حبيبي الأبدي الجزء الثالث

أصداء الماضي

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي أشعتها الذهبية على بياض الدار الأندلسي، لتكشف عن تفاصيل الزخارف المعقدة والنوافير الهادئة. جلست فاطمة في ركنٍ قصيٍّ من الحديقة، تحت ظل شجرة التوت العتيقة، تحمل بين يديها مصحفاً فُتح على سورة يوسف. كانت الآيات تتحدث عن الصبر، عن الابتلاء، وعن لطف الله الذي يأتي بعد طول عناء. لكن روحها كانت بعيدةً عن السكينة التي تحملها الكلمات.

ليلة أمس كانت كابوساً. ذهاب أحمد في عز الظلام، عودته مع بزوغ الفجر، وجهه شاحبٌ وعيناه متعبتان، ورائحته غريبةٌ تحمل عبق دخانٍ لم تعرفه من قبل. عندما سألته عن وجهته، أجاب بفتورٍ قاتل: "كنتُ أشتري بعض الأدوية." أي أدويةٍ تلك التي تتطلب سهراتٍ في الظلام؟

لاحظت فاطمة في الأيام الأخيرة تزايداً في عصبيته. أصبح سريع الغضب، وكلماته قاسية أحياناً. كان يقطع حديثها بنبرةٍ حادة، أو يصمت فجأةً وكأنه يغوص في عالمٍ آخر. بدا وكأنه يشبه المدمن الذي لا يجد راحته إلا في سكرةٍ مؤقتة، ثم يعود ليصارع وهج الحاجة.

في يومٍ من الأيام، وبعد غيابٍ طويل لأحمد، عادت فاطمة لتتفقد مكتبه. لم يكن المكان فوضوياً، بل كان منظماً بشكلٍ مبالغ فيه، وكأن أحداً قد سعى لإخفاء شيءٍ بعناية. انتبهت إلى درجٍ خشبيٍّ في نهاية المكتب، كان مغلقاً بقفلٍ صغير. لم ترَ أحمد يستخدمه من قبل. حاولت فتحه، لكنه كان محكماً. دفعت يدها في جيوب معطفه المعلق، لتجد مفتاحاً صغيراً لامعاً.

بيدين مرتجفتين، أدخلت المفتاح في القفل. دار المفتاح بصوتٍ خفيض، وانفتح الدرج. لم تجد فيه أوراقاً رسمية، ولا مستنداتٍ بنكية. بل وجدت علبةً معدنيةً صغيرة، مزخرفة، بداخلها أكياسٌ صغيرةٌ من مادةٍ بيضاء، ولفافةٌ رقيقةٌ وبها بقايا من نفس المادة. ثم وجدت قارورةً زجاجيةً صغيرةً بداخلها سائلٌ داكن، وشيئاً أشبه بقطنةٍ مبللة.

تجمدت فاطمة في مكانها. نظرت إلى ما أمامها، وإلى يديها، وشعرت بأن الأرض قد انشقت بها. لم يكن هذا ما توقعته أبداً. لم يخطر ببالها أن زوجها، رجل الدين، الزوج الذي تعرفه، يمكن أن يكون له علاقةٌ بمثل هذه الأمور. كانت هذه الأشياء تشبه ما تراه في الأخبار، عن الإدمان، عن المخدرات.

رأت في ذهابها وعودته الغريبة، في عصبيته، في سهراته، في المكالمات المتوترة، كلها لم تعد مجرد غموضٍ عابر. بل بدأت تأخذ شكلاً مروعاً. هل كان هذا هو السر الذي يخفيه؟ هل كان هذا هو الخطأ الذي تحدث عنه؟

أغلقت الدرج بسرعة، وأعادت المفتاح إلى مكانه، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن شيئاً قد حدث، حدث بداخلها. شعرت بزلزالٍ يهز أركان حياتها، أركان معتقداتها. رفعت يديها إلى وجهها، تشعر ببرودةٍ تجتاحها. لم تستطع البكاء، لم تستطع الصراخ. كانت حالةٌ من الصدمة التامة.

خرجت من المكتب، ومشيت في أروقة الدار كالغريبة. كل شيءٍ بدا متشابهاً، ولكنه مختلف. رائحة عطرها، لون الحائط، صوت الخطوات. كل شيءٍ أصبح شاهداً على سرٍ لم تعد قادرةً على تحمله.

ظلت في غرفتها معظم اليوم، لم تأكل، لم تشرب. كانت تراقب أحمد من بعيد، تراقب حركاته، كلماته، نظراته. كل شيءٍ أصبح محملاً بمعانٍ جديدة، سلبية. كانت تحاول أن تجد أي دليلٍ يدحض ما رأته، أي تفسيرٍ منطقي. لكنها لم تجد.

في المساء، حضر أحمد إلى غرفتهما، وبدا عليه الإرهاق الشديد. حاول أن يتحدث إليها، أن يعتذر عن غيابه. لكن فاطمة لم تستطع أن تنظر إليه. كان وجهه يبدو لها وكأنه قناعٌ يخفي وحشاً.

"فاطمة؟ هل أنتِ بخير؟" سأل، واقترب منها. لم تجبه. رفعت وجهها أخيراً، ونظرت إليه بعينين تحملان سؤالاً أعمق من أي كلام. "ماذا تفعل يا أحمد؟"

تردد أحمد، وشعر بثقل نظرتها. "ماذا تقصدين؟" "أعرف كل شيء." قالت بصوتٍ حاد، ثم فتحت الدرج الذي كان قد تركه مفتوحاً قليلاً. "هذا. ما هذا؟"

نظر أحمد إلى ما رأت، واتسعت عيناه صدمةً وخوفاً. بدا وكأن كلماته قد جفت في حلقه. لم يستطع أن ينطق بحرف.

"تحدث!" أمرته فاطمة، وصوتها يرتجف من الغضب والألم. "لماذا تفعل هذا؟ وكيف؟" صمت أحمد طويلاً، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ مليءٍ بالأسى: "كانت مجرد تجربة. أردت أن أرى... أن أشعر."

"أن تشعر؟ أن تشعر بماذا؟ بالجنون؟ بالهلاك؟" صرخت، وبدأت الدموع تنهمر على خديها. "أنت تزوجتني، بنيت معي بيتاً، تتحدث عن الله، عن الحلال، ثم تفعل هذا؟"

"لم أكن أفكر بوضوح." قال، وتناول يدها، لكنها سحبتها منه. "كنتُ ضعيفاً. في فترةٍ صعبةٍ بعد السفر، وبعد بعض المشاكل المالية... وجدت نفسي وحيداً. و... وبدأت تلك الأشياء."

"وهل هذه الأشياء هي التي جعلتك تتخلى عني، عن حياتنا؟" سألت، وبدأ صوتها يخفت. "هل هذا هو السبب وراء غيابك، وراء نظراتك الفارغة؟"

"أنا آسف يا فاطمة." قال، ووضع جبهته على جبهتها. "آسفٌ حقاً. كنتُ أريد أن أتوقف، لكن... الأمر أصبح أصعب مما كنت أتخيل."

"أصعب؟" سألت، وتراجعت خطوة. "هذا ليس صعباً يا أحمد. هذا انحدارٌ. هذا هلاكٌ لنا."

شعرت فاطمة بحاجتها الماسة إلى الخروج من هذا المكان، من هذا الجو المشبع بالخيانة والصدمة. "يجب أن أذهب." قالت.

"إلى أين؟" سأل أحمد، محاولاً أن يمسك بيدها. "إلى أي مكان." أجابت، وخرجت من الغرفة.

بقيت فاطمة في غرفةٍ أخرى من الدار، تحاول أن تجمع شتات نفسها. كانت تشعر بأن عالمها قد انهار، وأن الرجل الذي أحبته، وثقت به، لم يكن سوى وهم. كان هذا هو الشرخ الذي كانت تخشاه، شرخٌ عميقٌ لا يمكن ترميمه بالكلمات وحدها. كان عليها أن تقرر، هل تستطيع أن تساعده، أم أن هذا الإدمان قد ابتلعه بالكامل؟ كانت النيران تشتعل في قلبها، نار الغضب، نار الحزن، ونار الخوف على مستقبلٍ كان يبدو قبل أيامٍ مضيئة، والآن أصبح مظلماً كليلة أمس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%