حبيبي الأبدي الجزء الثالث
بين الشك واليقين
بقلم مريم الحسن
انعزلت فاطمة في غرفتها، جدرانها البيضاء تحيط بها كقبرٍ صامت. لم تستطع أن تراقب أحمد، ولا أن تتحدث إليه. كان عقلهما في حالةٍ من التبلد، لا تبصر فيهما سوى صورة الأشياء التي وجدتها في مكتبه. ما الذي كان ينتظرها؟ هل كان سيعترف؟ هل كان سيسعى للعلاج؟ أم أنه سيغرق أكثر في ظلامه؟
كانت تتذكر كلامه، "كانت مجرد تجربة". هل كان صادقاً؟ أم كان يحاول أن يخفف من وطأة اعترافه؟ كانت كلمات الأطباء في البرامج الوثائقية التي تشاهدها عن الإدمان تتردد في ذهنها: "الإدمان مرضٌ، يحتاج إلى علاجٍ ودعمٍ مستمرين". لكن هل أحمد كان مستعداً للاعتراف بذلك المرض؟
في ظهر اليوم التالي، وبعد صمتٍ ثقيلٍ خيم على الدار، طرق أحمد باب غرفتها. ترددت فاطمة، ثم فتحت قليلاً. وقف أمامها، وعلى وجهه تعابيرٌ فيها مزيجٌ من الإذعان والرجاء.
"فاطمة، أرجوكِ." قال بصوتٍ متقطع. "يجب أن نتحدث." "لا أعتقد أن هناك شيئاً آخر يمكن قوله." أجابت ببرود. "لقد رأيتُ كل شيء."
"لكنني لم أبرر لكِ." قال، محاولاً أن يقترب، لكنها تراجعت. "كنتُ في أسوأ حالاتي. ضغوطٌ، وحشةٌ، وشعورٌ بأنني قد فشلت في كل شيء. وجدتُ نفسي وحيداً. وقابلتُ أشخاصاً... نصحوني بهذا."
"نصحوك؟ هل هذا ما تسميه النصيحة؟" سألت، ومرارةٌ في صوتها. "هل هؤلاء هم أصدقاؤك الذين كنت تتحدث عنهم؟"
"في البداية، كان الأمر يبدو كمهرب." اعترف، وأخذ نفساً عميقاً. "كنتُ أشعر بقوةٍ مؤقتة، بنشوةٍ تنسيني همومي. لكن الأمر تطور. لم أعد أسيطر عليه. كلما حاولت التوقف، وجدت نفسي أعود أقوى."
"وهل تعتقد أنني قادرةٌ على مساعدتك؟" سألت، وصوتها يرتعش. "أم أنك قد ابتلعتك هذه العادة تماماً؟"
"لا أعرف." قال بصدقٍ مؤلم. "لكنني أريد أن أحاول. أريد أن أعود كما كنت. أريد أن أعود لكِ."
نظرت فاطمة إليه، وحاولت أن ترى فيه الرجل الذي أحبته. كانت ترى فيه الألم، الخوف، الندم. لكنها كانت ترى أيضاً ظل ذلك الشيء الذي سيطر عليه. هل كان هذا الندم صادقاً، أم مجرد رد فعلٍ طبيعيٍّ عند اكتشاف الأمر؟
"ماذا تقترح؟" سألت، بعد لحظةٍ من الصمت. "أريد أن أذهب إلى مركزٍ للعلاج." قال. "سمعتُ عن أماكن مختصة. أريد أن أبدأ."
"وهل أنت جاد؟" سألت. "أم أن هذه مجرد كلماتٌ جديدةٌ لتكذبي بها عليّ؟" "أنا جادٌ جداً." قال، وشد على يديه. "لقد دمرتُ نفسي، ودمرتُ حياتنا. لا أريد أن أفقدكِ."
شعرت فاطمة ببعضٍ من الأمل، ولكنه كان ممزوجاً بالكثير من الشك. كان عليها أن تكون قوية. كان عليها أن تقرر ما هو الأفضل. هل تمنحه فرصةً جديدة، أم أنها ستقفز من سفينةٍ غارقة؟
"حسناً." قالت أخيراً. "لكن أريد أن أرى هذا المركز. أريد أن أتحدث إلى الأطباء. وأريد أن أكون معك في كل خطوة." ابتسم أحمد ابتسامةً خفيفة، فيها أثرٌ من الراحة. "شكراً لكِ يا فاطمة. شكراً لكِ لأنكِ لم تتركي."
"لم أتركك بعد." قالت، بتعقيبٍ يحمل في طياته الكثير من التحذير. "لكنني سأراقب."
في الأيام التالية، بدأت فاطمة رحلتها مع أحمد. رافقته إلى مركزٍ للعلاج، مكانٌ هادئٌ ومهني. تحدثت إلى الأطباء، وأخبروها بكل شيء. كانوا متعاونين، وأكدوا لها أن الإدمان مرضٌ قابلٌ للعلاج، وأن الدعم الأسري يلعب دوراً حاسماً.
كانت فترة العلاج شاقة. شهدت فاطمة أياماً من اليأس، أياماً من الانتصار. كانت هناك لحظاتٌ كان أحمد فيها أقرب إلى الانهيار، يتخلى عن كل شيء. وفي تلك اللحظات، كانت فاطمة هي السند، هي القوة التي تجذبه إلى الحياة. كانت تقضي معه ساعاتٍ في المركز، تتحدث إليه، تستمع إلى قصصه، وتستمع إلى قصص الآخرين.
كانت تسمع عن ماضٍ مؤلم، عن فقدان، عن شعورٍ بالعزلة. كانت تفهم الآن لماذا لجأ إلى هذا الطريق، لكنها لم تكن تغفر له بسهولة. كان عليها أن توازن بين حبها له، وبين حقيقتها المريرة.
ذات يوم، بينما كانوا يجلسون في حديقة المركز، سألها أحمد: "هل ندمتِ لأنكِ بقيتِ؟" نظرت إليه، ورأت فيه رجلاً آخر، رجلاً منهكاً، لكنه كان يبدو أكثر صدقاً. "لم أندم." قالت. "لكنني لست متأكدةً من المستقبل."
"أنا أيضاً." قال. "لكننا سنحاول، أليس كذلك؟" "سنحاول." أكدت، وبدت الكلمة ثقيلةً في فمها.
أما عن والد أحمد، الحاج إبراهيم، فقد كان الخبر مفاجأةً صادمة له. لم يكن يتوقع أبداً أن يقع ابنه في مثل هذا الفخ. لكنه، كأبٍ رحيم، احتضن ابنه، ووعده بدعمه. قال له: "إن الله غفورٌ رحيم، وإن التوبة مقبولة. المهم أن تسعى بصدقٍ إلى طريق الحق."
لكن والدة أحمد، أمينة، كانت ردة فعلها مختلفة. غضبت، وخافت، وتساءلت كيف استطاع ابنها أن يخفي عنها هذا الأمر. كانت تشعر بأن سمعة العائلة قد تلطخت، وبأن أملها في مستقبلٍ مشرق قد اهتز. "كيف سيتزوج؟" كانت تقول. "من سيقبل ابناً مثل هذا؟"
كانت فاطمة تشعر بعبءٍ إضافي. لم يكن عليها دعم أحمد فقط، بل كان عليها أيضاً أن تتعامل مع ردود فعل عائلته، ومع مخاوفها الخاصة.
في إحدى الليالي، بعد عودتهما من المركز، جلست فاطمة مع أحمد في شرفتهما. كان الهواء عليلاً، وكان القمر بدراً يلقي ضوءه الفضي على الحديقة. "أحمد،" قالت. "هل تعتقد أننا سنكون بخير؟"
نظر إليها، وامتدت يده ليمسك بيدها. "لا أعرف. لكننا سنبذل قصارى جهدنا. سأبذل قصارى جهدي. أنتِ كل شيءٍ لي."
لم يكن كلامه يطمئنها تماماً، لكنها شعرت ببعضٍ من الدفء. كان ماضيه قد ترك جرحاً عميقاً، وكان مستقبلهم معلقاً على خيطٍ رفيع. هل ستستطيع الأيام القادمة أن تشفي هذا الجرح، أم أن ذكريات الأمس ستظل تطاردهما؟ كان سؤالاً لا تجيب عليه إلا الأيام، ولكنه كان يضع عبئاً ثقيلاً على قلب فاطمة، وهي تقف على مفترق طرقٍ لم تتخيله يوماً.