روحي تعشقك الجزء الثاني

همسات العودة ورنين الشك

بقلم ليلى الأحمد

عادت الشمس لتشرق على سماء القاهرة، ولكن غيمة خفيفة كانت تخيم على نفس ليالي. لم تكن مجرد عودة جسدية، بل كانت رحلة نفسية معقدة. فقد عادت نورا من بيت عمتها بعد أن استقرت الأمور بخصوص تجهيزات زواج أختها الصغرى، ولكن العودة إلى شقتها، إلى روتينها اليومي، إلى ذكرياتها المتشابكة مع أحمد، كانت أثقل وطأة مما توقعت.

جلست على أريكتها الوثيرة، تستنشق عبق المكان المألوف، ولكن هذا الألفة لم تعد تبعث في قلبها الطمأنينة المعهودة. كانت تشعر بفراغ، فراغ لا تملؤه رفوف الكتب المبعثرة أو فناجين القهوة الباردة. كانت هناك صورة مؤطرة لأحمد، ابتسامته الواسعة، وعيناه التي كانت تبدو وكأنها تحتضنها. كلما وقع بصرها عليها، انتفض قلبها. لقد مرت أسابيع منذ آخر لقاء حقيقي بينهما، ومنذ آخر محادثة عميقة. الاتصالات الهاتفية والرسائل القصيرة كانت تبدو باهتة، لا تفي بالغرض، لا تشبع الروح.

تذكرت آخر حوار جمعها بأحمد. كان قبل رحيلها إلى بلدتها. كان حديثاً محملاً بالأمل، بالشوق، وبالوعود. وعدها بالصبر، وعدها بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وأن زمن الخطوبة هو زمن للاكتشاف والتعارف، وزمن لتوطيد العلاقة قبل الزواج. ولكن الشك بدأ يتسلل إلى مسام روحها. هل كان يعلم أحمد بحجم الضغط الذي كانت تتعرض له من عائلتها؟ هل كان يدرك مدى التحديات التي تواجهها؟

في نفس الوقت، كان أحمد يواجه عاصفة خاصة به. كان يعمل بلا كلل في مكتبه، يتنقل بين الملفات والأرقام، ولكن عقله كان يسبح في بحر من الأفكار. لقد كان لقاؤه مع الدكتور عادل، مستشارهم القانوني، سبباً في إشعال فتيل قلق جديد. لم يكن الأمر يتعلق بالجانب المادي للصفقة التي يطمح إليها، بل ببعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة ببعض الشركاء المحتملين. كان الدكتور عادل رجلاً حذراً، يفضل دراسة كل الاحتمالات، ولكن كلماته عن "بعض التحفظات" كانت كافية لإثارة شكوك أحمد.

"أتفهم قلقك يا أحمد،" قال الدكتور عادل بجدية وهو ينظر إلى أوراق أمامه. "ولكن الحذر واجب. هناك بعض المؤشرات التي قد تحمل في طياتها بعض المخاطر غير المتوقعة. لا أريد أن ألقي بظلال من الشك على زملائنا، ولكن دوري هو التأكد من أن كل شيء سليم وآمن."

خرج أحمد من مكتب الدكتور عادل وهو يشعر بثقل جديد. لم يكن مستعداً لمثل هذه العقبات. كان يعتقد أن كل شيء يسير بسلاسة، وأن صفقة العمر باتت على وشك الاكتمال. ولكن الآن، بدأت الأسئلة تتكاثر. هل كان هناك شيء يغفل عنه؟ هل كان يضع ثقته في الأشخاص المناسبين؟

في هذه الأثناء، كانت والدة نورا، السيدة فاطمة، تراقب ابنتها بعين الأم القلقة. لاحظت تغيراً في ملامحها، هدوءاً لم يكن طبيعياً. كانت نورا دائماً ما تكون مفعمة بالحيوية، مليئة بالشغف. أما الآن، فكانت تبدو وكأنها تحمل على عاتقها عبئاً ثقيلاً.

"ما بك يا ابنتي؟" سألتها السيدة فاطمة ذات مساء وهي تجلس بجانبها على الأريكة، تضع يدها الحنونة على كتفها. "لم أرك على طبيعتك منذ عودتك. هل هناك ما يقلقك؟"

ترددت نورا للحظة، ثم جمعت شتات نفسها. "لا شيء يا أمي. فقط بعض التعب من السفر. وأنا سعيدة بالعودة."

ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامة خفيفة، تعرف أن ابنتها تخفي شيئاً. "أتمنى ذلك. أحمد رجل طيب، وأنا متفائلة بمستقبلكما. ولكن لا تنسي، الخطوبة ليست مجرد فترة انتظار، بل هي فترة تعارف حقيقي. تحدثي معه، شاركيه ما يدور في خاطرك. الصدق هو أساس كل علاقة قوية."

نصيحة والدتها لامست وتراً حساساً في قلب نورا. لقد كانت تخشى أن تبدو ضعيفة أو غير واثقة أمام أحمد. كانت تريد أن تظهر له أنها قادرة على التحمل، وأنها شريكة قوية. ولكنها أدركت الآن أن إخفاء المشاعر، خصوصاً تلك التي تتعلق بالخوف أو الشك، قد يكون سبباً في بناء جدران صامتة بينهما.

في اليوم التالي، قررت نورا أن تتصل بأحمد. أمسكت بهاتفها، ترددت قليلاً، ثم ضغطت على اسمه. صوتها كان هادئاً، ولكن خلف هذا الهدوء كان يكمن بحر من المشاعر.

"أحمد؟"

"نورا! حبيبتي. كم اشتقت لصوتك." جاء صوته دافئاً، مليئاً بالحنان. "كيف حالك؟ هل وصلتِ بخير؟"

"الحمد لله. وصلت بخير. ولكن... أحببت أن أتحدث معك."

"بالتأكيد. أنا أسمعك."

بدأت نورا تروي له عن بعض المخاوف التي بدأت تنتابها، ليس بشكل مباشر، بل من خلال تلميحات، من خلال حديث عام عن صعوبات الحياة، عن أهمية الشفافية في العلاقات. كانت تبحث عن رد فعل منه، عن تأكيد من جانبه بأن أبواب الحوار مفتوحة دائماً.

كان أحمد يستمع بعناية، يفهم تلميحاتها. كان يدرك أن شيئاً ما يزعجها. "نورا،" قال بهدوء، "أعلم أننا لم نلتقِ كثيراً منذ فترة. وأن الظروف جعلت تواصلنا يقتصر على المكالمات والرسائل. ولكن هذا لا يعني أنني لا أهتم بما تشعرين به. بالعكس، أنا أفكر فيكِ دائماً. ما الذي يشغل بالك؟ هل هناك شيء محدد؟"

شعرت نورا بارتياح لاهتمامه. "فقط... أحياناً أشعر بأن هناك أموراً كثيرة لا نعرفها عن بعضنا البعض. وأخاف أن تؤثر هذه الأمور مستقبلاً."

"وهذا طبيعي جداً يا حبيبتي. نحن لم نبدأ حياتنا معاً بعد. ولكن هذا هو جوهر الخطوبة. أن نكتشف بعضنا البعض، أن نبني جسور الثقة. اطمئني، أنا موجود. وأي شيء يخطر ببالك، أو يقلقك، تكلمي معي بصراحة. مهما كان."

كلماته كانت كالبلسم لروح نورا. شعرت بأنها قد اتخذت الخطوة الصحيحة. ربما لم يحل كل شيء، ولكن جسر التواصل قد بدأ يتشكل من جديد، أقوى وأكثر صلابة. وبينما كانت تتحدث مع أحمد، كانت هناك مكالمة أخرى تصل إلى هاتف أحمد. كانت من رقم غير معروف. لم ينتبه لها أحمد في خضم حديثه مع نورا، لكن الرقم ظل مسجلاً، يحمل في طياته ألغازاً تنتظر الكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%