روحي تعشقك الجزء الثاني
عاصفة داخل أسوار العائلة
بقلم ليلى الأحمد
بعد لقائه المضطرب مع والده، كان عليٌّ يشعر بأن الأرض تميد به. لم تكن معارضة والده مجرد رفضٍ عابر، بل كانت حائطًا صلبًا بدا مستحيلًا اختراقه. لقد حاول كل الحجج، كل الكلمات المنطقية، ولكن يبدو أن ثقل العادات والتقاليد، ورغبة الوالد في "الحفاظ على سمعة العائلة"، كانت أقوى من أي منطقٍ عاطفي.
في هذه الأثناء، كانت فاطمة، والدة نور، قد بدأت بالفعل في تحريك المياه الراكدة. تحدثت مع زوجها، والد نور، عن الأمر. كانت فاطمة امرأةً تجمع بين الحكمة واللين، وكانت تعلم كيف تتناول الأمور بحذرٍ شديد.
"يا خالد، أردت أن أحدثك في أمرٍ هامٍ يتعلق بنور." قالت فاطمة لزوجها، وهو يقرأ جريدته الصباحية. نظر إليها خالد، ووضع الجريدة جانبًا. "ما هو يا فاطمة؟ هل هناك ما يزعجها؟" "نور... مرتبطةٌ بقلبها بالشاب عليٍّ. الشاب الذي قابلته في دار جدتها." صدم خالد. "عليٌّ؟ ولكن ألا تعلمين أنه مخطوبٌ لسارة؟" "أعلم يا خالد. ولكنه يخبر نور بأنه يحبها، وأن قلبه ليس مع سارة. وأن والدته مصرٌّ على هذه الخطبة." "هذا أمرٌ معقدٌ يا فاطمة. زواج عليٍّ من سارة هو اتفاقٌ قديمٌ بين العائلتين. إن كان والد عليٍّ مصرًّا، فمن الصعب أن نتراجع." "ولكن يا خالد، هل هذا عدلٌ لنور؟ هل نترك ابنتنا تتعذب؟ نور فتاةٌ صالحة، وعليٌّ يبدو أنه شابٌّ ذو أخلاق. إذا كانا يحبان بعضهما بصدق، فقد يكون في هذا الخير لهما." "ولكن، وماذا عن عائلة سارة؟ كيف سيفهمون الأمر؟ سيُعتبر هذا عيبًا كبيرًا في حقهم." "هذا هو السبب الذي يجعلني قلقة. ولكن ربما، إذا تحدثنا مع والد عليٍّ بحكمة، وأوضحنا له مدى صدق مشاعر نور وعليٍّ، قد يتفهم. ربما يجب أن نطلب لقاءً معه." تنهد خالد. لم يكن من محبي المشاكل، وكان يفضل أن تسير الأمور بسلاسة. "سأتحدث مع أخي، وأرى ما يمكن فعله. ولكن لا تمنحي نور أملًا كبيرًا حتى الآن."
أما في منزل آل عبد الرحمن، والد عليٍّ، فقد كان الجو مشحونًا بالتوتر. حاول عليٌّ التحدث مع والدته، ولكنها بدت متأثرةً بخطط زوجها.
"يا أمي، أرجوكِ. تحدثي مع أبي. قولي له أني لا أريد هذا الزواج." "يا بني، والدك رجلٌ عنيد. وقد اتخذ قراره. لا أرى كيف يمكنني أن أغير رأيه." "ولكن يا أمي، هل ترضين لي أن أعيش حياةً تعيسة؟ أن أتزوج فتاةً لا أحبها؟" "والله يا بني، أتمنى لك السعادة. ولكن، أخشى عليك. والدك إذا غضب، لا يرحم." "هل تخافين من أبي أكثر من حبك لي؟" "لا تقل هذا يا عليٌّ. ولكن، أنت تعلم طبيعة والدك." شعر عليٌّ باليأس. بدا أن الجميع يقفون ضده.
في هذه الأثناء، قررت نور أن تتحدث مع سارة. كانت هذه خطوةً جريئة، لكنها شعرت بأنها ضرورية. لم تستطع أن تدع سارة تعيش في وهمٍ، بينما قلب عليٍّ مع فتاةٍ أخرى.
"لقد قررت أن أذهب لرؤيتها." قالت نور لوالدتها. "هل أنتِ متأكدة يا ابنتي؟ قد يكون الأمر صعبًا." "أعلم. ولكن يجب أن أفعل ذلك. ربما، إذا رأتني، وفهمت الموقف، نجد حلًا."
ذهبت نور إلى منزل سارة، برفقة والدتها. استقبلتهما والدة سارة بحفاوة، ولكن بدا عليها بعض التردد عندما علمت أن سبب الزيارة يتعلق بعليٍّ. بعد بعض الإلحاح، وافقت على أن تلتقي سارة بنور.
عندما دخلت نور إلى غرفة سارة، وجدت فتاةً جميلةً، ذات ملامح رقيقة، ولكن عينيها تحملان بعض الحزن. جلست نور أمامها، وبدأت في الحديث بصوتٍ خفيض.
"أهلاً بكِ يا سارة. أنا نور." "أهلاً بكِ." أجابت سارة بصوتٍ بالكاد يُسمع. "أعلم أن قدومى قد يكون مفاجئًا، ولكن لدي أمرٌ هامٌ أردت أن أحدثك فيه بصراحة." نظرت سارة إلى نور، وبدأت تتلمح ما وراء كلماتها. "خيرٌ؟" "أعلم أنكِ مخطوبةٌ لعليٍّ." "نعم." "ولكن، قلبه ليس معكِ يا سارة. قلبه متعلقٌ بفتاةٍ أخرى." تصعّدت أنفاس سارة. بدت وكأنها مصدومة. "من هي؟" "هي أنا." قالت نور بصوتٍ ثابت، رغم ارتجاف قلبها. "أنا أحب عليٍّ، وهو يحبني. ونحن نعلم أن خطبتك تمت، وأن هذا أمرٌ معقد. ولكن، لا يمكننا أن نعيش في كذبٍ وظلم." تغلغلت الدموع في عيني سارة. "ولكن... عليٌّ لم يخبرني بشيء. لقد كان دائمًا لطيفًا معي." "لم يكن لديه الشجاعة ليقول لكِ. ولكنه لا يستطيع إكمال الزواج معكِ وقلبه مع فتاةٍ أخرى. هذا ظلمٌ كبيرٌ لكِ، ولنفسه." "ولكن، ماذا عن والده؟ لقد أصرّ على هذا الزواج." "هذا هو التحدي الذي نواجهه. نحاول إيجاد حلٍّ. ولهذا، أردت أن أتحدث معكِ. ربما، إذا فهمتِ الموقف، يمكننا أن نجد طريقًا للخروج من هذه المأزق." جلست سارة صامتةً، تتأمل كلماتها. كانت شابةً كريمة، ولم تكن لتسمح لنفسها بأن تكون سببًا في تعاسة أحد.
"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." قالت سارة أخيرًا، وصوتها يرتجف. "لم أكن أتوقع هذا أبدًا. شعرت دائمًا أن عليٍّ ليس... ليس منجذبًا لي تمامًا، ولكنني كنت أعتقد أن الأمر سيتغير بعد الزواج." "أعلم أن هذا مؤلمٌ لكِ. ولكني أردت أن أكون صادقةً معكِ. لا أريد أن نؤذي أحدًا." "هل أنتِ متأكدةٌ من مشاعركِ؟" "بكل تأكيد." "هل عليٌّ متأكدٌ من مشاعره؟" "نعم، بكل تأكيد." نظرت سارة إلى نور، ورأت فيها صدقًا وحزنًا. "سأفكر في الأمر." قالت بصوتٍ متردد. "سأتحدث مع أمي. الأمر يتطلب وقتًا."
بعد لقاء نور بسارة، شعرت بأنها قد وضعت قدمًا على أرضٍ صلبة. لقد واجهت التحدي، وبدأت الأمور تأخذ منحىً جديدًا. لكنها كانت تعلم أن عاصفةً داخل أسوار العائلات كانت تتشكل، وأن القادم يحمل في طياته المزيد من التحديات.
في المقابل، كان والد عليٍّ، السيد عبد الرحمن، قد بدأ يشعر ببعض الضغط. لقد وصلته أنباءٌ عن حديثٍ دار بين خالد، والد نور، وأخيه. وأن خالد يسعى لإيجاد حلٍّ دبلوماسي. كما أن والدة سارة، السيدة عائشة، بدت مترددةً في إكمال الخطبة بهذه الطريقة.
"يا عبد الرحمن، هناك بعض الأمور التي بدأت تقلقني." قالت السيدة عائشة لزوجها. "ما هي يا عائشة؟" "والد عليٍّ، هل أنت متأكدٌ من هذا الزواج؟ هل أنت متأكدٌ من مشاعر ابنه؟" "ماذا تقصدين؟ عليٌّ وعد. يجب أن يفي بوعده." "ولكن، يبدو أن هناك فتاةً أخرى في حياته. سمعت بعض الأقاويل." "هذه مجرد إشاعات. لا تصدقي كل ما تسمعين." "ولكن، إذا كانت هذه الإشاعات حقيقية، هل من العدل أن نزوج سارة لشابٍّ لا يحبها؟" "لا تقلقي. سنتجاوز الأمر." لكن السيدة عائشة شعرت بأن الأمور ليست بهذه البساطة. لقد كانت ترى في ابنتها بعض الحزن، ولم تكن لتسمح بأن تُظلم.
في ذلك المساء، قرر خالد، والد نور، أن يأخذ زمام المبادرة. طلب لقاءً مع السيد عبد الرحمن، والد عليٍّ. كان لقاءً مصيريًا، سيحدد مسار حياة أربعة أشخاص، ومستقبل علاقتين.