روحي تعشقك الجزء الثاني
مفاوضات على أرضٍ هشة
بقلم ليلى الأحمد
في قصر آل عبد الرحمن الفخم، حيث تتناثر التحف واللوحات الفنية، اجتمع رجلان يمثلان عائلتين عريقتين. كان خالد، والد نور، يتمتع بوقارٍ وهدوءٍ، بينما كان السيد عبد الرحمن، والد عليٍّ، يجسد القوة والصلابة. بدأت قهوتهما الصباحية، ولكن الأجواء كانت مشحونةً بترقبٍ شديد.
"يا عبد الرحمن، أشكرك على قبول دعوتي بهذه السرعة." بدأ خالد، وعيناه تنظران في عيني عبد الرحمن. "أتيت اليوم لأتحدث معك في أمرٍ هامٍ يتعلق بأبنائنا، نور وعليٍّ." قاطعه عبد الرحمن بنبرةٍ حادة: "لا أريد سماع شيءٍ عن هذا الموضوع. الأمر محسومٌ بالنسبة لي. ابني سيتزوج سارة، ابنة السيد فؤاد." "أتفهم موقفك يا عبد الرحمن. أنت رجلٌ تحافظ على كلمتك، وهذا أمرٌ محمود. ولكن، عندما يتعلق الأمر بمشاعر الأبناء، لا يمكننا دائمًا أن نفرض عليهم ما لا يريدون." "وهل تظن أن مشاعر أبنائنا أهم من العهود والتقاليد؟" "بالنسبة لي، نعم. فالسعادة الأسرية لا تبنى على القسر، بل على التوافق والرضا. وقد علمت من ابنتي نور، وعلمت من بعض الأقاويل، أن قلب عليٍّ متعلقٌ بنور." تصلّب وجه عبد الرحمن. "هذا هراء! لا أصدق ذلك." "ولكن، يا عبد الرحمن، إذا كان هناك بصيصٌ من الحقيقة في هذا الأمر، فهل من العدل أن نزوج عليٍّ لفتاةٍ أخرى؟ هل من العدل أن نظلم سارة، أو نور؟" "وأنا أقول لك، يا خالد، أن عليٍّ كان شابًا عاقلًا، ولم يعترض على خطبته من سارة إلا مؤخرًا. يبدو أن هناك من يتدخل في شؤونه." "ولكن، يا عبد الرحمن، هل من العدل أن نتهم الآخرين بالتدخل دون دليل؟ ألا يمكن أن يكون ما يشعر به عليٍّ هو حقٌّ له؟" "الحق يا خالد، هو أن عليٍّ وعد. ووعده يبنى على علاقةٍ طويلةٍ مع عائلة سارة. هذه علاقةٌ لا يمكن كسرها بسهولة." "ولكن، يا عبد الرحمن، إذا وافقت سارة نفسها على الانسحاب، ماذا سيكون موقفك؟" صمت عبد الرحمن للحظة. كانت فكرة انسحاب سارة أمرًا لم يخطر بباله، لكنه أدرك أنه إذا حدث ذلك، فقد يضطر للتعامل مع موقفٍ مختلف. "سارة لن توافق. وهي فتاةٌ كريمةٌ، ولن تسمح بإحراج عائلتها." "ولكن، يا عبد الرحمن، لقد تحدثت ابنتي نور مع سارة، وبدا أن سارة تفهم الموقف. حتى والدتها، السيدة عائشة، تبدو مترددةً بعض الشيء." ازداد وجه عبد الرحمن احمرارًا. "هل تتدخلون في عائلتي أيضًا؟" "لا يا عبد الرحمن. نحن فقط نحاول أن نجد حلًا يرضي الجميع، ويرضي أبناءنا. ابنتك نور، شابٌّ ذو خلقٍ ودين، ورؤيتها متوافقةٌ مع رؤيتنا. أرى فيها زوجةً صالحةً لعليٍّ، إذا كان هو يريدها." "نور؟ هل تدّعي أن نور هي الفتاة التي يفضلها ابني؟" "نعم يا عبد الرحمن. وهي تبادله المشاعر بصدقٍ وشفافية." "لا أصدق هذا. ابني يعرف واجباته." "يا عبد الرحمن، الواجب الأكبر هو أن نختار الطريق الذي يرضي الله، وأن نسعد أبناءنا. إذا كان ما يبحث عنه عليٍّ هو نور، فلماذا نحرمه منه؟" "ولكن، عائلة سارة؟" "إذا تحدثنا معهم بصدق، وباحترام، ربما يفهمون. ربما تكون سارة نفسها تجد في هذا الأمر راحةً، خاصةً إذا كانت مشاعر عليٍّ ليست لها." "هذه محاولةٌ فاشلة يا خالد. لن أسمح بهذا." "ولكن، يا عبد الرحمن، هل تفكر في المستقبل؟ إذا تزوج عليٌّ سارة وقلبه مع نور، فهل ستكون حياتهما سعيدة؟ هل ستنجب منه أبناءً سعداء؟"
استمر الحديث بين الرجلين لساعات. خالد يحاول فتح ثغرةٍ في جدار عبد الرحمن الصلب، وعبد الرحمن يقف كالصخرة، متمسكًا بقراره. في نهاية اللقاء، لم يكن هناك اتفاقٌ واضح، ولكن خالد شعر بأن كلماته قد زرعت بعض الشكوك في ذهن عبد الرحمن.
في هذه الأثناء، كانت الأمور تتطور في منزل آل فؤاد، عائلة سارة. كانت السيدة عائشة، والدة سارة، قد تحدثت مع ابنتها، ومع زوجها السيد فؤاد.
"يا فؤاد، أنا قلقةٌ بشأن زواج سارة من عليٍّ." قالت عائشة لزوجها. "لماذا يا عائشة؟ هل هناك ما يقلقك؟" "لقد تحدثت سارة معي، وأخبرتني بأنها ليست سعيدةً تمامًا بهذه الخطبة. وأن عليٍّ يبدو غير مهتمٍ بها." "ولكن، عبد الرحمن رجلٌ يحترم كلمته. وقد تم الاتفاق." "ولكن، هل من العدل أن نزوج ابنتنا لشابٍّ لا يحبها؟" "وهل لدينا خيارٌ آخر؟" "لقد تحدثت نور، ابنة خالد، مع سارة. وأخبرتها بأن عليٍّ يحبها." ذهل السيد فؤاد. "هل تقولين هذا؟ هل يعقل أن يكون عليٌّ قد بدأ علاقةً مع نور أثناء خطبته لسارة؟" "لا أعرف التفاصيل، ولكن سارة تبدو مصدومةً، وتفكر في الأمر. إن كانت سارة نفسها تشعر بأن الأمر ليس صحيحًا، فلماذا نصرّ؟"
بعد نقاشٍ طويل، قرر السيد فؤاد والسيدة عائشة أن يتحدثا مع عبد الرحمن. كانوا يرون أن سعادة ابنتهم هي الأهم.
في يومٍ آخر، اتخذ السيد فؤاد