روحي تعشقك الجزء الثاني
وهج الذكرى ونار الغياب
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليلى تجلس في شرفتها المطلة على بستان الرمان الذي شهد أول لقاء لها مع أحمد. أوراق الشجر المتساقطة كانت ترسم لوحات خريفية حزينة، تمامًا كتلك التي ترسمها الأيام في قلبها منذ رحيله. مرت ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر طويلة وثقيلة، تحمل في طياتها صدى ضحكاته، ودفء كلماته، وبريق عينيه اللتين كانتا تحملان وعد مستقبلٍ جميل. لكن الأقدار، تلك التي لا تلوي على شيء، فرقت بينهما. لم تكن المسافة فحسب، بل كان هناك جدارٌ صامتٌ من الظروف، جدارٌ بنته التزاماتٌ لم تستطع ليلى تجاهلها، والتزاماتٌ لم يستطع أحمد، بطيبته المعهودة، أن يتجاوزها.
كانت تعيش في بيت عائلتها الكبير، في قلب المدينة القديمة، حيث الجدران تحتضن التاريخ، والأزقة تهمس بالحكايات. والدتها، السيدة فاطمة، كانت امرأةٌ طيبةٌ قلبها مليءٌ بالرحمة، لكنها كانت أيضًا أسيرةً لقناعاتٍ راسخةٍ حول ما هو "مقبول" وما هو "غير مقبول" في مجتمعهم. والدها، الحاج محمود، رجلٌ متدينٌ ذو هيبةٍ، كان يأمل دائمًا في تزويج ابنته من رجلٍ يحمل اسمًا مرموقًا، أو على الأقل، من رجلٍ يضمن لها استقرارًا ماديًا واجتماعيًا. أما أحمد، فقد كان قادمًا من بيئةٍ متواضعة، يحمل في جيبه أحلامًا كبيرةً وطموحًا لا ينضب، ولكنه لم يكن يملك تلك "الضمانات" التي كانت تراها والدتها ضرورية.
تنهدت ليلى بعمق، ومررت يدها على زجاج النافذة البارد. كانت تتذكر كيف كانت تعقد آمالاً كبيرةً على موعدٍ عائليٍ كان مقررًا. كانت قد أعدت كل شيء، من الكلمات التي ستقولها، إلى الثوب الذي سترتديه. كانت تعلم أن أحمد كان يخطط لطلب يدها رسميًا، وأن والديه كانا مستعدين لزيارة والدها. ولكن قبل يومٍ واحدٍ من الموعد، وصلتها رسالةٌ موجزةٌ منه، رسالةٌ أشبه بضربةٍ سيف. "ليلى، أعتذر بشدة، لا يمكنني المضي قدمًا. الظروف أكبر منا. أتمنى لكِ كل السعادة." لم تكن هناك تفاصيل، لم تكن هناك تفسيرات، فقط كلماتٌ قاطعةٌ كسرت قلبها.
أدركت لاحقًا، عبر صديقةٍ مشتركة، أن والد أحمد، الذي كان يعاني من مرضٍ عضال، قد أصر على أن يتزوج أحمد من ابنة خالته، وهي فتاةٌ من بلدته، لكي يرعاها ويساندها في مرضه. كان واجبًا اجتماعيًا وعائليًا، واجبًا لا يستهان به في مجتمعاتهم. فهمت ليلى حجم الصراع الذي كان يعيشه أحمد، ولكن الألم كان أقوى من الفهم. شعرت بخيانةٍ عميقة، ليس منه، بل من الظروف التي جعلته يختار.
عادت والدتها إلى الغرفة، وهي تحمل كوبًا من الشاي الأخضر. "ماذا بكِ يا ابنتي؟ ما زلتِ حبيسة هذه الذكريات؟" قالتها بصوتٍ فيه نبرةٌ من الشفقة ممزوجةٌ ببعض اللوم.
"لا شيء يا أمي. مجرد تفكير." أجابت ليلى بفتور، وهي تأخذ الكوب.
"التفكير فيمن؟ في ذلك الشاب الذي رحل؟ ألم أخبركِ منذ البداية أن هذه العلاقات المبنية على العواطف فقط غالبًا ما تنتهي بالخيبة؟" قالت السيدة فاطمة، وهي تجلس بجوارها.
اعتصر قلب ليلى. لم تكن تريد أن تجادل والدتها، ولكن كلمات أمها كانت كالملح على الجرح. "لم تكن مجرد عواطف يا أمي. كانت هناك خطط، كانت هناك وعود."
"الوعود تتكسر أمام مسؤوليات الحياة. أحمد اختار طريقه، وهو طريقٌ فيه مسؤوليةٌ تجاه أهله. وكان عليه أن يختار. أما أنتِ، فمصيركِ لم يُكتب بعد. لديكِ عريسٌ آخر، شابٌ ميسور الحال، من عائلةٍ محترمة. والدكِ راضٍ عنه، وأنا راضيةٌ عنه. هذا ما نريده لكِ، الاستقرار والأمان."
كانت تقصد بذلك المهندس خالد، ابن عمٍ بعيد، كان قد بدأ يتقرب من ليلى في الفترة الأخيرة، بدعمٍ وتشجيعٍ من والدتها. كان خالد رجلًا مهذبًا، ولكن قلبه لم يكن يعرف طريقًا إلى قلب ليلى. كانت تقارنه دائمًا بأحمد، وتجد أن خالد، رغم كل صفاته الجيدة، يفتقر إلى تلك الشرارة، تلك الروح التي كانت تجعل العالم يبدو أجمل بوجود أحمد.
"أمي، لم أعد أفكر في الزواج الآن. أحتاج إلى بعض الوقت." قالت ليلى، وهي تتجنب النظر إلى عيني والدتها.
"الوقت يمضي يا ليلى. والفرص لا تأتي مرتين. خالدٌ ينتظر. لا تظني أنكِ ستجدين مثل أحمد دائمًا. كان مجرد شابٍ بسيطٍ لا يملك شيئًا."
كانت هذه الكلمات هي التي تجرح ليلى أكثر. لم يكن أحمد "بسيطًا" في نظرها. كان يملك أغنى مما يتخيله الناس. كان يملك قلبًا كبيرًا، وروحًا نقية، وطموحًا يجعله يسعى نحو القمة. هل كان مال الدنيا كله يساوي ذلك؟
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. تقلبت على فراشها، وصورة أحمد تتجول في مخيلتها. كانت تتذكر وعده لها بأن يبني لها بيتًا صغيرًا مليئًا بالحب، وأن يزرع فيه بستانًا من الياسمين. كان حلمًا بسيطًا، ولكنه كان حلمها. الآن، يبدو أن هذا الحلم قد تبخر، وأن مستقبلها يسير في اتجاهٍ آخر، اتجاهٍ لم تختره هي.
تذكرت كيف كانت تحاول أن تقنعه في إحدى المرات بالتقدم لطلب يدها، وكيف كان يبتسم ويرد: "اصبري يا حبيبتي. الظروف ليست مواتية الآن. لكن ثقي بي، سأمنحكِ كل ما تستحقينه، بل أكثر." كانت تلك الكلمات كالدواء لروحها، ولكنها أصبحت الآن مجرد سراب.
ما زاد من تعقيد الأمور هو رغبة والدتها في إنهاء الأمر بسرعة. كانت تسمع همساتها مع والدها عن تجهيزات العرس. كانت تشعر بأنها محاصرة، وأنها مجبرة على العيش حياةً لم تخترها. كانت قوة حبها لأحمد، وحزنها على فقدانه، تتحول شيئًا فشيئًا إلى قوةٍ مقاومة، قوةٌ بدأت تنمو في داخلها، قوةٌ تجهل كيف ستستخدمها.
نظرت إلى هاتفها، الذي كان صامتًا منذ أشهر. لم تتلق منه أي رسالة، ولم تتصل به. كان عليها أن تنساه، أن تمضي قدمًا. ولكن هل كان النسيان ممكنًا؟ هل كان من السهل محو صورة رجلٍ أحبته بكل جوارحها؟
كانت تعتقد أن حبها لأحمد كان أكبر من أي شيء. كان حبًا نقيًا، عفيفًا، يحمل في طياته احترامًا وتقديسًا. كانت تتصور المستقبل معًا، مستقبلًا تبنيه الأيدي المتينة، وترعاه القلوب الوفية، وتباركها السماء. ولكن يبدو أن سماء حبها قد غطتها غيومٌ داكنة.
تساءلت في قرارة نفسها: هل كان هناك خطأٌ في اختيارها؟ هل كانت عواطفها قد عميت بصيرتها؟ ربما كانت والدتها على حق. ربما كانت تبحث عن شيءٍ لا يمكن أن تجده في شابٍ مثل أحمد، شابٍ لم يكن يملك سوى قلبه وعزيمته. ولكن قلبها كان يصرخ بأن هذا ليس صحيحًا. كان حبها له هو كل ما كانت تحتاجه.
شعرت ليلى بأنها في مفترق طرق. طريقٌ تقوده إلى حياةٍ مستقرة، ولكنها خاليةٌ من شغفها. وطريقٌ آخر، مجهولٌ ومحفوفٌ بالمخاطر، ولكنه يحمل أملًا ضئيلًا في العودة إلى ما كانت تتمناه. كانت الذكريات كالنار التي تؤجج روحها، نارُ شوقٍ لا تخمد، ونارُ غضبٍ لا تهدأ. كان عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا سيحدد مسار حياتها القادمة. ولكن كيف لها أن تتخذ قرارًا وهي لا تزال أسيرة وهمٍ جميلٍ قد انهار؟