روحي تعشقك الجزء الثاني

لقاءٌ في دهاليزِ الذكريات

بقلم ليلى الأحمد

مرَّ يومُ اللقاءِ بينَ "ليلى" و"سعود" بسلامٍ ظاهري، ولكنَّ داخليًا، كانتْ "ليلى" تعيشُ عاصفةً هوجاء. كلُّ كلمةٍ نطقها "سعود"، كلُّ ابتسامةٍ رسمها على وجهه، كانتْ تُشعرها بنوعٍ منَ الالتزامِ الواجب، ولكنَّها لمْ تُشعلْ في قلبها أيَّ شرارةٍ منَ الحبِّ أوِ الشغف. كانتْ تُجامل، تُجيبُ بتهذيب، وتُحاولُ أنْ تُظهرَ واجهةً هادئةً، تخفي وراءها قلقًا متزايدًا.

في تلكَ الليلة، لمْ تنمْ "ليلى" جيدًا. كلما أغمضتْ عينيها، رأتْ ذلكَ الظلَّ الغامضَ الذي استقرَّ تحتَ شجرةِ الياسمينِ في حديقةِ القصر. أكانَ حقًا "خالد"؟ وهلْ عادَ منْ غيابهِ الطويلِ ليُراقبها؟

معَ بزوغِ فجرِ اليومِ التالي، قررتْ "ليلى" أنْ تخطو خطوةً جريئة، خطوةً لمْ تتوقعْ من نفسها أبدًا أنْ تتخذها. بعدَ أنْ صلَّتْ الفجرَ، وتناولتْ فطورها، استأذنتْ والدتها بالخروجِ إلى السوقِ لشراءِ بعضِ الحاجياتِ الضروريةِ للعرس.

"ولكنَّ "سعودًا" سيأتي لزيارتكِ مرةً أخرى هذا المساء، يا ابنتي." قالتْ السيدة "فاطمة" وهيَ تُعدُّ الشاي.

"أعرفُ يا أمي، ولكنْ أريدُ أنْ أُنهيَ بعضَ الأمورِ قبلَ أنْ يأتي." أجابتْ "ليلى"، محاولةً أنْ تبدو طبيعية.

في الطريقِ إلى السوق، لمْ تذهبْ "ليلى" إلى حيثُ وجهتُها الأصلية. بلْ، انحرفتْ عنِ الطريقِ المعتاد، وقادتْ سيارتها الفاخرةَ نحو حيٍّ قديمٍ وهادئ، حيٍّ كانَ يضمُّ منزلَ جدتها الراحلة، السيدة "عائشة"، قبلَ أنْ تنتقلَ للع lavor في القصر. كانَ هذا الحيُّ يحملُ في طياته الكثيرَ منَ الذكرياتِ، وربما... يحملُ أيضًا مفتاحَ إجابتها.

توقفتْ "ليلى" أمامَ منزلٍ قديمٍ ذي واجهةٍ حجريةٍ عتيقة. كانَ المنزلُ يبدو مهجورًا بعضَ الشيء، ولكنَّ ملامحهُ الهندسيةَ الأصيلةَ كانتْ لا تزالُ تُبهر. نزلتْ من سيارتها، وتقدمتْ بخطىً مترددةٍ نحو البابِ الخشبيِّ الضخم.

"هلْ أنتِ "ليلى"؟"

جاءَ الصوتُ منْ خلفِ الباب، صوتٌ ذكوريٌّ عميقٌ، أشبهَ بصوتِ الرعدِ الذي يسبقُ المطر.

ارتعشتْ "ليلى" منَ المفاجأة. لمْ تتوقعْ أبدًا أنْ تجدَ أحدًا هنا.

"نعم، أنا "ليلى"." أجابتْ بصوتٍ خفيض.

انفتحَ البابُ ببطء، ليكشفَ عنْ وجهٍ ألفتهُ "ليلى" في أحلامها، وروحها. كانَ "خالد".

وقفَ "خالدٌ" أمامها، طويلَ القامةِ، يرتدي ملابسَ بيضاءَ بسيطة. كانتْ عيناهُ العميقتانِ، بلونِ السوادِ الفاحم، تُقابلانِ عينيها مباشرةً. كانتْ هناكَ لحظةٌ منَ الصمتِ المتوتر، كأنَّ الزمنَ توقفَ فيهما.

"لمْ أتوقعْ رؤيتكِ هنا." قالَ "خالدٌ" بصوتٍ حاولَ أنْ يكونَ هادئًا، ولكنَّ اللهجةَ كانتْ تحملُ شيئًا منَ الدهشة.

"وأنا لمْ أتوقعْ رؤيةَ أحدٍ في هذا المكان." قالتْ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ قلبها بدأَ يدقُّ بسرعةٍ جنونية.

"هذا منزلُ جدتي. عدتُ مؤخرًا لبعضِ الأعمالِ الخاصة." أوضحَ "خالدٌ".

"أعرفُ. سمعتُ أنكَ عدتَ." قالتْ "ليلى"، وهيَ تُحاولُ أنْ تبدو طبيعية، ولكنَّ يدها كانتْ ترتجفُ قليلاً.

"حقًا؟ ومنْ أينَ لكِ هذا الخبر؟" سألَ "خالدٌ" بنبرةٍ فيها فضولٌ واضح.

"سمعتُ الخبرَ منْ إحدى الخالات." أجابتْ "ليلى"، وشعرتْ بالحرجِ منْ اضطرارها للكذب.

"آه، الخالاتِ. دائمًا ما يكنَّ مصدرَ الأخبارِ الهامة." ابتسمَ "خالدٌ" ابتسامةً خفيفة، ثمَّ فتحَ البابَ على مصراعيه. "تفضلي بالدخولِ يا ابنةَ العم. قدْ يكونُ أفضلَ لنا أنْ نتحدثَ في الداخل."

ترددتْ "ليلى" للحظة. هلْ كانَ هذا تصرفًا حكيمًا؟ أنْ تأتي إلى منزلِ رجلٍ لمْ ترهُ إلا مراتٍ قليلة، وتدخلَ إليهِ وحدها؟ ولكنَّ فضولها، ورغبتها العميقةَ في فهمِ ما تشعرُ بهِ، كانتْ أقوى منْ أيِّ تردد.

دخلتْ "ليلى" المنزل، الذي كانَ لا يزالُ يحملُ عبقَ جدتها. الأثاثُ قديمٌ ولكنَّهُ أنيق، والمكانُ مرتبٌ بعناية. كانَ عبارةً عنْ مزيجٍ منَ الأصالةِ والحداثة.

"تفضلي بالجلوس." قالَ "خالدٌ" وهوَ يُشيرُ إلى أريكةٍ مريحة. "هلْ ترغبينَ في الشاي؟"

"شكرًا لكَ." أجابتْ "ليلى"، وجلستْ على الأريكة، وشعرتْ بشيءٍ منَ الارتياحِ الذي لمْ تكنْ تتوقعه.

ذهبَ "خالدٌ" لإعدادِ الشاي، بينما كانتْ "ليلى" تتأملُ المكان. كلُّ زاويةٍ في هذا المنزلِ كانتْ تُذكرها بجدتها، وبهذهِ العائلةِ العريقة. ثمَّ عادتْ بذهنها إلى "سعود"، إلى عقدِ القرانِ القريب.

عادَ "خالدٌ" بكوبينِ منَ الشاي، وجلسَ على الأريكةِ المقابلة. "إذًا، ماذا أتتْ بكِ إلى هنا، ابنةَ العم؟ هلْ لديكِ أيُّ استفساراتٍ عنِ المنزل؟"

نظرتْ "ليلى" إليهِ مباشرةً. "ليسَ عنِ المنزل، بلْ عنكَ."

اتسعتْ عينا "خالدٌ" قليلًا، ثمَّ استعادَ هدوءه. "عني؟ وماذا تريدينَ أنْ تعرفي عني؟"

"أريدُ أنْ أعرفَ لماذا... لماذا تركتَ البلادَ بهذهِ السرعة؟ ولماذا عدتَ الآن؟"

صمتَ "خالدٌ" للحظة، يتأملُ وجهَ "ليلى" الشغوف. "الحياةُ مليئةٌ بالمفاجآتِ والمساراتِ غيرِ المتوقعة، يا ابنةَ العم. أحيانًا، تدفعنا الظروفُ إلى اتخاذِ قراراتٍ قدْ تبدو غريبةً للآخرين. أما عنْ عودتي، فقدْ كانتْ لأسبابٍ شخصيةٍ بحتة، تتعلقُ بإرثِ جدتي."

"ولكنْ، هلْ كانَ قرارُ العودةِ سهلًا؟" سألتْ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ سؤالها هذا يتجاوزُ الحدودَ الرسميةَ بينهما.

ابتسمَ "خالدٌ" تلكَ الابتسامةَ الغامضةَ التي كانتْ تُربكها. "لمْ يكنْ الأمرُ سهلًا على الإطلاق. ولكنْ، لكلِّ قرارٍ ثمنه، ولكلِّ عودةٍ أسبابها." ثمَّ سألَ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الحذر: "سمعتُ أنكَ على وشكِ عقدِ قرانكِ على ابنِ عمكِ "سعود". أليسَ كذلك؟"

شعرتْ "ليلى" بلحظةِ ضيقٍ في صدرها. "نعم، الأمرُ كذلك."

"أتمنى لكِ كلَّ التوفيقِ والسعادة." قالَ "خالدٌ"، ونبرتهُ كانتْ هادئةً، ولكنَّ "ليلى" شعرتْ بشيءٍ منَ الحزنِ الخفيِّ فيها.

"شكرًا لكَ." أجابتْ، ثمَّ صمتتْ، تشعرُ بثقلِ كلماته.

"ولكنْ، بما أننا نتحدثُ عنِ الأمورِ الشخصية، اسمحي لي أنْ أسألَكِ سؤالًا." قالَ "خالدٌ"، ونظرَ إليها بعينينِ تحملانِ عمقًا غيرَ مفهوم.

"تفضل." أجابتْ "ليلى"، وقلبها يدقُّ بقوة.

"هلْ أنتِ سعيدةٌ بهذا الزواج؟"

كانَ السؤالُ مباشرًا، صادمًا. شعرتْ "ليلى" بأنَّ الهواءَ قدْ انقطعَ منَ رئتيها. لمْ تكنْ مستعدةً لهذا السؤال، خاصةً من "خالد".

نظرتْ إليهِ بصمتٍ طويل، تبحثُ في عينيهِ عنْ أيِّ إجابةٍ أوْ دليل. ثمَّ، وبشجاعةٍ لمْ تكنْ تتوقعها، أجابتْ بصوتٍ خفيضٍ ولكنهُ ثابت:

"أنا... لا أعرفُ."

لمْ يزدْ "خالدٌ" على هذا الردِّ شيئًا. فقطْ، نظرَ إليها مطولًا، وكأنَّهُ يقرأُ ما في أعماقِ روحها. كانَ هناكَ شيءٌ في عينيهِ يُشبهُ الألفة، ويُشبهُ الاستسلام.

شربتْ "ليلى" منْ كوبِ الشاي، وشعرتْ بأنَّ هذهِ الزيارةَ لمْ تجلبْ لها إجاباتٍ واضحة، بلْ زادتْ منْ تعقيدِ أمورها. ولكنَّها في الوقتِ نفسهِ، شعرتْ ببعضِ الراحةِ لأنها استطاعتْ أنْ تواجهَ "خالدًا"، وأنْ تُفصحَ عنْ بعضِ منْ حيرتها.

انهتْ "ليلى" زيارتها، وقبلَ أنْ تغادر، نظرتْ إلى "خالد" نظرةً أخيرة. "يجبُ أنْ أذهبَ الآن."

"بالتأكيد." أجابَ "خالدٌ" بهدوء. "ولكنْ، إذا احتجتِ لأيِّ شيءٍ، أوْ أردتِ التحدثَ مرةً أخرى، فلا تترددي."

ودّعتهُ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ قلبها أصبحَ أثقلَ منْ ذي قبل. هلْ كانتْ قدْ اتخذتْ القرارَ الصحيحَ بالمجيءِ إلى هنا؟ وهلْ كانَ لقاؤها بـ "خالد" بدايةَ نهايةٍ، أمْ بدايةَ فصلٍ جديدٍ منَ الحياة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%