روحي تعشقك الجزء الثاني
في متاهة الشك
بقلم ليلى الأحمد
كانت الدموع تتساقط بغزارة على وجنتي "ليلى"، ترسم خطوطًا فضية على بشرتها الشاحبة. لم تكن مجرد دموع حزن، بل كانت دموع خيانة، ودموع خوف. كلمات "عمر" الأخيرة كانت كالصقيع، قد جمّدت كل شيء في قلبها. "لم أرفض بشكل قاطع." كان هذا الاعتراف هو الشاهد الأكبر على حجم المأزق الذي كانت فيه، وعلى حجم التضحيات التي كان على وشك القيام بها.
"عمر..." قالت "ليلى"، وصوتها كان متقطعًا، يحمل ثقل أطنان من الألم. "كيف... كيف يمكنك حتى التفكير في هذا؟"
"ليلى، أرجوكِ افهمي." قال "عمر" بلهجةٍ استعطاف، ونهض من مكانه ليمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كمن يبحث عن مخرجٍ وهمي. "الأمر ليس سهلاً. والدي في خطر، وحياتنا جميعًا باتت على المحك."
"ولكن... هل تضحي بي لأجلهم؟ هل تضحي بحبنا؟" سألت "ليلى"، رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين متورمتين، مليئتين بالأسئلة التي لم تجد لها إجابة.
"لا! أبدًا!" قال "عمر" بسرعة، وتوقف أمامها، وركع على ركبتيه. "ليلى، أنتِ روحي، أنتِ كل شيء لي. ولكن ما يحدث الآن هو معركة أكبر منا. معركة تتعلق بالشرف، بالسمعة، بالعائلة."
"وماذا عن مشاعري؟ ماذا عن حبنا؟ هل هذه الأمور لا تعني شيئًا أمام هذه "المعركة"؟" سألت "ليلى"، وكان صوتها يحمل نبرة السخرية المريرة.
"بل تعني كل شيء، وهذا هو ما يعذبني." قال "عمر" ووضع يديه على وجهه. "ولكن إذا كان هناك أي أمل لإنقاذ والدي، ولحمايتنا جميعًا من هذا الطوفان، قد يضطرني هذا الأمر للتفكير في... حلولٍ مؤقتة."
"حلول مؤقتة؟ الزواج بخطبة عاجلة مع ابنة عم فهد، هل هذا ما تسميه حلولًا مؤقتة؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأن دماءها تتجمد.
"إنها خطوة استراتيجية، يا ليلى. خطوة قد تجعل عمي يتراجع، وقد تمنح والدي فرصة لإثبات براءته دون المزيد من الضغوط."
"وماذا عني؟ هل سيتم إخباري عندما تنتهي هذه "الاستراتيجية"؟ هل سيتم إخباري عندما تعود إليّ، لتخرب حياتي مرة أخرى؟"
"لا تقولي ذلك يا ليلى." قال "عمر" وهو يمسك بيديها. "حياتكِ لن تُخرب. أنا أحبكِ. وهذا لن يتغير أبدًا."
"ولكنك تفكر في الزواج من أخرى! كيف لا تتغير حياتي؟ كيف لا تتغير حياتك؟"
"إنها خطبة صورية، يا ليلى! خطبة على الورق، إن اقتضى الأمر! الهدف هو حماية العائلة."
"صوريه؟ هل تعرف معنى هذه الكلمة يا عمر؟ هل تعرف مدى الألم الذي ستسببه لنا؟"
"أعرف. وأنا أعاني. ولكني أريد منكِ أن تثقي بي. أن تثقي بأنني سأجد طريقة لحماية حبنا. هذه ليست النهاية."
"ولكنها تبدو كذلك." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت، ورفعت يديها لتزيح يديه عن يديها. "لقد كشفت لي عن وجهٍ آخر من عالمك، عالمٌ لا يمكنني استيعابه. عالمٌ يبدو فيه الحب والولاء مجرد أدوات يمكن التضحية بها."
"ليلى، هذا ظلم!" قال "عمر" بصوتٍ فيه بحة. "أنا لا أضحي بحبك. أنا أحاول إنقاذه. كما أحاول إنقاذ عائلتي."
"ومن سينقذني يا عمر؟ من سينقذ قلبي الذي تمزق؟" سألت "ليلى" وهي تقف وتدير ظهرها له.
"أنا. أنا من سينقذكِ. سنمرّ بهذا معًا." قال "عمر" بنبرةٍ فيها رجاء.
"لا أعتقد ذلك." قالت "ليلى" وهي تمشي نحو النافذة، وتنظر إلى النجوم الباردة التي لم تعد تبعث فيها الأمل. "لقد أعطيتك قلبي، وقلت لك أني لا أستطيع العيش بدونك. ولكن يبدو أنك لم تكن تعرف كيف تقدر هذه الثقة."
"ليلى، لا تقولين هذا. لقد وقعت في فخٍ كبير."
"وأنت من رمى بي فيه." قالت "ليلى" بحزن. "لقد كانت كلماتك الأخيرة بمثابة تأكيد لفكرتي. لقد فضلت حياتك الاجتماعية، وحياة عائلتك، على حياتنا. أنت لا تفكر فيّ."
"هذا غير صحيح! أنا أفكر فيكِ. أفكر في مستقبلنا. إذا لم نخرج من هذه المحنة، فلن يكون هناك مستقبل لنا."
"ولكنك الآن تخلق مستقبلًا لي مع شخصٍ آخر!" رفعت "ليلى" صوتها، وكانت الكلمات تخرج منها كاللظى. "هل تدرك حجم الألم الذي ستسببه لي؟ هل تدرك أن هذا يعني أنك اخترت شخصًا آخر؟"
"لا، لم أختر أحدًا آخر! إنها مجرد خطوة، خطوة اضطرارية!"
"ولكنك لم ترفضها! هذه هي الكلمة التي ستبقى في أذني إلى الأبد يا عمر. "لم أرفض.""
"ليلى، أرجوكِ." قال "عمر" بصوتٍ منهك. "هناك تفاصيل يجب أن تعرفيها. يجب أن تعرفي مدى خطورة الوضع."
"لا أريد أن أعرف شيئًا!" قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجف. "أريد فقط أن أفهم شيئًا واحدًا: هل كنت تحبني حقًا؟"
صمت "عمر" لفترةٍ طويلة. كان الصمت أشد إيلامًا من أي كلمة. ثم قال بصوتٍ لا يكاد يُسمع: "لقد أحببتكِ أكثر من أي شيء. وما زلت."
"ولكنك الآن مستعد للتخلي عني."
"لا! مستحيل!"
"إذًا، لماذا لم ترفض العرض؟ لماذا لم تقل "لا"؟"
"لأن الوضع معقد يا ليلى! لو أبيت، لكان الضغط عليّ وعلى والدي أكبر. لقد تم التفكير في أن هذه الخطبة قد تضعف موقف عمي."
"وتجعلني أشعر بالهوان والذنب؟"
"لا. بل تجعلنا أقوى."
"قوة زائفة! وهم! هذا ما هو!" قالت "ليلى"، وشعرت بالضعف الشديد. "أشعر وكأنني سأنهار."
"حافظي على قوتكِ يا ليلى." قال "عمر" وهو يقترب منها. "سنواجه هذا. سنكتشف الحقيقة، وسنهزم عمي."
"ولكن هل سأكون معك؟ هل ستكون معي؟"
"دائمًا." قال "عمر" بنبرةٍ فيها يقين. "دائمًا."
"لا أعرف يا عمر. لقد فقدت الثقة." قالت "ليلى"، ونظرت إلى وجهه، تحاول أن تجد فيه ما يطمئنها، ولكنها لم تجد سوى الحيرة والألم.
"من أجلي، حافظي على هذه الثقة." قال "عمر" بنبرةٍ فيها رجاء. "سأثبت لكِ أنني لن أخذلكِ."
"ولكنك وعدتني من قبل." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت، ثم ابتعدت عنه، ودخلت في عمق غرفتها، تاركة "عمر" واقفًا وحيدًا في وسط الشك الذي نسج خيوطه حولهما.