قلب الأمير الغائب الجزء الثاني
خيوط متقاطعة وآمال معلقة
بقلم سارة العمري
في قصر ولي العهد، كانت الأميرة ليلى تقضي ساعات طويلة تحاول فك رموز الخريطة التي وجدتها. كانت الخريطة مرسومة على جلد قديم، تحمل رسومًا غريبة وكأنها لنجوم في السماء، وبعض الكلمات المكتوبة بلغة لم تعرفها. كانت تبحث في كل الكتب التي تحت يدها، في كل المعاجم القديمة، علها تجد مفتاحًا لهذا اللغز. شعرت بأن هذه الخريطة هي امتداد لما بدأته بالبحث عن قلادة السلالة. ربما كانت القلادة والمفتاح هما البداية، والخريطة هي الدليل الذي سيقودها إلى مكان أو شيء ما.
استعانت ببعض المستشارين المختصين في اللغات القديمة، ولكن لم يتوصل أحد إلى فهم كامل لما هو مكتوب. بدأت تشعر بالإحباط، ولكن ذكرى الأمير بدر كانت تمنحها القوة. كانت تعلم أنه لو كان هنا، لكان وجد طريقة. كان هذا الدافع، هو السبب الذي يجعلها لا تستسلم.
في هذه الأثناء، كان الأمير فهد يعمل بلا كلل لكشف الخيانة. المعلومات التي وصلته عن اللقاء السري كانت مشوشة، لكنه كان يعلم أن الأمر خطير. استطاع تحديد مكان اللقاء، وهو عبارة عن واحة نائية في الصحراء، يقال إنها كانت مركزًا قديمًا للتجارة وربما للاجتماعات السرية. قرر أن يتوجه إلى هناك بنفسه، مع فرقة صغيرة من حراسه المخلصين، ليرى ما سيحدث، وليلقي القبض على الخائن.
عندما وصل إلى الواحة، كانت السماء قد اكتست بلون الغروب. كانت هناك نار صغيرة مشتعلة، وبعض الرجال يجلسون حولها. استطاع فهد تمييز أحد الوجوه، وكان وجه أحد كبار رجال الديوان الملكي، الوزير شهاب، الذي كان يظن فيه الولاء المطلق. كان هذا اكتشافًا صادمًا لفهد. لم يكن يتوقع أبدًا أن يكون شهاب هو الخائن.
اقترب فهد وحراسه، وأمرهم بالهجوم. دار اشتباك سريع، وتمكن الحراس من السيطرة على الوضع. اعترف الوزير شهاب، تحت الضغط، بأنه كان يتواصل مع أحد قادة المتمردين، وأنه كان يزودهم بالمعلومات مقابل وعود بالسلطة والنفوذ بعد سقوط الحكومة. أخبرهم شهاب أيضًا بأن هناك خطة أكبر، وأن اختفاء الأمير بدر مرتبط بهذه الخطة. قال شهاب إن الأمير بدر قد اكتشف أمر المؤامرة، وأنه كان يحاول جمع الأدلة، وأنهم اضطروا إلى إبعاده.
هذا الاعتراف زاد من قلق فهد. إذا كان بدر قد اكتشف المؤامرة، فقد يكون في خطر كبير. سأل شهاب عن مكان بدر، لكن الوزير ادعى أنه لا يعرف شيئًا عن مصيره، وأن دوره اقتصر على تسهيل الاتصالات.
عندما عادت ليلى إلى غرفتها، وجدت خادمتها المخلصة، زينب، تنتظرها. كانت زينب تعرف الكثير عن أسرار القصر، وكانت دائمًا ما تكون سندًا لليلى. قالت زينب: "يا مولاتي، أتذكرين القلادة التي كانت تخص السيدة عائشة، جدتك؟ قلادة السلسلة الفضية المزدوجة، التي تحمل حجرًا أزرق سماويًا؟" فتحت عينا ليلى بتعجب: "نعم، أذكرها! أمي ذكرت لي شيئًا عنها. هل تعرفين أين هي؟" "لقد رأيتها مرة مخبأة في صندوق قديم في غرفة السيدة عائشة. كانت تحت طبقة من الأقمشة الحريرية. لم يجرؤ أحد على فتح الصندوق إلا هي، لأنها كانت تقول إنها مفتاح لشيء عظيم." شعرت ليلى بومضة أمل. قالت: "أين هذه الغرفة؟" قادت زينب ليلى إلى جناح قديم في القصر، جناح لم يعد يستخدم منذ سنوات. كان مليئًا بالغبار والأتربة، ولكن ليلى شعرت وكأنها تسير في طريق مسدود. بحثت في كل مكان، وحين كادت تيأس، تذكرت كلام زينب عن "تحت طبقة من الأقمشة الحريرية". بدأت تبحث في الأثاث القديم، وفي الصناديق المهملة.
بعد ساعات من البحث، وجدت خزانة خشبية صغيرة. كانت مغبرة ومغطاة بنسيج حريري قديم. فتحتها بحذر، لتجد بداخلها علبة مخملية. عندما فتحت العلبة، كان قلبها يكاد يقفز من صدرها. كانت هناك قلادة فضية مزدوجة، ذات تصميم أنيق، تحمل حجرًا أزرق سماويًا يلمع في الضوء الخافت. إنها قلادة السلالة.
وبينما كانت ليلى تتأمل القلادة، لاحظت شيئًا غريبًا. كانت هناك فتحة صغيرة مخبأة في إحدى سلاسل القلادة. أمسكت بها، وضغطت برفق، فانفتح جزء صغير من السلسلة، ليكشف عن تجويف صغير. بداخل التجويف، وجدت لفة صغيرة من الورق.
نظرت إلى الورقة، وبدأت تقرأ. كانت كلمات كتبها الأمير بدر بخط يده. كانت الرسالة تحمل تحذيرًا، وتوجيهًا. كان بدر قد اكتشف مؤامرة كبيرة، وأن هناك من يحاول استغلال غيابه لإحداث فتنة في المملكة. كانت الرسالة تحتوي على أسماء بعض المتورطين، بالإضافة إلى إشارة إلى "مخبأ الأجداد" وأن "المفتاح الأزرق" هو ما سيفتح الطريق.
فهمت ليلى أن "المفتاح الأزرق" هو حجر القلادة، وأن "مخبأ الأجداد" هو ما تشير إليه الخريطة التي وجدتها. بدأت تربط خيوط الأحداث، وأدركت أن بدر لم يختفِ، بل كان في مهمة، مهمة خطيرة لحماية المملكة.
في غضون ذلك، كان الأمير فهد قد عاد إلى القصر. استقبله خبر القبض على الوزير شهاب، واعترافاته. كان هذا الخبر بمثابة ضربة قوية، ولكنه في نفس الوقت فتح له أبوابًا جديدة. أدرك أن اختفاء بدر كان مخططًا له، وأن هناك قوى خفية تحاول زعزعة استقرار المملكة.
في نهاية الفصل، كانت ليلى قد حصلت على القلادة، والرسالة من بدر. كانت الخريطة في يدها، وبدأ لغز "مخبأ الأجداد" يتضح. أما فهد، فقد بدأ يشعر بأن اختفاء بدر ليس مجرد مؤامرة، بل قد يكون له علاقة بأسرار أعمق، ربما تتعلق بتاريخ السلالة نفسها. شعرت ليلى بأنها على وشك كشف الحقيقة، وأن عليها أن تتحرك بسرعة. ولكن إلى أين تقودها هذه الخريطة؟ وما هو "مخبأ الأجداد"؟