روحي تعشقك الجزء الثاني

لقاء في سكون الليل

بقلم ليلى الأحمد

جلست "ليلى" في غرفتها، وقد استبدل نور القمر الخافت ضياء المصباح التقليدي. كان قلبها يخفق بخفة، كرفيف جناح طائر مذعور، وهي تترقب. لقد مرّت أيام على آخر لقاء لها بـ"عمر"، أيامٌ كانت ثقيلة، تحمل في طياتها همومًا فاقت حدود طاقتها. كانت الأفكار تتصارع في صدرها، تتأرجح بين الخوف المبرر والأمل الذي تتشبث به. لم تكن تعلم ما الذي ستحمله الأيام القادمة، ولكن شعورًا عميقًا بالضرورة دفعها إلى هذه الخلوة، إلى هذا الانتظار الذي بدا وكأنه سيمتد إلى الأبد.

ارتدت ثوبًا بسيطًا، فضفاضًا، بلون الليل، لعلها تتماهى مع الظلال وتمنح نفسها بعضًا من السكينة. كانت رائحة الياسمين المتسللة من النافذة المفتوحة تبعث في نفسها مزيجًا من الحنين والقلق. حنين إلى ماضٍ كانت فيه الأمور أبسط، وقلق على مستقبلٍ لم تعد تراه واضحًا. فقد اضطرّت "ليلى" مؤخرًا لمواجهة حقائق قاسية، حقائق كشفت لها أن العالم ليس دائمًا على ما يبدو، وأن الأشخاص الذين أحبتهم قد يحملون أسرارًا تفوق ما استوعبته.

كانت قد علمت، عبر مصادر لم تكن تتوقعها، أن سمعة العائلة، تلك السمعة التي طالما اعتزت بها "ليلى" وعمر، كانت مهددة. لم تكن التهديدات واضحة تمامًا، لكنها كانت كافية لنسج خيوط الشك والقلق في نسيج حياتها. كان "والدها"، الرجل الذي منحها كل الحب والتقدير، يمرّ بفترة عصيبة، يواجه تحديات لم تكشف عن تفاصيلها بالكامل، ولكنهما ألقيا بظلالهما الثقيلة على الأجواء داخل المنزل.

ارتدت "ليلى" حجابها، وشعرت بثقله المألوف، الذي غالبًا ما كان يبعث فيها الطمأنينة، ولكنه اليوم كان يبدو عبئًا إضافيًا. تذكرت كلمات جدتها: "يا ابنتي، كل باب مغلق له مفتاح، وكل مصيبة تحمل في طياتها عبرة." لكن المفتاح لم يكن واضحًا، والعبرة كانت ما زالت غامضة.

صوت خطوات خفيفة على الدرج هوى بها من دوامة أفكارها. توقفت الأنفاس. اقترب الصوت، ثم توقف عند باب غرفتها. طرقت "ليلى" الباب برفق، كأنها تطرق على باب قلبها.

"من؟" سألت بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع.

"أنا." جاء الصوت من الخارج، صوتٌ حمل معه دفء الأمان ورائحة الأمل.

فتحت "ليلى" الباب على الفور، لترى "عمر" يقف أمامها. كان يرتدي ملابس بسيطة، ولكنه كان يشعّ بهالة من الوقار والرجولة. كانت عيناه، تلك العينان اللتان طالما استشعرت فيهما الصدق والنقاء، تحملان هذه الليلة مزيجًا من الحزن والقوة.

"عمر..." همست "ليلى"، ولم تستطع أن تقول شيئًا آخر.

"مساء الخير يا ليلى." قال "عمر" بهدوء، ودخل الغرفة بعد أن أومأت "ليلى" له بالإشارة. أغلقت الباب خلفه، وعادت لتقف أمامه، وقلبها بين يديها.

"لم أتوقع أن تأتي اليوم." قالت "ليلى"، محاولةً السيطرة على ارتجافة صوتها.

"كنت أعلم أنكِ تنتظرين." أجاب "عمر"، ونظر حوله في الغرفة، ثم عاد لينظر إليها. "هناك أمور يجب أن نتحدث عنها، يا ليلى. أمورٌ أصبحت لا تحتمل التأجيل."

اجتذبت "ليلى" كرسيًا وقالت: "تفضل بالجلوس."

جلس "عمر"، وجلست "ليلى" مقابله. الصمت الذي كان يسود الغرفة لم يكن صمتًا مريحًا، بل كان صمتًا مشحونًا، مليئًا بالكلمات غير المنطوقة والتساؤلات الملحة.

"أعلم أنكِ قلقة." بدأ "عمر" الكلام، وصوته كان يحمل نبرة المسؤولية. "وأعلم أن هناك الكثير من الشائعات والأخبار التي قد تصلكِ. لكنني أردت أن أواجهكِ بها بنفسي."

ارتعش قلب "ليلى" عند سماع كلمة "شائعات". كانت تعلم أن ما حدث في الفترة الأخيرة لم يمر مرور الكرام.

"ماذا تقصد يا عمر؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأن العرق بدأ يتصبب على جبينها.

"والدي... في مأزق." قال "عمر" بصوتٍ يحمل ثقل الحقيقة. "ليس مأزقًا ماليًا بالدرجة الأولى، بل مأزق يتعلق بسمعته، وبسمعتنا جميعًا."

كانت "ليلى" قد سمعت همسات، ولكن سماعها من "عمر" مباشرة كان أشد وطأة. "ما الذي حدث؟"

"هناك من يحاول الإيقاع به." أوضح "عمر". "بعض التهم الموجهة إليه... هي ملفقة، ومحاولة واضحة لتدمير كل ما بناه."

"ولكن... كيف؟ ومن؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأن العالم يدور بها.

"هذه هي النقطة يا ليلى. إن التحقيقات جارية، ولكن الأمور تسير ببطء. وهناك شخصٌ معين... أعتقد أنه هو من يقف وراء هذه المكيدة."

"من هو؟" سألت "ليلى" بلهفة.

"إنه... عمي." قال "عمر"، وكان الاسم يخرج من بين شفتيه بصعوبة.

"عمك؟ عم فهد؟" سألت "ليلى" بدهشة، فقد كانت تعرف "عم فهد" كشخصٍ هادئ، وقليل الكلام، ولم تتخيل يومًا أن يكون له يد في مثل هذا الأمر.

"نعم، عم فهد. للأسف، يبدو أن لديه ضغائن قديمة، ورغبة في الانتقام لم أكن أعرف بها." قال "عمر" بمرارة. "لقد اكتشفت مؤخرًا بعض المراسلات، وبعض الشاهدات التي تشير إليه بقوة."

"ولكن لماذا؟ لماذا يفعل شيئًا كهذا؟" تساءلت "ليلى"، ولم تستطع استيعاب حجم الخيانة.

"لا أعرف الأسباب الحقيقية. ربما تتعلق بخلافات قديمة، أو ربما بسبب طموحات شخصية." أجاب "عمر" بحزن. "ولكن ما أعرفه هو أن هذا الموقف يؤثر علينا جميعًا، وعلى مستقبلكِ ومستقبلي."

"مستقبلي ومستقبلك؟" كررت "ليلى" الكلمات، وشعرت بأنها تتساقط من أعلى قمة.

"نعم، يا ليلى. سمعة العائلة، وسمعة والدي، ستلقي بظلالها. وقد يتم استخدام هذا الأمر للضغط علينا، لعرقلة زواجنا، أو حتى لجعله مستحيلًا." قال "عمر" بنبرةٍ خالية من أي تفاؤل.

"مستحيلًا؟" لم تستطع "ليلى" أن تتخيل هذا. "ولكن... والدي؟ كيف سيتأثر؟"

"والدي يعمل على إثبات براءته، ولكن الطريق طويل وصعب. وأنا... أحاول جمع الأدلة لتفادي أي ضرر قد يلحق بنا." قال "عمر" بنظرةٍ فيها عزيمة. "ولكن هناك أمرٌ قد يجعل الأمور أصعب."

"ما هو؟" سألت "ليلى" بقلق متزايد.

"لقد تم اقتراح... حلٍّ بديل. حلٌّ يريح الجميع، ويغسل سمعة العائلة بسرعة."

"حلٌّ بديل؟" كررت "ليلى" الكلمات، وشعرت بأن الهواء يختنق في صدرها.

"نعم. لقد تم اقتراح... خطبة عاجلة بيني وبين ابنة عم فهد. ابنةٌ تحمل اسمًا مرموقًا، وعائلتها ستكون داعمة لنا في هذه المحنة." قال "عمر" بصوتٍ مكتوم، وكأنه يتجرع السم.

صدمةٌ شديدة اجتاحت "ليلى". كانت كلماته كالصواعق تدوي في أذنيها. "خطبة؟ أنت... تخطب؟"

"إنها مجرد اقتراح، يا ليلى. مجرد خطوة لحماية العائلة. والدتي، وبعض أعمامي، يرون أنها الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق."

"ولكن... أنت تحبني يا عمر!" قالت "ليلى" بصوتٍ مختنق بالبكاء، ودموعها بدأت تتساقط على خديها.

"نعم، أحبكِ. وهذا ما يجعل الأمر كله مؤلمًا." قال "عمر"، ومد يده ليلامس يدها المرتعشة، ولكنه توقف قبل أن يلامسها. "ولكن الحب وحده لا يكفي دائمًا أمام هذه التحديات."

"ولكن... أنا لا أستطيع. لا أستطيع أن أرى أن هذه الأمور تؤدي إلى... إلى هذا."

"أعلم." قال "عمر"، وعيناه تحملان ألمًا عميقًا. "وأنا أيضًا لا أستطيع. ولكنني مضطرٌّ للنظر في كل الاحتمالات. خاصةً إذا كان الأمر يتعلق بإنقاذ والدي، وسمعة عائلتي."

"وهل... هل وافقت؟" سألت "ليلى" بصوتٍ بالكاد يُسمع، وقلبها يكاد يتوقف.

نظر "عمر" إليها، وكانت عيناه تحملان نظرةً فيها حيرة، وفيها صراع. "لم أوافق رسميًا. ولكني... لم أرفض بشكل قاطع."

كانت هذه الكلمات هي نقطة اللاعودة. كانت تعني نهاية كل شيء، أو بداية لمرحلةٍ لم تتخيلها أبدًا. سقطت "ليلى" على الكرسي، ويداها تغطيان وجهها، تمنع دموعها من أن تراه. لقد فتح "عمر" بابًا لم يكن لديها أي استعداد لمواجهته. بابٌ اسمه اليأس، وبابٌ آخر اسمه التضحية، وبابٌ ثالث اسمه ربما... الخيانة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%