حبيبي الأبدي الجزء الثالث

شرخ في السكون

بقلم مريم الحسن

كانت نسائم المساء تحمل معها عبق الياسمين ورائحة التراب المبلل من سقي الحديقة الظهيرة. جلست فاطمة على شرفة جناحها المطل على صحن الدار الفسيح، تداعب بأصابعها أوراق نبتة البان التي اعتنت بها بنفسها. تنهدت بعمق، فقد كان الهواء نقياً، لكن روحها كانت تعتصرها هموم لم تستطع البوح بها لأحد. منذ عودة أحمد من سفره، بدا وكأن ستاراً رقيقاً، بالكاد محسوس، قد انسدل بينهما. لم يكن الأمر متعلقاً بالفتور في المشاعر، بل بشيء أعمق، بظلٍ خفيٍ يخيم على ابتسامته، وبنظراتٍ شاردةٍ أصبحت ترتسم على وجهه كثيراً.

في البداية، عزته إلى إرهاق السفر وطول الغياب. لكن الأيام انقضت، وأحمد لم يعد ذلك الزوج الذي تعرفه. أصبح كثير السهر في مكتبه، يتعلل بأعمالٍ طارئة، أو ينغمس في هاتفه وكأنه يبحث عن عالمٍ آخر. كانت محاولاتها لاستعادة دفء الأيام الخوالي تقابل بجفاءٍ بارد، لا يعكس إهمالاً متعمداً، بل انشغالاً داخلياً غريباً، يشبه من يصارع شبحاً لا يراه سواهُ.

في إحدى الليالي، وبعد أن طالت غيبته عن غرفة النوم، قررت فاطمة الذهاب إليه. كان الباب مفتوحاً قليلاً، ونظرت عبر الفتحة لتراه جالساً أمام شاشة حاسوبه، وعلى وجهه تعابير تتأرجح بين التركيز والقلق، وفي يده هاتفٌ لا يفارقه. لم يكن يعمل، بل كان يتصفح شيئاً، يبدو أنه استنزفه روحياً. دفعت الباب برفق.

"أحمد؟" نادته بصوتٍ فيه رجاء. انتفض أحمد فزعاً، وأغلق الحاسوب بسرعة، وأخفى الهاتف. "فاطمة! لم أسمعكِ. ماذا تفعلين هنا؟"

ابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمت على شفتيها. "أبحث عنك. ظننت أنك ستنام." نظر إليها بعينين فيهما تردد. "سآتي بعد قليل. لدي بعض الأمور العاجلة."

"ما هي هذه الأمور التي تشغلك عني؟" سألتها بصوتٍ خفيض، حاولت أن تجعل فيه فضولاً لا اتهاماً. صمت أحمد للحظة، ثم قال بلهجةٍ بدت متكلفة: "أعمالٌ قديمة، بعض التسويات المالية التي تحتاج إلى تدقيق."

لم تقتنع فاطمة. كانت تعرف زوجها جيداً، وتعرف متى يكون صادقاً، ومتى يحاول أن يغلق باباً خلفه. "لكننا في إجازة. الأعمال يمكن أن تنتظر." نهض أحمد من مقعده، وتوجه نحو النافذة، ناظراً إلى السماء المظلمة. "هناك بعض الأمور التي لا تحتمل التأجيل يا فاطمة."

شعرت فاطمة ببردٍ يتسرب إلى قلبها. كانت تدرك أن هناك ما تخفيه. لكن هل هو شيءٌ يتعلق بهما، أم شيءٌ يخصه وحده؟ كانت حيرةٌ مؤلمة. عادت إلى جناحها، وقلبها مثقل. هل بدأت الخلافات تأخذ شكلها الحقيقي، أم أن هذه مجرد غيمةٍ عابرة؟

في اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، وجدت فاطمة أحمد جالساً في حديقة الدار، يتأمل الأزهار بصمت. اقتربت منه، وقدمت له كوباً من الشاي. "صباح الخير يا أحمد." أخذ الكوب بامتنانٍ خفيف. "صباح النور يا فاطمة."

"هل نمت جيداً؟" سألت، مستشعرةً الحاجة إلى كسر الجليد. "بقدر المستطاع." أجاب، وشرب رشفةً من الشاي. "الضغوط كثيرة."

"هل يمكنني المساعدة؟" سألت. "ربما نتحدث عن الأمر؟" تردد أحمد، بدا وكأنه يصارع شيئاً في داخله. "ليس الأمر الذي يمكن الحديث عنه بسهولة يا فاطمة. إنه يتعلق بمسؤولياتٍ عليّ."

"لكنك لست وحدك يا أحمد. نحن معاً." قالت، متذكرةً آيات المودة والرحمة التي تربطهما. نظر إليها، وبدا وكأن نوراً خافتاً قد أضاء في عينيه. "أعلم يا حبيبتي. وأنا ممتنٌ لكِ. لكن هذه مسألةٌ شخصيةٌ بعض الشيء."

"وما الذي يجعله شخصياً لهذه الدرجة؟" لم تستطع كتمان فضولها وألمها. "هل يتعلق الأمر بأحدٍ ما؟ بعملك؟"

هز أحمد رأسه. "لا. لا يتعلق بالعمل." سكت للحظة، ثم أردف بصوتٍ متقطع: "إنه يتعلق ب... بخياراتٍ سابقة. بأخطاءٍ ربما."

كان اعترافاً صغيراً، لكنه كبيرٌ في معناه. أدركت فاطمة أن وراء صمته واعتزاله الاجتماعي شيئاً أعمق من مجرد إرهاق. كان هناك عبءٌ يحمله، وربما كان هذا العبء يستنزفه ويحجبه عنها. "ما هي هذه الأخطاء يا أحمد؟" سألت، واضعةً يدها على يده التي كانت تمسك بكوب الشاي. "أنا زوجتك، وشريكتك. ما يؤذيك يؤذيني."

نظرت فاطمة إلى وجهه، محاولةً أن تجد فيه ما يشبه البوح. لكنه كان مغلقاً، سدودٌ من الحياء أو الخوف تحول دون انهمار كلماته. لم يقل شيئاً، بل اكتفى بالنظر إلى يديها المتشابكتين مع يديه. كان صمته أبلغ من أي كلام، وكان يحمل معه وعداً بمزيدٍ من الألم، ومزيدٍ من الحيرة. هل كان ماضي أحمد يحمله إليهما، ليفرقهما قبل أن يكتمل بناؤهما؟ كان الخوف قد بدأ يتغلغل في قلب فاطمة، شرخٌ صغيرٌ لكنه مؤلم في سكون حياتهما الهادئة.

"ربما أنت محقة." قال أحمد أخيراً، بصوتٍ بالكاد مسموع. "ربما أحتاج إلى الحديث." ارتعش قلب فاطمة أملاً. "متى؟"

"دعيني أفكر قليلاً." قال، وعاد الانشغال ليخيم على ملامحه. "لا أريد أن أقول شيئاً قد يندم عليه أحدنا."

ابتسمت فاطمة، ابتسامةً تحاول أن تغطي قلقها. "سأكون هنا. متى أردت الحديث." عادت إلى غرفتها، وقلبها ما زال ينبض بالأمل، ولكنه أيضاً كان يحمل ثقل السؤال الذي لم يجب عليه. ما هو هذا السر الذي يخفيه أحمد؟ وما هو حجمه؟ وهل ستستطيع حبها وصبرها أن يذيبا جليد تلك الأسرار؟ كانت تلك الليلة باردةً بعض الشيء، حتى مع دفء الجو.

في الأيام التالية، بدأت فاطمة تلاحظ أموراً أخرى. كان أحمد كثيراً ما يتلقى مكالماتٍ غريبة، يتحدث فيها بهمسٍ وبنبرةٍ متوترة، غالباً ما يتجه إلى شرفته أو إلى مكانٍ خالٍ ليتحدث. وعندما تسأله، كان يجيب بجملٍ مقتضبة: "أصدقاء قدامى"، "أمورٌ لا تهمكِ". أصبحت أوقات خروجه من المنزل أكثر تكراراً، وبلا تحديد. كان يخرج في أوقاتٍ متأخرة، ويعود مع صدى صوت الأذان الأول.

في أحد الأيام، وبينما كانت فاطمة ترتب غرفة أحمد، وجدت في جيب معطفه الذي كان قد علقه على كرسيٍ مهمل، ورقةً صغيرةً مطوية. تذبذبت ترددها، لكن فضولها وحرصها على زوجها جعلاها تفتحها. كانت مكتوبةً بخطٍ سريع، عبارة عن أرقامٍ وحروفٍ ليست واضحة. بدت كشفرة، أو كرمزٍ يدل على مكانٍ أو موعد. قلبها انقبض. لم تكن تعرف ماذا تعني، لكنها شعرت بأنها جزءٌ من شبكةٍ غامضةٍ تسحب زوجها بعيداً عنها.

في تلك الليلة، لم تستطع النوم. استيقظت عدة مرات، تتفقد فراشه الفارغ، وتشعر ببرودةٍ لا تفسير لها. في الثالثة فجراً، سمعت صوتاً خفيفاً في الممر. تسللت بحذر، لتجد أحمد يرتدي ملابسه ويغادر الدار بخفة. أمسكت به من ذراعه.

"إلى أين يا أحمد؟" سألت بصوتٍ مرتجف. نظر إليها بارتباكٍ شديد، وكأنه لم يتوقع وجودها. "فاطمة! أنتِ مستيقظة؟"

"نعم. إلى أين أنت ذاهب في هذا الوقت؟" كررت سؤالها، وعيناها تبحثان عن إجابةٍ شافية. "لدي موعدٌ مهم." قال، متجنباً النظر في عينيها.

"موعدٌ في الثالثة فجراً؟" ارتفع صوتها قليلاً. "مع من؟" "مجرد صديق." أجاب، وبدا وكأنه يلفظ الكلمة على مضض.

"صديق؟ وهل تحتاج أن تغادر المنزل بهذه السرية؟" سألت، وبدأت مشاعر الخيانة والخوف تتصارع بداخلها. "هل هناك شيءٌ تخفيه عني يا أحمد؟"

نظر إليها أخيراً، وكانت عيناه تحملان أسفاً عميقاً. "فاطمة، أرجوكِ. لا تجعلي الأمر أكبر مما هو عليه. سأعود قريباً." "لكنني أريد أن أعرف." قالت، والدموع بدأت تتجمع في عينيها. "أنا زوجتك. لم أخنك يوماً، ولم أخفِ عنك شيئاً."

"وأنا كذلك." قال، ثم سحب ذراعه برفق، وخرج مسرعاً. بقيت فاطمة واقفةً في الظلام، تسمع صوت خطواته تتلاشى. شعرت بأنها وحيدةٌ تماماً، وأن السكون الذي عاشته بالأمس قد تحول إلى دوامةٍ من الشك والقلق. لم يعد الأمر يتعلق فقط بنزواتٍ عابرة، بل بشيءٍ كان يهدد جذور علاقتهما. كان شرخٌ قد بدأ يتسع، وربما كان مصير حبهما يعتمد على قدرتهما على سده، أو على قوة ذلك الشيء الذي يحاول تمزيقه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%