روحي تعشقك الجزء الثاني

صدى الواجب وعناد القلب

بقلم ليلى الأحمد

كان صدى الواجب العائلي ثقيلًا على كتفي أحمد، يثقل خطواته ويُحكم قبضته على قلبه. لم يكن قد نسي ليلى قط، بل كانت صورتها، وضحكتها، وحديثها معه، محفورةً في ذاكرته كوشمٍ لا يُمحى. لكن والدته، التي كانت تمسك بيد الطبيب، وعيناها تترقبان بصعوبةٍ كل نفسٍ يخرج منها، كانت بحاجةٍ إليه. وبجانب والدته، كانت هناك فايزة، ابنة خالته، التي كانت تتولى رعاية أمه بكل تفانٍ، وكانت تنتظر منه كلمةً واحدةً لتُكمل عقد زواجٍ طالما حلمت به عائلتها.

كان يعلم أن ليلى فتاةٌ لا تُنسى. كانت تحمل في روحها براءةً ونقاءً نادرين، وكانت شعلةً من الأمل في حياته. لكنه، في تلك الفترة، كان غارقًا في بحرٍ من المسؤوليات. مرض والدته الحاد، وما تبعه من حاجةٍ ماسةٍ لرعايتها، جعل قراراته تبدو وكأنها مفروضةٌ عليه، لا مختارة.

كانت فايزة، فتاةٌ جميلةٌ وهادئة، ذات أخلاقٍ طيبة. لم يكن أحمد يحبها بالمعنى الذي أحب به ليلى. كانت علاقته بها أشبه بعلاقةٍ تتشكل بحكم الظروف والتقاليد. كانت فايزة تحترمه، وتُعجب بشخصيته، وتُقدر طموحه. ولكن قلب أحمد كان قد اختار طريقه بالفعل.

تذكر تلك الليلة التي اضطر فيها إلى إرسال الرسالة إلى ليلى. كانت الساعة متأخرة، وكانت والدته في حالةٍ حرجة. كان يبكي وهو يكتب الكلمات التي كان يعلم أنها ستكسر قلبها. كان يشعر بأنه يطعن نفسه بسكينٍ بارد. "ليلى، أعتذر بشدة، لا يمكنني المضي قدمًا. الظروف أكبر منا. أتمنى لكِ كل السعادة." لم يكن يستطيع أن يشرح لها كل شيء، لم يكن يستطيع أن يضعها في قلب صراعه. كان يعتقد أن ابتعاده عنها هو الحل الوحيد، الحل الذي يحميها من تعقيدات حياته.

عاد أحمد إلى بلدته بعد فترةٍ من إقامة ليلى في القاهرة. كان يشعر بوطأة الغياب، بغياب الابتسامة التي كانت تشرق في وجهه، بغياب الحديث الذي كان يُنسيه هموم الدنيا. كانت حياته تسير على ما يرام من الناحية المادية، لقد عمل بجدٍ، واستطاع أن يؤسس لنفسه مشروعًا صغيرًا ناجحًا، ولكنه كان يفتقد إلى ذلك الشيء الذي يجعل النجاح له معنى.

كان يزور والدته يوميًا، يطمئن عليها، ويُراقب تحسنها. كانت فايزة دائمًا بجانبه، تُقدم له الدعم، وتُخفف عنه العبء. كانت تُبادله الحديث عن أحوال البلدة، وعن أخبار الناس. كانت تُحاول أن تكون سندًا له، وكانت تنجح في ذلك.

في إحدى الأيام، بينما كان يجلس مع فايزة في حديقة منزلهم، وهي تروي له تفاصيل يومها، شعر أحمد بنظرةٍ غريبةٍ في عينيها. كانت نظرةً فيها شيءٌ من الأمل، وشيءٌ من الترقب.

"أحمد،" بدأت فايزة بصوتٍ خافت، "والدتي تحدثت مع والدتكِ. يريدون أن نُحدد موعدًا لخطوبتنا قريبًا."

صُدم أحمد. لم يكن يتوقع هذا التقدم السريع. كان يعلم أن عائلته تُفضل هذه الزيجة، وأن فايزة تُحب العيش في هذه البلدة. ولكنه، في قرارة نفسه، كان لا يزال يحمل ليلى في قلبه.

"خطوبتنا؟" سأل أحمد، وهو يشعر بأن كلماته تخرج بصعوبة.

"نعم. الجميع يُريد ذلك. وأنا... أنا سعيدةٌ جدًا بهذا الخبر." قالت فايزة، وهي تنظر إليه بترقب.

شعر أحمد بأن الأرض تميد به. كيف له أن يُقدم على خطوبةٍ وهو لم ينسَ ليلى بعد؟ كيف له أن يخون عهدًا لم يُعلن عنه، ولكنه كان محفورًا في روحه؟

"فايزة،" قال أحمد، وهو يحاول أن يُخفي اضطرابه، "أنا... أنا لستُ متأكدًا. أنا بحاجةٍ إلى بعض الوقت للتفكير."

ظهر خيبة الأمل على وجه فايزة، ولكنها حاولت أن تُخفيها. "أتفهم. ولكن، أحمد، ألا ترى أن هذه فرصةٌ جيدة؟ عائلاتنا متوافقة، ونحن نرتاح لبعضنا البعض. والجميع يُريد لنا الخير."

كانت كلماتها منطقية، ولكنها كانت تزيد من تعقيد موقفه. كان الواجب يُناديه، العرف يُلزمه، والتقاليد تُوجهه. ولكن قلبه كان يُصارع، يُصارع من أجل ذكرى امرأةٍ كان يظن أنه تخلى عنها، ولكنه لم يفعل.

في تلك الليلة، لم يستطع أحمد النوم. خرج من غرفته، وتوجه إلى سطح المنزل. نظر إلى السماء المظلمة، والنجوم المتلألئة. كانت ذكرى ليلى تقتحم خاطره بقوة. كان يتذكر تفاصيل وجهها، نبرة صوتها، ابتسامتها التي كانت تُضيء عالمه.

"ليلى،" همس في الظلام، "ماذا فعلتِ بي؟ لماذا ما زلتِ تسكنين قلبي؟"

كان يشعر بالذنب تجاه فايزة، تجاه والدته، تجاه عائلته. كان يعلم أنهم يبحثون عن سعادته، ولكن سعادته، في هذه اللحظة، كانت مرتبطةٌ بامرأةٍ أخرى.

هل كان يجب عليه أن ينسى ليلى، ويُقدم على هذا الزواج؟ هل كان يمكنه أن يتعلم كيف يُحب فايزة؟ أم كان عليه أن يُصارع من أجل قلبه، حتى لو كان ذلك يعني كسر بعض القلوب؟

كانت هذه الأسئلة تُحيط به كالأشباح. كان يشعر بالضياع، وبالوحدة. كان يعلم أن هذا القرار لن يكون سهلًا، وأن عواقبه ستكون وخيمة. ولكن، في أعماق روحه، كان هناك صوتٌ خافتٌ يُخبره بأن الحياة لا يجب أن تُعاش بناءً على الواجب فقط، بل يجب أن تُعاش بناءً على ما يُرضي القلب.

كانت رغبته في العودة إلى ليلى، وفاءً لحبه القديم، تتصارع مع واجبه تجاه عائلته، وتجاه فايزة. كان يشعر بأنه عالقٌ في شبكةٍ من الالتزامات، وأن كل حركةٍ سيقوم بها ستُؤدي إلى نتيجةٍ مؤلمة.

في تلك الليلة، لم يجد أحمد أي إجابة. كان كل ما يملكه هو صراعٌ داخليٌ عميق، وصراعٌ بين النداءات المتضاربة للواجب والقلب. وكان يعلم أن هذه المعركة لن تنتهي قريبًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%