حبيبي الأبدي الجزء الثالث

لقاءٌ في رياضِ الصبرِ

بقلم مريم الحسن

وسطَ صخبِ المدينةِ وضجيجِ الحياةِ، كانتْ هناكَ واحةٌ خضراءُ، تُدعى "رياضُ الصبرِ"، وهيَ حديقةٌ عامةٌ تتميزُ بجمالها الفريدِ، وهدوئها الساحرِ. في إحدى الأيامِ الربيعيةِ، عندما كانتْ الأزهارُ قد فتحتْ أبوابها للعالمِ، وكانتْ الفراشاتُ ترقصُ في الهواءِ، قررتْ سلمى أنْ تجلسَ قليلاً في هذهِ الحديقةِ، لتبعدَ عنْ أفكارها همومَ القصرِ والمؤامراتِ.

كانتْ ترتدي ملابسَ بسيطةً، لكنّها أنيقةٌ، بلونٍ أزرقَ سماويٍّ، يُبرزُ جمالَ عينَيها. جلستْ على مقعدٍ خشبيٍّ تحتَ ظلِّ شجرةِ ليمونٍ عتيقةٍ، تحملُ ثماراً صفراءَ لامعةً. كانتْ تُمسكُ بكتابٍ قديمٍ، لكنّ عقلها كانَ شاردًا، يتنقلُ بينَ ذكرياتِ الماضي، ومخاوفِ المستقبلِ.

"هل كانَ حقاً سيحدثُ كلُّ هذا؟" سألتْ نفسها بصوتٍ خفيضٍ. "هل كلُّ الناسِ طامعينَ وجشعونَ؟"

في تلكَ اللحظةِ، اقتربَ منها شابٌّ، بملامحَ عربيةٍ أصيلةٍ، وعينينِ داكنتينِ تحملانِ بريقَ الذكاءِ والأمانةِ. كانَ يرتدي ثوباً تقليدياً بسيطاً، وشعرهُ الأسودُ مُصففٌ بعنايةٍ. كانَ يحملُ في يدهِ سلةً صغيرةً مليئةً ببعضِ الكتبِ.

"هل تسمحينَ لي بالجلوسِ هنا؟" سألَ بصوتٍ هادئٍ، يحملُ رقةً واحتراماً. "يبدو المكانُ هادئاً، وأبحثُ عنْ مكانٍ للقراءةِ."

نظرتْ سلمى إليهِ، وشعرتْ بنوعٍ منَ الارتياحِ. كانَ وجههُ خالياً منَ التصنعِ، وبريقُ عينيهِ يوحي بالصدقِ. "بالتأكيدِ، تفضلْ."

جلسَ الشابُّ على المقعدِ، ووضعَ السلةَ بجانبهِ. "شكراً لكِ. اسمي "خالدٌ"."

"وأنا سلمى"، أجابتْ سلمى بابتسامةٍ خجولةٍ.

بدأَ خالدٌ يُرتّبُ كتبهُ، وكانَ بينها كتابٌ قديمٌ عنْ تاريخِ الأندلسِ، وكتابٌ في الفقهِ، وكتابٌ في الشعرِ. لفتَ اهتمامَ سلمى تنوعُ اهتماماتهِ.

"تبدو الكتبُ ممتعةً"، قالتْ سلمى. "هل أنتَ طالبٌ؟"

"أنا لستُ طالباً بالمعنى التقليديِّ، ولكني أُحبُّ التعلمَ، وأسعى دوماً لاكتسابِ المعرفةِ"، أجابَ خالدٌ. "أنا أعملُ حالياً في مشروعٍ صغيرٍ لتطويرِ الزراعةِ العضويةِ في الأراضيِ المحيطةِ بالمدينةِ. إنّهُ عملٌ متواضعٌ، ولكنهُ مُرضٍ لروحي."

توسعتْ عينا سلمى بدهشةٍ. "الزراعةُ العضويةُ؟ هذا ما كنتُ أفكرُ فيهِ أيضاً! لقد تركتْ لي جدتي خطةً لمشروعٍ مشابهٍ لتنميةِ القريةِ المجاورةِ لقصرنا."

نظرَ خالدٌ إليها باهتمامٍ. "حقاً؟ يبدو أنّ أرواحنا تتشابهُ في بعضِ الأمورِ. أنا أؤمنُ بأنّ الزراعةَ ليستْ مجردَ عملٍ، بل هيَ عبادةٌ، وهيَ السبيلُ الوحيدُ لبناءِ مجتمعٍ قويٍّ ومستدامٍ."

بدأَ الحديثُ يتدفقُ بينهما، وكأنّهما يعرفانِ بعضهما منذُ زمنٍ بعيدٍ. تحدثتْ سلمى عنْ فكرةِ جدتها، وعنْ رؤيتها لمستقبلٍ يعتمدُ على العملِ الصالحِ، وعلى إفادةِ المجتمعِ. تحدثَ خالدٌ عنْ تجربتهِ في هذا المجالِ، وعنْ التحدياتِ التي واجهها، وعنْ إيمانهِ العميقِ بأنّ النجاحَ الحقيقيَّ يكمنُ في خدمةِ الناسِ.

"كانتْ جدتي، رحمةُ اللهِ عليها، امرأةً فريدةً"، قالتْ سلمى. "كانتْ تُؤمنُ بأنّ الثروةَ الحقيقيةَ هيَ في مساعدةِ الآخرينَ. لقد أوصتني بالبحثِ عنْ زوجٍ صالحٍ، يُشاركني هذهِ الرؤيةَ، ويُعينني على تحقيقِ أحلامها."

ابتسمَ خالدٌ ابتسامةً دافئةً. "إنّها لوصيةٌ رائعةٌ، وغايةٌ نبيلةٌ. أعتقدُ أنّ المرأةَ الصالحةَ، التي تُشاركُ زوجها حبَّ اللهِ، وحبَّ الخيرِ، هيَ أعظمُ نعمةٍ يمكنُ أنْ يحظى بها الرجلُ."

شعرتْ سلمى بشيءٍ غريبٍ يتفتحُ في قلبها. كانَ حديثُ خالدٍ يُلامسُ أعماقَ روحها، ويُعيدُ إليها الأملَ. كانَ يرى فيها ما لم يرَ فيهِ الآخرونَ، كانَ يرى فيها طموحَ جدتها، وقوةَ إيمانها.

"ولكنّ الطريقَ ليسَ سهلاً"، قالتْ سلمى. "هناك مَن لا يُريدونَ الخيرَ، وهناك مَن يسعونَ لاستغلالِ الثروةِ في أغراضٍ دنيئةٍ."

"نعم، ولكنّ اللهَ معَ الصابرينَ، ومعَ الذينَ يُخلصونَ النوايا"، أجابَ خالدٌ. "ومعَ وجودِ الإيمانِ، والعزيمةِ، نستطيعُ أنْ نتجاوزَ كلَّ العقباتِ. ربما، لو كانَ مشروعُ جدتكِ، ومشروعي، يلتقيانِ، يمكننا أنْ نُحدثَ فرقاً أكبرَ."

تبادلا أرقامَ الهواتفِ، ووعوداً بلقاءاتٍ مستقبليةٍ لمناقشةِ التفاصيلِ. عندما حانَ وقتُ الرحيلِ، شعرتْ سلمى بأنّ قلبها أصبحَ أخفَّ وزناً، وأنّ هناكَ بارقةَ أملٍ بدأتْ تتلألأُ في سماءِ حياتها.

في طريقِ عودتها إلى القصرِ، كانتْ سلمى تُفكرُ في خالدٍ. كانَ رجلاً مختلفاً عنْ كلِّ الرجالِ الذينَ عرفتهم. كانَ يجمعُ بينَ الشموخِ، والتواضعِ، والتدينِ، والطموحِ النبيلِ. هل كانَ هذا هوَ الرجلُ الذي قصدهُ القدرُ؟

عندما وصلتْ إلى القصرِ، وجدتْ والدتها، الحاجةُ زهرةُ، في انتظارها.

"أينَ كنتِ يا ابنتي؟" سألتْ الحاجةُ زهرةُ بقلقٍ. "لقد استيقظتُ ولم أجدكِ."

"كنتُ في حديقةِ "رياضِ الصبرِ" يا أمي زهرةُ"، أجابتْ سلمى، وشعرتْ بأنّها تريدُ أنْ تشاركها خبرَ لقائها. "قابلتُ رجلاً شاباً، يُدعى خالدٌ، وهوَ يعملُ في مجالِ الزراعةِ العضويةِ. لديهِ أفكارٌ رائعةٌ، وشعرتُ بأنّ لديهِ رؤيةً مشابهةً لرؤيةِ جدتي."

ابتسمتْ الحاجةُ زهرةُ. "سبحانَ اللهِ! أرى في عينيكِ بريقاً لم أرَهُ منذُ زمنٍ. ربما يكونُ هذا هوَ الفرجُ الذي دعا بهِ جدتكِ."

"أتمنى ذلكَ يا أمي زهرةُ"، قالتْ سلمى. "ولكنّني أخشى منْ ردةِ فعلِ عمّي، السيدِ عمرَ. إنّهُ لا يُريدُ لأحدٍ أنْ يُشاركني في إدارةِ ثروةِ العائلةِ."

"لا تقلقي يا ابنتي"، طمأنتها الحاجةُ زهرةُ. "منْ يتقِ اللهَ، يجعلْ لهُ مخرجاً. ولديكِ قلبٌ طاهرٌ، ونيةٌ صادقةٌ. وسينصركِ اللهُ."

جلستْ سلمى في غرفتها، تُفكرُ في كلِّ ما حدثَ. لقد بدأتْ رحلتها، رحلةُ البحثِ عنْ الحبِّ الحلالِ، وعنْ الشريكِ الصالحِ، وعنْ تحقيقِ إرثِ جدتها. شعرتْ بأنّ الأملَ بدأَ يُزهرُ في قلبها، وكأنّها وجدتْ في "رياضِ الصبرِ" بدايةً لقصةٍ جديدةٍ، قصةٍ تُبنى على الحبِّ، وعلى الإيمانِ، وعلى القيمِ النبيلةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%