روحي تعشقك الجزء الثاني
ظلالُ الماضي في قصرِ المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
داخلَ القصرِ الفسيح، الذي تفوحُ منهُ رائحةُ التاريخِ الأصيلِ وعبقُ الأنسابِ العريقة، كانتْ الأجواءُ مشحونةً بالحركةِ والترقب. نساءُ العائلةِ، صغيرهنَّ وكبيرهنَّ، كنَّ يتنقلنَّ بخطواتٍ سريعة، يتبادلنَ الابتساماتِ والهمساتِ الممزوجةَ ببهجةِ الاستعدادِ لهذهِ المناسبةِ السعيدة. السجادُ الفارسيُّ الفاخرُ يغطي الأرضياتِ، والجدرانُ المزينةُ بلوحاتٍ فنيةٍ بديعةٍ تُجسدُ صورًا لمُلكٍ قديمٍ وحياةٍ رغيدة. الأواني الفضيةُ والذهبيةُ تلمعُ تحتَ إضاءةِ الثرياتِ الكريستاليةِ الضخمة، مُعلنةً عنْ استضافةٍ رفيعةٍ يليقُ بها قدرُ العائلةِ ومكانتُها.
كانتْ "ليلى" تحاولُ جاهدةً أنْ تُشارك في تحضيراتِ حفلِ عقدِ القران، لكنَّ روحها كانتْ شاردة. كلُّ تفصيلٍ صغيرٍ كانَ يُذكرها بـ "سعود"، بـ "خالد"، وبـ "سعود" مرةً أخرى. كانتْ تنظرُ إلى فساتينَ السهرةِ التي اختارتها والدتها لها، وتتخيلُ نفسها ترتديها أمامَ "سعود". شعورٌ بالغرابةِ والنفورِ كانَ ينتابها. ثمَّ تتخيلُ نفسها ترتديها أمامَ "خالد"... وفجأةً، يعودُ ذلكَ الشعورُ بالدفءِ والراحةِ الذي يربكها.
"ابنتي، هلْ أنتِ بخير؟"
كانَ والدها، الشيخُ "عبد الرحمن"، يقفُ أمامها، بعينينِ تحملانِ عمقَ السنينِ ووقارَ المشايخ. كانَ رجلًا فارعَ الطول، ذو لحيةٍ بيضاءَ طويلةٍ تُضفي عليهِ هيبةً، ووجهٍ مُجعدٍ يحكي قصصَ صبرٍ وحكمة.
"نعم يا أبي، بخيرٍ الحمدُ لله." أجابتْ "ليلى"، وحاولتْ أنْ تبتسمَ ابتسامةً تبعثُ على الاطمئنان.
"أرى القلقَ في عينيكِ، يا ابنتي. هلْ لديكِ أيُّ تحفظاتٍ على زواجكِ من "سعود"؟" سألَ والدها بصراحةٍ وهدوء، وكأنَّهُ استشعرَ صراعها الداخلي.
شعرتْ "ليلى" بلحظةِ ارتباكٍ شديد. كيفَ لها أنْ تخبرَ والدها، الرجلَ الذي احترمتهُ وعظمتهُ طوالَ حياتها، أنَّ قلبها لا يميلُ إلى من اختارهُ لها؟
"يا أبي... "سعودٌ" رجلٌ طيبٌ، وأنا أحترمهُ جدًا. ولكنْ..."
قاطعها والدها برفقٍ، ووضعَ يدهُ الكبيرةَ على يدها. "ولكنْ قلبُكِ لمْ يجدْ فيهِ سكنهُ بعد؟"
توسعتْ عينا "ليلى" بذهول. كيفَ لeste والدها أنْ يفهمها بهذا الشكل؟
"هلْ هناكَ شخصٌ آخرُ في حياتكِ يا ابنتي؟" سألَ بهدوءٍ، ولكنَّ عينيهِ كانتا تراقبانِ ردةَ فعلها بدقة.
احمرَّ وجهُ "ليلى" وتلعثمتْ. "لا يا أبي، واللهِ لا يوجدُ أحد. فقطْ... فقطْ أشعرُ بشيءٍ غريب، لا أعرفُ كيفَ أصفه."
تنهدَ الشيخُ "عبد الرحمن" بعمق، وتأملَ وجهَ ابنتهِ البريء. "يا ابنتي، الحبُّ ينمو معَ الأيام، ويكبرُ بالمودةِ والرحمة. عندما تستقرينَ في بيتِ زوجكِ، وتُشاركينَ حياته، ستجدينَ السعادةَ والسكينة. "سعودٌ" رجلٌ صالحٌ، وسيُعاملُكِ بما يرضي الله. وهذا هوَ الأهم."
ثمَّ أضافَ بصوتٍ فيهِ شيءٌ من الشدةِ المحببة: "ولكنْ، إنْ كانَ هناكَ ما يُقلقكِ حقًا، وإنْ كانَ هناكَ شخصٌ آخرُ تكنينَ لهُ مشاعرَ... هلْ هوَ "خالد"؟"
تجمدتْ "ليلى" في مكانها. كيفَ عرفَ؟ هلْ كانَ والداها يتحدثانِ عن "خالد"؟ هلْ لاحظا اهتمامها به؟
"يا أبي، كيفَ عرفت؟" سألتْ بصوتٍ متهدج.
ابتسمَ الشيخُ "عبد الرحمن". "كنتُ أرى نظراتكِ عندما كانَ هنا. ولكنْ "خالدٌ" يسكنُ بعيدًا، ولمْ تكنْ هناكَ أيُّ خطبةٍ أوْ حتى إشارةٍ رسمية. والآنَ، نحنُ على وشكِ عقدِ قرانكِ على "سعود". لا يمكنُ أنْ نُغيرَ مسارَ الأمورِ الآن، فقدْ تمَّ الاتفاقُ ورُتبتِ الأمور."
شعرتْ "ليلى" بأنَّ العالمَ ينهارُ من حولها. "ولكنْ يا أبي، أنا..."
"لا يا ابنتي. لا "ولكن". الحبُّ الحقيقيُّ بينَ الزوجينِ يبدأُ بعدَ الزواج، بالتعاونِ والمحبةِ التي يغرسها اللهُ في قلوبهما. أما ما تشعرينَ بهِ الآن، فهو ربما إعجابٌ بـ "خالد" لمْ تتحققْ لهُ فرصة. ولكنْ، "سعودٌ" هوَ قدرُكِ، وهوَ السترُ الذي سيُغطي حياتكِ."
شعرَتْ "ليلى" وكأنَّ سكينًا غرزتْ في قلبها. حاولَتْ أنْ تستجمعَ قوتها. "ولكنْ يا أبي، لقدْ سمعتُ أنَّ "خالدًا" قدْ عادَ إلى البلاد."
اتسعتْ عيناكُ الشيخِ "عبد الرحمن" قليلاً، وبدتْ عليهِ علاماتُ مفاجأةٍ ممزوجةٍ ببعضِ الاستياء. "عادَ؟ متى؟ ولماذا لمْ يُخبرنا أحد؟"
"لا أعرفُ التفاصيلَ تمامًا يا أبي. سمعتُ الخبرَ منْ إحدى الخالاتِ بالأمس." قالتْ "ليلى"، وقلبها يدقُّ بشدة.
"هذا أمرٌ غريبٌ حقًا. لابدَّ أنْ نتأكدَ منْ هذا الخبر." قالَ الشيخُ "عبد الرحمن" وهوَ يُفكرُ بعمق. ثمَّ نظرَ إلى ابنتهِ بعينينِ تحملانِ مزيجًا منَ الحزمِ والحنان. "يا ليلى، مهما كانَ الأمر، يجبُ أنْ تكوني قوية. لا تدعي مشاعرَ عابرةٍ تُفسدُ عليكِ حياتكِ. "سعودٌ" ينتظركِ، ولا أريدُ أنْ أرى خيبةً في عينيهِ بسببِ أيِّ ترددٍ منكِ."
ودّعها الشيخُ "عبد الرحمن" وتركها وحيدةً معَ أفكارها المتشابكة. كانَ وجودُ "خالد" في البلادِ أشبهَ ببارقةِ أملٍ، لكنَّ والدها كانَ حازمًا، وحديثهُ عنْ "سعود" كانَ نهائيًا.
دخلتْ "ليلى" إلى غرفتها، والتي كانتْ تُزينُ استعدادًا لاستقبالِ زوجها المستقبلي. كلُّ شيءٍ كانَ مثاليًا، ولكنْ لمْ تشعرْ "ليلى" بأيِّ شعورٍ بالراحة. جلستْ على طرفِ السرير، ونظرتْ إلى نافذتها الكبيرةِ التي تُطلُّ على حديقةِ القصر. تذكرتْ كيفَ كانتْ تقضي ساعاتٍ طويلةً هنا، تتخيلُ أحلامها الورديةَ عنْ زواجٍ سعيدٍ وحياةٍ هانئة. ولكنْ، لمْ تتخيلْ أبدًا أنَّ بطلَ أحلامها سيكونُ وجهًا آخرَ غيرَ "سعود".
فجأةً، سمعتْ صوتَ جدتها، السيدة "عائشة"، وهيَ تناديها منْ خارجِ الغرفة. كانتْ جدتها، وهيَ عمودُ العائلةِ وسندُها، امرأةً ذاتَ شخصيةٍ قويةٍ ونفوذٍ كبير.
"ليلى! هلْ أنتِ مستعدةٌ للقاءِ "سعود"؟ لقدْ وصلَ معَ والدهِ لزيارتكِ قبلَ عقدِ القران. واجبٌ عليكِ أنْ تُحسنِي استقباله."
تجمعتْ دمعةٌ في عينِ "ليلى"، ولكنها مسحتها بسرعة. لمْ يكنْ لديها خيارٌ سوى الامتثال.
قامتْ، وأخذتْ نفسًا عميقًا، محاولةً أنْ تُرتّبَ مشاعرها المضطربة. دخلتْ إلى الصالةِ الرئيسيةِ حيثُ كانَ يجلسُ "سعود" معَ والدتهِ ووالدها. كانَ "سعودٌ" رجلًا وسيماً، طويلَ القامةِ، بلحيةٍ مرتبةٍ تُضفي عليهِ هدوءًا. ابتسمَ لها ابتسامةً لطيفةً عندما رأها، ولكنَّ "ليلى" لمْ تشعرْ بأيِّ تجاوبٍ في قلبها.
"أهلًا وسهلًا بكِ يا ابنةَ العم. أتمنى أنْ تكوني بخير." قالَ "سعودٌ" بصوتٍ دافئ.
"شكرًا لكَ. أهلًا بكَ." أجابتْ "ليلى"، وحاولتْ أنْ تُحافظَ على ابتسامةٍ واثقة.
جلستْ بجوارِ والدتها، وحاولتْ أنْ تُركزَ على الحديثِ الدائر، لكنَّ عقلها كانَ يبحرُ في عالمٍ آخر. كانتْ ترى وجهَ "خالد" في كلِّ مكان، تسمعُ صوتهُ في كلِّ كلمة. هلْ كانَ منَ الممكنِ أنْ يكونَ قدرها مختلفًا؟ هلْ هناكَ طريقٌ آخرُ لحياتها؟
ثمَّ، بينما كانتْ تتحدثُ معَ والدةِ "سعود"، شعرتْ بشيءٍ غريبٍ يشدُّ انتباهها. منْ خلفِ النافذةِ الكبيرةِ المطلةِ على الحديقة، رأتْ حركةً. كانَ هناكَ شخصٌ يقفُ تحتَ إحدى الأشجارِ الكبيرة، يرتدي ملابسَ داكنة. لمْ تستطعْ رؤيةَ وجههِ بوضوح، لكنَّ ظلَّهُ كانَ مألوفًا بشكلٍ غريب. تجمدتْ مكانها، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقها. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ "خالد"؟ وهلْ كانَ يراقبها؟
اتسعتْ حدقتاها، وأغمضتْ عينها للحظة، وكأنها تحاولُ أنْ تتأكدَ مما رأته. عندما فتحتها مرةً أخرى، كانَ الظلُّ قدْ اختفى. هلْ كانَ مجردَ وهم؟ أمْ أنَّ شبحَ الماضي قدْ بدأَ بالفعلِ في التسللِ إلى حاضرها، ليُهددَ مستقبلها؟