روحي تعشقك الجزء الثاني
شبح الماضي ونذير المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليلى تشعر بأنها في حالةٍ أشبه بالسُبات. الأيام تمر، والأسابيع تتلاشى، وهي ما زالت أسيرةً مشاعرها المتناقضة. كانت تحاول جاهدةً أن تُقنع نفسها بأنها يجب أن تتجاوز أمر أحمد، وأن تُركز على مستقبلها، على الفرصة التي تُقدمها لها عائلتها. ولكن في كل مرةٍ كانت تُحاول فيها ذلك، كانت صورته تظهر في مخيلتها، تُعيدها إلى الوراء، إلى زمنٍ كانت فيه سعادتها ممكنة.
في أحد الأيام، تلقت ليلى دعوةً لحضور حفل زفافٍ لصديقةٍ لها من الجامعة. كانت الدعوة ورقةً مزينةً بألوانٍ زاهية، ولكنها كانت في نظر ليلى، مجرد تذكيرٍ بما لم تستطع أن تحققه. كانت تعلم أن أحمد لن يحضر. لماذا يحضر؟ لقد اختار طريقه، وأمه، وفايزة.
كانت والدتها تُلح عليها للخروج، لترى الناس، ولتُنسى ما فات. "يا ليلى، هذا الحفل فرصةٌ لتُقابلي الكثيرين. ربما تجدين شابًا مناسبًا هناك. لا تبقي حبيسة غرفتكِ."
ترددت ليلى، ولكنها في النهاية وافقت. ربما كان عليها أن تفعل شيئًا، أي شيء، لتُخرج نفسها من هذا الدوامة.
ذهبت ليلى إلى الحفل، وهي ترتدي فستانًا أنيقًا، ولكنها كانت تشعر بالثقل. كانت الأجواء مليئةً بالفرح والبهجة، ولكنها كانت تشعر بأنها غريبةٌ عن هذا الاحتفال. كانت تُراقب العروسين، وهما يتبادلان الوعود، وتتمنى لو أن سعادتها كانت ممكنةً بنفس القدر.
بينما كانت تقف في زاويةٍ هادئة، تشرب عصيرًا، لمحت وجهًا مألوفًا. كان خالد، العريس المرتقب، يتحدث مع بعض الضيوف. ابتسم لها، وأشار إليها بالاقتراب.
ترددت ليلى، ولكنها مشت نحوه. كان خالد مهذبًا، يتحدث بلطف. "ليلى، كيف حالكِ؟ سعيدةٌ لرؤيتكِ هنا. ألم أحضر لكِ هذه الزهرة؟" قالها وهو يُقدم لها وردةً حمراء.
شكرته ليلى، وشعرت بلطفه، ولكن قلبها ظل باردًا. كانت تُقارنه دائمًا بأحمد. كان خالد يبدو كالشجرة المثمرة، ثابتةً، وافرةً، ولكنها لا تحمل في أوراقها عبيرًا خاصًا. أما أحمد، فكان كالشعلة، تتقد حيويته، وتُضيء كل ما حولها.
"أنا سعيدةٌ جدًا بأنكِ هنا،" قال خالد، وهو ينظر في عينيها. "كنتُ أتمنى أن أراكِ أكثر في الفترة الأخيرة."
"كنتُ مشغولةً بعض الشيء," أجابت ليلى، وهي تتجنب النظر إليه.
"وأنا أيضًا. ولكن، ليلى، هل فكرتِ في ما قلته لكِ؟ عن مستقبلنا؟ عن العائلة؟"
شعرت ليلى بضيقٍ في صدرها. كانت تتمنى لو أن هذا الحديث لم يحدث الآن. "خالد، أنا... أنا لستُ مستعدةً تمامًا. أحتاج إلى بعض الوقت."
تنهد خالد، ولكنه ابتسم. "أتفهم. ولكن، ليلى، أنا مُعجبٌ بكِ حقًا. وأرى فيكِ شريكةَ حياتي. عائلتي تُقدركِ، وأنا أُقدركِ. لا تجعلي الماضي يُعيق مستقبلكِ."
كانت كلمات خالد تُشبه كلمات والدتها. الكل يُريد منها أن تتجاوز الماضي، وأن تُقبل بالحاضر. ولكن كيف لها أن تتجاوز شيئًا كان جزءًا من روحها؟
فجأة، سمعت ليلى اسمًا يُنادى بصوتٍ عالٍ. "أحمد! تفضل، تفضل بالجلوس."
تجمدت ليلى في مكانها. أحمد؟ هنا؟ كيف؟ هل كان قد عاد؟
نظرت باتجاه الصوت، ورأت أحمد واقفًا عند مدخل القاعة، برفقة فايزة. كانت ترتدي فستانًا أبيض، وتُمسك بيده. كان يبدو مختلفًا، أكثر نضجًا، ولكن عينيه كانتا تحملان نفس البريق الذي عرفته.
شعرت ليلى بقلبها يتسارع. كانت هناك نظرةٌ في عيني فايزة، نظرةٌ تجمع بين الثقة والتملك. أما أحمد، فكان يبدو مُتعبًا، مُثقلًا.
لم تستطع ليلى أن تُبقي عينها عليه. أدارت وجهها بسرعة، وشعرت بأنها على وشك الانهيار. هل كان هذا هو المستقبل الذي كتبته لها والدتها؟ هل كان عليها أن ترى أحمد، الرجل الذي أحبته، يعيش حياته مع امرأةٍ أخرى؟
"هل أنتِ بخير يا ليلى؟" سأل خالد، وقد لاحظ شحوب وجهها.
"أنا... أنا بخير. فقط... شعرتُ بالدوار قليلًا." كذبت ليلى، وهي تُحاول أن تستعيد رباطة جأشها.
"ربما عليكِ أن تجلسي قليلًا." اقترح خالد، وهو يقودها إلى طاولةٍ قريبة.
جلست ليلى، وشعرت بأنها تخسر معركتها. كان وجود أحمد في هذا المكان، مع فايزة، بمثابة طعنةٍ جديدة. كانت تتمنى لو أنها لم تأتِ إلى هذا الحفل.
نظرت إلى الطاولة التي جلس عليها أحمد وفايزة. كانت فايزة تبتسم له، وتُحدثه بحماس. وأحمد، كان يُجيبها ببعض الكلمات، ولكنه كان يبدو شارد الذهن.
فجأة، التقت عيناهما. نظرةٌ خاطفة، ولكنها كانت كافيةً لتُشعل كل الذكريات. في عينيه، رأت ليلى شيئًا من الحزن، وشيئًا من الندم. ولكنها لم تستطع أن تُفسره. هل كان حزنًا على الماضي؟ أم على الحاضر؟
بعد لحظات، التفت أحمد بعيدًا، وبدأ يتحدث مع فايزة مرةً أخرى. شعرت ليلى بأن قلبها قد انقبض. كان هذا هو شبح الماضي، يُطاردها في كل مكان. وكان هذا هو نذير المستقبل، مستقبلٌ قد لا يكون لها فيه مكان.
جلست ليلى، وقلبها مثقلٌ بهمومٍ جديدة. كانت تعلم أن مواجهة أحمد، أو على الأقل، رؤيته بهذا الشكل، قد فتحت جرحًا قديمًا، وجعلت الأمور أكثر تعقيدًا. هل كان هناك أملٌ في استعادة ما ضاع؟ أم أن هذا اللقاء كان بداية نهاية كل شيء؟