روحي تعشقك الجزء الثاني
ظلال الماضي وخيوط المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
كانت الأيام تمر، وكل يوم يحمل معه نكهة مختلفة. بالنسبة لنورا، كانت الأيام الأولى بعد عودتها إلى القاهرة تحمل خليطاً من الراحة، حيث استقرت في منزلها، واستأنفت عملها، ولكن أيضاً خليطاً من الترقب. كانت تنتظر المزيد من الحوارات العميقة مع أحمد، المزيد من الشعور بالتقارب الذي بدأ يتجدد بينهما. ولكن في نفس الوقت، كانت هناك أصداء من ماضي عائلتها بدأت تتسلل إلى حاضرها.
كان والدها، السيد يوسف، رجلاً تقليدياً، يحب أن تكون الأمور واضحة ومنظمة. لقد بارك خطبتها لأحمد، ولكن كان لديه تصوراته الخاصة عن كيفية سير الأمور. في أحد الأيام، وبينما كانت نورا تتناول العشاء مع والديها، تطرق الحديث إلى الأمور المالية، إلى مستقبلها مع أحمد.
"يا نورا،" قال السيد يوسف بجدية، "أحمد يبدو شاباً ناجحاً، ولا شك في ذلك. ولكن يجب أن نتأكد أن كل شيء على ما يرام فيما يتعلق بمستقبلكم. هل لديه استثمارات قوية؟ هل هو مؤمن لمستقبلكما؟ هل لديكما خطة واضحة للادخار؟"
نظرت نورا إلى والدها، ثم إلى والدتها التي كانت تومئ برأسها موافقة. أدركت أن هواجس والدها لم تكن متعلقة بأحمد تحديداً، بل بنظرة الأب الذي يريد الاطمئنان على مستقبل ابنته.
"يا أبي،" قالت نورا محاولة أن تطمئنه، "أحمد رجل حكيم، وأنا واثقة من قراراته. هو يدير أموره المالية بحكمة، ولديه خطط واضحة. نحن نتحدث عن هذه الأمور معاً. هو يشاركني كل شيء."
"هذا جيد، هذا جيد جداً. ولكن هل لديكِ أنتِ خطة؟ هل تعرفين كيف ستساهمين في بناء أسرتكما؟"
شعرت نورا قليلاً بالضيق. كانت تعمل بجد، ولديها مساهماتها المالية. ولكن والدها كان يتحدث وكأنها مجرد مستهلكة. "يا أبي، أنا أعمل وأدير دخلي بنفسي. وسأساهم بالتأكيد في بناء أسرتنا. ولكن ليس بالضرورة أن تكون المساهمة مالية بحكم أننا سندخل القفص الذهبي."
ابتسمت والدتها بحنان، محاولة تخفيف حدة الموقف. "أبوكِ يقصد أن يطمئن عليكِ يا حبيبتي. هو فقط يريد أن يرى أمانكِ واستقراركِ."
بالنسبة لأحمد، كانت الأمور تزداد تعقيداً في الجانب المهني. لقد كانت المكالمة من الرقم غير المعروف التي وصلت أثناء حديثه مع نورا، هي مكالمة من شخص قدم نفسه كـ "مستشار مستقل" لبعض الشركاء المحتملين. عرض هذا الشخص، الذي قدم نفسه باسم "عمر"، تقديم معلومات إضافية قد تساعد أحمد في تقييم الصفقة.
في البداية، رفض أحمد الفكرة. كان يثق في فريقه القانوني، وفي طريقة عمله. ولكن "عمر" كان لديه إصرار غريب. أرسل له بعض المستندات عبر البريد الإلكتروني، مستندات بدت موثوقة، تحمل أختاماً وشعارات رسمية. لم يستطع أحمد تجاهلها.
"هل أنت متأكد من هذه المعلومات يا سيد عمر؟" سأل أحمد عبر الهاتف، وهو يتصفح المستندات.
"أنا أقدم لك وجهة نظر مختلفة، يا سيد أحمد. وجهة نظر قد تساعدك على تجنب بعض المخاطر." جاء صوته هادئاً، ولكنه كان يحمل نبرة إقناع. "هناك بعض الشركاء الذين قد لا يكونون على نفس القدر من الشفافية التي تتوقعها. بعض التفاصيل الصغيرة التي قد تمر دون أن يلاحظها أحد، ولكنها قد تكون مفتاحاً لمشاكل كبيرة لاحقاً."
كانت المعلومات التي قدمها "عمر" مقلقة. كانت تشير إلى أن أحد الشركاء المحتملين، والذي كان يبدو واعداً جداً، لديه سجلات سابقة لبعض الصفقات التي لم تتم بنجاح، بل وبعض الاتهامات التي لم يتم حسمها بشكل نهائي. لم يكن أحمد يريد أن يصدق ذلك. لقد كان يبني كل آماله على هذه الصفقة.
"ولماذا تفعل هذا؟" سأل أحمد بحذر. "لماذا تساعدني؟"
"لأنني أؤمن بالعدالة، يا سيد أحمد. وأؤمن بأن الصفقات يجب أن تبنى على أسس سليمة. وإذا كان هناك شيء قد يفسد صفقة جيدة، فعلى الجميع واجب كشفه."
تخلى أحمد عن حذره، وبدأ يدرس المعلومات بعمق. بدأ يشعر بأن كلام الدكتور عادل لم يكن مجرد حرص زائد. هناك ظلال بدأت تتكشف.
من ناحية أخرى، كانت نورا تشعر ببعض التوتر بشأن علاقتها مع أحمد. كانت تشعر بأنه يبتعد قليلاً، أو ربما هي من تشعر بذلك. كانت مكالماتهما لا تزال لطيفة، ولكنها خالية من العمق الذي كانت تتوق إليه. بدأت تتساءل عما إذا كان أحمد يخفي شيئاً. هل كان مضغوطاً في عمله؟ هل هناك شيء يتعلق بتلك المكالمة التي لم يرد عليها أثناء تحدثه معها؟
"أحمد،" قالت في إحدى المكالمات، "هل أنت بخير؟ تبدو مشغولاً هذه الأيام."
"نعم، نورا. فقط بعض الضغوط في العمل. صفقة كبيرة على وشك الانتهاء."
"أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام."
"إن شاء الله. كل شيء سيكون على ما يرام."
كانت كلماته مطمئنة، ولكن طريقة حديثه كانت تبدو متسرعة قليلاً. شعرت نورا بأن شيئاً ما كان يزعجه، ولكنه كان يفضل عدم مشاركتها. عادت بها الذاكرة إلى فترة خطوبتهما الأولى، حيث كان أحمد منفتحاً جداً معها. هل تغير؟ هل هو مجرد ضغط العمل؟
في خضم هذه التساؤلات، تلقت نورا بريداً إلكترونياً من صديقة قديمة لها، كانت تعمل في نفس الشركة التي كان يعمل بها أحمد قبل سنوات. كانت الصديقة قد تركت العمل منذ فترة، ولكنها كانت تحتفظ ببعض الذكريات.
"نورا العزيزة،" بدأت الرسالة، "أتمنى أن تكوني بخير. تذكرتك عندما سمعت اسم أحمد مرة أخرى. أتمنى لكما كل التوفيق. فقط أردت أن أشارككِ شيئاً قد يكون مهماً. أتذكر أن أحمد كان لديه مشروع سابق، مشروع كبير جداً، ولكنه تعرض لبعض المشاكل غير المتوقعة. لم أعرف التفاصيل كاملة، ولكن أتذكر أنه كان يشعر بالإحباط الشديد وقتها. فقط أردت أن أخبركِ، ربما يكون الأمر لا يتعلق بكِ أو بكليكما، ولكنه قد يكون جزءاً من الضغوط التي يتعرض لها."
لم تفهم نورا سبب إرسال صديقتها لهذه المعلومة الآن. هل كانت هناك علاقة بين هذا المشروع القديم والمشاكل الحالية؟ بدأت تشعر بأن هناك خيوطاً متشابكة، بعضها قادم من الماضي، وبعضها الآخر ينسج في الحاضر. الخوف بدأ يتسلل إلى قلبها، خوف من المجهول، خوف من أن تكون علاقتهما قد بدأت تواجه تحديات أكبر مما كانت تتخيل.