حبيبي الأبدي الجزء الثالث

أطياف الماضي في أروقة القدر

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر نوافذ القصر العتيق، لتُلامسَ غبارَ الزمنِ المتراكمَ على أثاثه الفاخر. في إحدى الغرفِ البعيدة، والتي كانتْ تُعرفُ بـ "غرفةِ الذكريات"، كانتْ تجلسُ الشابةُ ليان، غارقةً في عالمٍ من الأوراقِ القديمةِ والصورِ الباهتة. كانتْ ليان، ابنةَ عمّ سلمى الأقرب، تتميزُ بجمالٍ هادئٍ، ورقةٍ مُفرطةٍ، تشبهُ زهرةَ الربيعِ التي لم تعرفْ قسوةَ الشتاءِ بعد. عيناها الواسعتان، بلونِ العسلِ، كانتا تلمعانِ بحزنٍ دفينٍ، يخفيهِ حياءٌ مُترسّخٌ.

لم تكنْ ليان مجردَ فتاةٍ تعيشُ في عزلةٍ، بل كانتْ تعيشُ في عالمٍ خاصٍّ بها، بنتهُ لها ذاكرةُ فقدٍ مُبكّر. فقدتْ والديها في سنٍّ صغيرةٍ، وتكفّلتْ بها جدتها الحاجةُ فاطمة، التي احتضنتها بعطفٍ وحنانٍ، زرعتْ في قلبها حبّ اللهِ، وقيمَ الصدقِ والأمانةِ. كانتْ علاقةُ ليان بجدتها أقوى من أيّ علاقةٍ، وكانتْ تشعرُ بأنّ روحَ جدتها ما زالتْ تحلقُ حولها، تُراقبها، وتُسددُ خطاها.

كانتْ تمسكُ بيدها صورةً بالأبيضِ والأسودِ، تُظهرُ شاباً وسيمًا، بابتسامةٍ واثقةٍ، وعينينِ تبدوانِ وكأنّهما تحملانِ أسرارَ الكونِ. كانَ هذا الشابُ هوَ "يوسف"، خطيبُ سلمى الأول، الذي اختطفتهُ يدُ القدرِ قبلَ أنْ يكتملَ زفافهما. كانتْ وفاتهُ صدمةً كبرى للمدينةِ بأكملها، وللعائلةِ بشكلٍ خاصٍّ. كانَ يوسفُ رمزاً للأملِ، والشابِ الطموحِ، الذي بنىَ إمبراطوريتَهُ التجاريةَ من الصفرِ، بإصرارٍ وعزيمةٍ.

"يا يوسف"، همستْ ليان بصوتٍ مُرتعشٍ، "لمَ رحلتَ بهذهِ السرعةِ؟ تركتَ سلمى وحيدةً، وقلوبنا محطمةً."

كانتْ ليان تراقبُ سلمى عن بعدٍ، تشعرُ بألمها، وتتمنّى لو تستطيعُ أنْ تخففَ عنها. كانتْ ترى في سلمى امتداداً لروحِ جدتها، وقوةً لا يُستهانُ بها. لكنّها في الوقتِ نفسهِ، كانتْ تشعرُ بقلقٍ دفينٍ على مستقبلِ سلمى. كانتْ تعلمُ أنّ العالمَ الخارجيَّ لا يرحمُ الضعيفَ، وأنّ هناكَ من ينتظرُ الفرصةَ للانقضاضِ على ما تركتهُ الأجيالُ.

بينما كانتْ ليان غارقةً في ذكرياتها، اقتحمَ هدوءَ الغرفةِ صوتُ خطواتٍ سريعةٍ، ودخلَ عمّها، والدُ نورا، السيدُ "عمر". كانَ عمرُ رجلاً ذا نفوذٍ، يرتدي ملابسَ فاخرةً، ويبدو عليهِ علاماتُ الثراءِ. لكنّ عينيهِ الضيقتينِ كانتا تحملانِ بريقَ الجشعِ، وروحَ المكياجِ.

"ليان، ماذا تفعلينَ هنا؟" سألَ عمرُ بنبرةٍ تحملُ بعضَ الاستعجالِ. "ألا زلتِ تضيعينَ وقتكِ معَ هذهِ الأوراقِ القديمةِ؟ هناكَ أمورٌ أكثرُ أهميةً تحدثُ."

نظرتْ ليان إليهِ بخوفٍ، ووضعتْ الصورةَ جانباً. "كنتُ أتصفحُ ألبوماتِ الصورِ يا عمّي."

"الصورُ لن تُطعِمَكِ يا ابنتي"، قالَ عمرُ وهوَ يُلوّحُ بيدهِ باشمئزازٍ. "نحنُ في زمنٍ يتطلبُ القراراتِ الحاسمةَ، والأفعالَ السريعةَ. لقد تحدثتُ معَ محامي العائلةِ، وقد وجدنا ثغرةً في وصيةِ جدتكِ. يمكننا الاستحواذُ على جزءٍ كبيرٍ من تركةِ يوسف، وإعادةَ توجيهِ الاستثماراتِ لصالحنا. سلمى، بقلبها الطيبِ، لن تفهمَ هذهِ التفاصيلَ المعقدةَ. سأقومُ بهذا العملِ نيابةً عنها، لكي لا تُثقلَ كاهلها."

شعرتْ ليان ببرودةٍ تسري في عروقها. كانتْ تعلمُ نوايا عمّها، وكانتْ تخشى أنْ يستغلَّ ضعفَ سلمى. "لكنّ جدتي أوصتْ خيراً بيوسف، وقالتْ إنّ أموالهُ يجبُ أنْ تُستخدمَ في الخير."

ضحكَ عمرُ بسخريةٍ. "الخيرُ يبدأُ بالمنفعةِ الشخصيةِ يا ليان. يوسفُ كانَ شاباً ذكياً، لكنّنا نحنُ الأكبرُ سناً، والأكثرُ خبرةً. سنُديرُ هذهِ الأموالَ بطريقةٍ تجلبُ لنا الربحَ الأكبرَ. وهذا هوَ الخيرُ الحقيقيُّ."

تجمّعتْ الدموعُ في عينَي ليان. "لا أظنُّ أنّ هذا ما كانتْ تريدهُ جدتي. لقد كانتْ تؤمنُ بالعطاءِ، وليسَ بالأخذِ."

"أنتِ ما زلتِ صغيرةً، ولا تفهمينَ طبيعةَ هذا العالمِ"، قالَ عمرُ بنبرةٍ قاطعةٍ، تخللتها بعضُ التهديداتِ المبهمةِ. "والآن، اذهبي، وقولي لسلمى أنْ تُراجعني فوراً. هناكَ أمورٌ كثيرةٌ نحتاجُ أنْ نتفقَ عليها."

خرجَ عمرُ من الغرفةِ، تاركاً ليانَ في حالةٍ من الذهولِ والرعبِ. كانتْ تشعرُ بأنّ قوى الظلامِ بدأتْ تُحيطُ بالقصرِ، وأنّ هناكَ خطراً يهددُ كلّ ما بنتهُ الأجيالُ.

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ سلمى في مكتبِ جدتها، الذي احتفظتْ بهِ كما هوَ، تفوحُ منهُ رائحةُ الكتبِ القديمةِ، والعودِ الشرقيِّ. كانتْ تُراجعُ بعضَ الأوراقِ المتعلقةِ بمشروعِ تنميةِ القريةِ، عندما دخلتْ عليها نورا.

"سلمى، ما زلتِ هنا؟" قالتْ نورا، وهيَ تُلقي بنفسها على أريكةٍ فاخرةٍ. "ألا تشعرينَ بالمللِ؟ العالمُ في الخارجِ مليءٌ بالحياةِ والمرحِ. لقد تلقيتُ دعوةً لحفلةٍ خاصةٍ مساءَ اليومِ، معَ بعضِ الشخصياتِ المهمةِ. هل ترغبينَ في المجيءِ؟"

نظرتْ سلمى إلى نورا، وإلى الفجوةِ التي تفصلُ بينَ عالميهما. "شكراً لكِ يا نورا، ولكنّ لديّ عملٌ مهمٌّ. أحاولُ أنْ أُعيدَ الحياةَ إلى هذهِ الأوراقِ، وأنْ أُحققَ ما كانتْ تطمحُ إليهِ جدتي."

"أحلامُ الجداتِ رائعةٌ، ولكنّها قديمةٌ بعضَ الشيءِ"، قالتْ نورا بسخريةٍ خفيفةٍ. "نحنُ نعيشُ في القرنِ الواحدِ والعشرينِ يا سلمى. الحياةُ قصيرةٌ، ويجبُ أنْ نستمتعَ بها."

"الاستمتاعُ الحقيقيُّ يأتي من رضا اللهِ، ومن الشعورِ بأنّنا نُفيدُ الآخرينَ"، أجابتْ سلمى بهدوءٍ. "وهذا ما سأحاولُ فعلهُ."

فجأةً، دخلَ السيدُ عمرُ المكتبَ، وكانَ وجههُ يُنذرُ بالشرِّ. "سلمى، نحتاجُ أنْ نتحدثَ. لقد وجدتُ بعضَ الأمورِ المهمةِ المتعلقةِ بتركةِ يوسف، وأظنُّ أننا بحاجةٍ إلى اتخاذِ قراراتٍ سريعةٍ."

شعرتْ سلمى بالريبةِ. كانتْ تعلمُ أنّ عمّها لا يفكرُ إلا في مصالحهِ. "ما هيَ هذهِ الأمورُ يا عمّي؟"

"هناك بعضُ الاستثماراتِ التي تحتاجُ إلى إعادةِ هيكلةٍ"، قالَ عمرُ وهوَ يُحاولُ أنْ يبدوَ طبيعياً. "بعضُها لم يعدْ مربحاً، وأخشى أنْ نخسرَ أموالَ العائلةِ. سأقومُ بإدارةِ هذهِ الأمورِ بنفسي، لكي أضمنَ لكِ أفضلَ النتائجَ."

نظرتْ سلمى إلى والدِ نورا، وإلى نورا نفسها، التي كانتْ تُراقبُ المشهدَ بفضولٍ. شعرتْ بأنّها محاصرةٌ. "ولكنّ جدتي أوصتْ بأنْ تكونَ أموالُ يوسفِ في مشاريعَ تعودُ بالنفعِ على المجتمعِ."

"بالطبعِ، وبالطبعِ"، قالَ عمرُ بسرعةٍ. "وهذا هوَ ما سأفعلهُ. لكنّ الطريقةَ التي سأقومُ بها ستكونُ مختلفةً. ثقي بي يا ابنتي، أنا عمّكِ، وأريدُ لكِ الخيرَ."

كانتْ كلماتهُ مُغلفةً بالخداعِ، وبريقُ الجشعِ في عينيهِ كانَ يفضحُ صدقَ نواياه. شعرتْ سلمى بأنّ معركةً كبيرةً قد بدأتْ، وأنّها ليستْ مجردَ معركةٍ على المالِ، بل على قيمٍ ومبادئَ، وعلى إرثِ جدتها الطاهرِ.

"لن أوافقَ على أيّ شيءٍ إلا بعدَ أنْ أدرسهُ بنفسي، وأستشيرَ فيهِ عالماً فقيهاً"، قالتْ سلمى بحزمٍ.

تبدّلتْ ملامحُ عمرَ قليلاً، لكنّهُ تمالك نفسهُ بسرعةٍ. "كما تشائينَ يا ابنتي. ولكنّ الوقتَ ثمينٌ."

خرجَ عمرُ من المكتبِ، وتركَ سلمى في حيرةٍ من أمرها. شعرتْ بأنّها دخلتْ في دوامةٍ من المؤامراتِ، وأنّ عليها أنْ تكونَ أشدّ حذراً. نظرتْ إلى صورةِ جدتها المعلقةِ على الحائطِ، وشعرتْ بقوةٍ جديدةٍ تسري فيها. "لن أسمحَ لأحدٍ أنْ يُفسدَ حلمكِ يا جدتي"، همستْ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%