روحي تعشقك الجزء الثاني

سراب المدينة وصراع الروح

بقلم ليلى الأحمد

لم تكن ليلى تدرك أن حبها لأحمد، ذلك الحب الذي كان نبراس حياتها، قد أصبح في نظر البعض، وفي نظر والدتها بشكلٍ خاص، نقطة ضعفٍ تتطلب المعالجة. السيدة فاطمة، كانت ترى في تمسك ليلى بذكرى أحمد، تعقيدًا غير مبرر، وتأخيرًا متعمدًا لحياتها. كان قلقها على ابنتها مشروعًا، ولكن أسلوبها في التعامل مع هذا القلق كان يزداد إلحاحًا وضغطًا.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى تراجع بعض الأوراق المتعلقة بدراستها الجامعية، دخلت والدتها الغرفة، وبيدها مجلدٌ سميك. "هذا يا ليلى، هو ما يجب عليكِ قراءته." قالتها، ووضعت المجلد أمامها.

فتحت ليلى المجلد، لتجد فيه صورًا لمباني حديثة، وخططًا هندسية، وملفاتٍ عن مشاريع عقارية. كان خالد، العريس المرتقب، قد أرسل لوالدتها بعضًا من أعماله، ربما لتُظهر لها مدى استقراره ونجاحه.

"خالدٌ يعمل بجد، وهو يخطط لمستقبله. انظري إلى هذه المشاريع، إنه يبني مدينةً كاملة. هذا هو الرجل الذي يحتاجكِ، رجلٌ يفكر في الغد، وليس في الأوهام." قالت السيدة فاطمة، وهي تشير إلى الصور.

شعرت ليلى بضيقٍ في صدرها. كانت تتمنى لو أن والدتها تستطيع أن ترى ما كانت تراه هي في أحمد. لم يكن أحمد يملك مباني شاهقة، ولكنه كان يملك روحًا تشبه السماء، وقلبًا يتسع للكون.

"يا أمي، النجاح ليس فقط في بناء المباني. النجاح هو أن تبني حياةً سعيدة، حياةً تشعر فيها بالرضا." قالت ليلى، محاولةً أن تبدو هادئة.

"وما الذي يضمن لكِ السعادة مع شابٍ لا يملك شيئًا؟ هل ستعيشين على ذكرياته؟ على أحلامه؟ هذا ليس منطق الحياة يا ابنتي. الحياة تتطلب التخطيط، والموارد، والجهد. وخالدٌ يملك كل هذا."

كانت كلمات والدتها تزيد من شعور ليلى بالعجز. كانت تعلم أن والدتها تحبها، ولكنها كانت تشعر بأن حبها مشروطٌ برغباتها هي. كانت تتمنى لو أن هناك مساحةً في قلب أمها لفهمها، لا لفرض رأيها.

في تلك الفترة، بدأ صراعٌ خفيٌ يدور في روح ليلى. جزءٌ منها كان يتوق إلى الاستقرار، إلى الأمان الذي تعد به والدتها، إلى الحياة التي تبدو "طبيعية" في نظر المجتمع. أما الجزء الآخر، فكان يصارع من أجل حبه الأول، من أجل ذلك الشعور الذي جعلها تشعر بأنها حيةٌ حقًا. كانت الأفكار تتنازعها: هل يجب أن تستسلم للواقع وتتخلى عن حلمها؟ أم عليها أن تتمسك بالأمل، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة عائلتها؟

كانت تحاول أن تجد مخرجًا، أن تعيد ترتيب أفكارها. في إحدى الأيام، قررت أن تذهب إلى مكانٍ اعتادت أن تزوره مع أحمد. كان ذلك المقهى الصغير على ضفاف النهر، حيث كانا يقضيان ساعاتٍ يتحدثان عن المستقبل، وعن أحلامهما المشتركة.

جلست على نفس الكرسي الذي اعتاد أحمد أن يجلس عليه، وطلبت فنجانًا من القهوة. رائحة القهوة كانت تحمل معها ذكرياتٍ حلوة ومرة. كانت تتذكر كيف كان يروي لها قصصًا عن طفولته، وعن طموحاته، وعن إصراره على النجاح. كان يؤمن بأن العمل الشاق هو مفتاح كل شيء.

"سأكون يومًا ما رجلًا يعتمد عليه، يا ليلى. سأكون قادرًا على توفير كل ما تحتاجينه، بل أكثر. لن تشعري يومًا بالحاجة لشيء." كان يقول لها ذلك وهو ينظر في عينيها.

الآن، كانت تشعر بحاجةٍ ماسةٍ له، ليس للمال أو للمتطلبات المادية، بل لقلبه، لروحه، لوجوده. ولكن هذا الوجود أصبح سرابًا، وهمًا يبتعد كلما اقتربت منه.

نظرت إلى النهر الهادئ، وعكست السماء الزرقاء على سطحه. هل كانت حياتها تشبه هذا النهر؟ تبدو هادئة من الخارج، ولكنها تخفي تياراتٍ قويةً في أعماقها؟

فجأة، سمعت صوتًا مألوفًا ينادي اسمها. رفعت رأسها، لتجد زميلتها في الجامعة، سارة، تقترب منها بابتسامةٍ عريضة. سارة كانت فتاةً عملية، ومنفتحة، ودائمًا ما كانت تشجع ليلى على "العيش في الواقع".

"ليلى! ما الذي تفعلينه هنا وحدكِ؟ هل أنتِ بخير؟" سألت سارة، وهي تجلس بجوارها.

"أهلاً سارة. مجرد تفكير." أجابت ليلى بفتور.

"تفكير فيمن؟ في ذلك الشاب الذي اختفى؟ اسمعي يا ليلى، هذا النوع من العلاقات لا ينتهي إلا بالألم. لقد مر وقتٌ كافٍ. عليكِ أن تتجاوزي الأمر."

"الأمر ليس بهذه البساطة يا سارة. لقد أحببته حقًا."

"الحب جميل، ولكنه ليس كل شيء. هناك مسؤوليات، وهناك مستقبل. أنتِ شابةٌ جميلة، وذكية. لديكِ كل المقومات لتكوني سعيدة. لماذا تضيعين وقتكِ في وهم؟"

شعرت ليلى بأن سارة، رغم نيتها الطيبة، تزيد من الضغط عليها. كانت ترى الأمور من منظورٍ مختلف، منظورٍ يركز على الجوانب المادية والاجتماعية.

"ربما على حق. ربما يجب أن أحاول أن أنسى." قالت ليلى، وهي تشعر بمرارةٍ في حلقها.

"بالتأكيد! وخالدٌ يبدو خيارًا ممتازًا. رجلٌ ناجح، ويحبكِ. ماذا تريدين أكثر من ذلك؟"

أغمضت ليلى عينيها، وحاولت أن تتجاهل صوت قلبها الذي كان ينازع. كانت تشعر بأنها تُدفع نحو طريقٍ لا تريده، طريقٍ يؤدي إلى حياةٍ لا تشعر فيها بالانتماء.

عادت إلى منزلها، وقلبها مثقل. استمعت إلى والدتها وهي تتحدث بحماس عن ترتيباتٍ جديدة مع عائلة خالد. كانت تشعر بأنها كالطائر المحبوس في قفصٍ ذهبي، قفصٌ جميل، ولكنه يحد من حريتها.

في تلك الليلة، لم تستطع أن تنام. جلست أمام نافذتها، تنظر إلى النجوم. تساءلت: هل كان أحمد قد نسيتها؟ هل كان يعيش حياته بسعادة مع زوجته؟ هذه الأفكار كانت كالسُم يدخل إلى روحها.

شعرت بأنها في حربٍ داخلية. حربٌ بين ما هو "صحيح" في نظر الآخرين، وبين ما هو "صحيح" في قلبها. كانت قوة حبها لأحمد، ورغبتها في استعادته، تتصارع مع منطق الحياة، ومع ضغوط عائلتها. كان سراب المدينة، بسطوعها المصطنع، يغريها بالراحة، بينما روحها كانت تتوق إلى حقيقةٍ أعمق، حقيقةٍ قد تكون مؤلمة، ولكنها أصيلة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%