعة. بجواره، السيدة نورة، بملابسها الراقية وتعبيرات وجهها المتجمدة، وبجانبها خالتها، السيدة عائشة، التي بدت متوترة هي الأخرى. أحمد، واقفاً خلف ليلى، يضع يده بثبات على كتفها، كأنه يقول لها: "أنا هنا."

بدأ السيد خالد بالحديث بصوت هادئ ولكنه يحمل جدية واضحة. "ليلى، أحمد. نورتونا. أشكر حضوركم في هذا الوقت القصير. أعلم أنكم تتساءلون عن سبب هذه الدعوة الطارئة. الأمر ليس سهلاً، ولن أخفي عليكم أننا نواجه موقفاً حساساً."

صمت للحظة، ثم تابع: "كما تعلمون، أنا والسيدة نورة، نتشارك في إمبراطورية عقارية واسعة. تاريخ طويل من العمل المشترك. ولكن، مؤخراً، بدأت تظهر خلافات جوهرية بيني وبينها حول مستقبل الشركة. خلافات تتعلق بالاستثمارات الجديدة، وبمسار التوسع."

نظرت ليلى إلى السيدة نورة، التي بدت غير مرتاحة.

"هذه الخلافات، يا ليلى، امتدت لتشمل أموراً أخرى. السيدة نورة، ومنذ فترة، لديها وجهة نظر مختلفة حول مدى ملاءمة هذا الزواج. هي ترى أن بعض الأمور المتعلقة بالعائلة، بالتقاليد، وبالانتماءات، قد لا تكون متوافقة تماماً مع رؤيتها لمستقبل عائلتنا الممتدة. وهي، بصفتها شريكتي في الشركة، ومن له الحق في إبداء رأيه، لديها تحفظات."

كانت كلمات السيد خالد كالصواعق. ليلى شعرت بالدوار. لم تستوعب بعد. كيف يمكن لـ"تحفظات" أن تؤدي إلى دعوة بهذا الشكل؟

تابعت السيدة نورة الكلام، بصوت أعلى وأكثر حدة من صوت زوجها. "بصراحة يا ليلى، أنا لم أكن يوماً مع هذا الزواج. ظننت أن الوقت سيغير رأيي، لكن للأسف، لم يحدث ذلك. أريد لابني أن يرتبط بعائلة تشاركنا نفس الأهداف، ونفس النظرة للحياة. نحن عائلة لها تاريخ، ولها اعتبار، وأنا أرى أن ارتباطك بأحمد قد يضعف هذا الاعتبار."

كانت كلماتها جارحة، قاسية، لاذعة. ليلى شعرت بالماء يتجمع في عينيها، لكنها حبسته. تذكرت وصية والدتها: "كوني قوية يا ليلى."

أحمد، الذي كان واقفاً كالصخرة، تقدم خطوة للأمام. "أمي، خالتي، هذا الكلام غير مقبول. ليلى هي الإنسانة التي أحببتها، وهي التي اخترتها لتكون شريكة حياتي. هل تعتقدون أنني سأسمح لأي شخص، مهما كانت مكانته، أن يشكك في اختياري؟"

تدخل السيد خالد مجدداً، محاولاً تهدئة الأجواء. "أحمد، اهديء. نحن نتحدث بصراحة. السيدة نورة لديها قلقها، وليلى لها حقها في الدفاع عن نفسها."

التفتت السيدة نورة إلى أحمد. "أنت لا تفهم يا بني. هذه ليست مسألة حب فحسب. هذه مسؤولية. أنا مسؤولة عن سمعة العائلة، وعن مستقبلها. وعليك أن تتفهم أنني اتخذت قراري."

"قرارك؟" سأل أحمد بصوت مرتفع. "هل القرار هو إلغاء الزواج؟"

صمتت السيدة نورة. ثم نظرت إلى ليلى مباشرة. "أنا أرى أن الأفضل لكِ، ولأحمد، وللعائلة، أن يلغى هذا الزواج. لم يكن يجب أن يتم أصلاً."

كانت تلك الكلمات هي نقطة اللاعودة. ليلى رفعت رأسها، ونظرت إلى السيدة نورة مباشرة. لم تعد هناك دموع في عينيها، بل بريق من العزم. "أنا لا أرى ذلك يا سيدة نورة. أنا أرى أن القرار قرار أحمد، وقراري. وأن حبنا، واحترامنا لبعضنا البعض، يفوق أي اعتبارات أخرى."

"وهل تعتقدين أن حبك لأحمد سيؤمّن لكم مستقبلاً؟" ردت السيدة نورة بسخرية. "الحياة تتطلب أكثر من الحب يا فتاة."

"الحياة تتطلب الصدق، والوفاء، والتفهم. وأنا أرى هذه الصفات في أحمد، وهو يراني فيها. أما عن الاعتبارات الأخرى، فأنا مؤمنة بأن بناء أسرة قوية، مبنية على هذه الأسس، هو بحد ذاته بناء لاعتبار ولسمعة."

بدأت السيدة عائشة بالتدخل. "ليلى، هدئي من روعك. ربما الأمور ليست كما تبدو. سيدة نورة لديها أسبابها. وهي تفكر في مصلحة أحمد."

"مصلحتي في زواجي من ليلى!" قال أحمد بحزم. "ولن أسمح لأحد بالتدخل في هذا الأمر."

"أحمد، اسمعني." قالت السيدة نورة بلهجة أمر. "هذه مسألة عائلية. ليست مسألة مشاعر مراهقين."

"مراهقين؟" تكرر أحمد بصدمة. "أمي، نحن على وشك الزواج! هذا القرار لن يكون لكِ وحدكِ."

"بل سيكون لي. وبما أن والدكِ يصر على التمسك بهذا الزواج، وسأعطيكِ فرصة أخرى، أنا أضع شرطاً." قالت السيدة نورة، ونظرت إلى ليلى بنظرة انتصار. "إذا كانت ليلى فعلاً ترى أن حبها قادر على بناء مستقبل، فلتثبت ذلك. عليها أن تتخلى عن كل شيء. عن كل ما يتعلق بوالديها، عن ميراثها، عن كل دعم يمكن أن تحصل عليه. أن تبدأ من الصفر. فإذا استطاعت أن تبني نفسها بنفسها، وأن تثبت أنها قادرة على الوقوف على قدميها، عندها فقط، سأبارك هذا الزواج."

صمت مطبق ساد القاعة. ليلى نظرت إلى أحمد، الذي كان وجهه يعكس صدمة وغضباً. والدتها، التي كانت واقفة بجوارها، مسكت بيدها بقوة. السيد خالد بدا وكأنه في حيرة.

"هل تقصدين أن أرميها في الشارع؟" سأل أحمد بصوت يقطر ألماً.

"لا يا بني. أقصد أن أجعلها تثبت جدارتها. هذا اختبار. اختبار لقوتها، ولحبها. إذا كانت قادرة على النجاح، فلتفعل. وإلا... فإنها تثبت لي أن اختياري كان صائباً."

شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. لم تكن تتخيل أبداً أن تصل الأمور إلى هذا الحد. أن يُطلب منها التخلي عن كل شيء، عن كل ما كونها، لكي تثبت حبها. نظرت إلى السيدة نورة، ثم إلى أحمد. كان واضحاً أن هذه المعركة لن تكون سهلة. كان هذا هو الفصل الأول من مواجهة أكبر، معركة ستحدد مصيرها، ومصير حبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%