قلب الأمير الغائب الجزء الثاني
همسات القدر ونذر الشؤم
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الفجر الأولى، تحمل معها بردًا قارسًا لم تكن دروب الصحراء المعتادة أن تعرفه. كان هذا البرد لا يعكس جو الليل فحسب، بل كان انعكاسًا للبرد الذي اعتصر قلب الأمير عبد الرحمن. منذ ليلة أمس، لم تفارق صورة الأميرة لؤلؤة عينيه. لم تكن مجرد صورة، بل كانت شهادة حية على ما وصل إليه الحال. تلك الرسالة الممزقة، الملطخة بالدم، التي وجدها بين ثنايا عباءتها الملقاة على أرض غرفة الانتظار، كانت بمثابة إعلان حرب على روحه. "لن تتزوجيه... لن نسمح بذلك... هو ملكنا". كلمات قليلة، لكنها حملت من الثقل ما أثقل كاهله، ومن الغموض ما أحاط بمصيره كضباب كثيف.
استيقظ الجميع على وقع خُطى عبد الرحمن المتسارعة في أرجاء القصر. لم يكن هدوء الفجر يطغى على صخب قلقه المتزايد. وجد والده، الملك فهد، في رواقه المعتاد، يتأمل أرجاء القصر الشاسعة، وقد امتلأ وجهه بتجاعيد الترقب. "أبي، هل عندك أي خبر؟" سأل عبد الرحمن بلهفة، وعيناه تبحثان في وجه والده عن بصيص أمل.
تنهد الملك فهد، وأشار بيده نحو شرفة مطلة على الحدائق الصباحية. "لا شيء يا بني. لقد أرسلت جنودي في كل اتجاه، ولكن لا أثر لها. كأنما ابتلعتها الأرض."
"هذه ليست كعادة لؤلؤة، يا أبي. لم تكن لتختفي هكذا دون سبب. هناك أمر ما يجري." قال عبد الرحمن وهو يشد على قبضتيه. "تلك الرسالة..."
"أي رسالة؟" رفع الملك فهد حاجبه متعجبًا.
شرح عبد الرحمن ما وجده، وكان صوت الكلمات المكتوبة في الرسالة يتردد في أذنيه كصدى مخيف. "قالوا إنها ملكهم... وأنها لن تتزوجه. هذا لا يعني إلا شيئًا واحدًا، يا أبي. إنهم عائلة الشيخ جابر، أو بالأحرى، أتباعه. لقد علموا بخطبتنا."
تجهم وجه الملك فهد، وامتلأت عيناه ببريق الغضب. "الشيخ جابر... ذلك الثعبان الذي يتربص بنا. ألم أحذرك من الانجراف وراء أمانيه؟ لم يكن الأمر مجرد طلب للقاء، بل كان خطة للاستيلاء على كل ما نملك، بما في ذلك روح ابنتنا."
"ولكن لماذا لؤلؤة؟ لماذا يريدونها؟" تساءل عبد الرحمن، والشك ينهش قلبه. "هل كان الشيخ جابر يخطط لزواجها سرًا؟ هل هي مجرد قطعة في لعبة أكبر؟"
"الأميرة لؤلؤة هي مفتاح كبير في توازن القوى في هذه المنطقة. سمعت من بعض المصادر أن عائلة الشيخ جابر تسعى لفرض نفوذها على قبائل عدة، وأن زواجها من شخصية رفيعة المستوى في مملكتنا كان سيعزز قوتهم بشكل كبير. لكنهم فشلوا، والآن يحاولون استعادة ما يعتقدون أنه حق لهم." فسّر الملك فهد، وقد بدا عليه الحزن العميق.
"إذاً، هي في خطر." قال عبد الرحمن، وكل خلية في جسده تصرخ بهذه الحقيقة. "علينا أن نجدها. الآن. قبل أن يفعلوا بها شيئًا."
"لا تقلق يا بني. لقد اتخذت كافة الاحتياطات. لقد أرسلت أفضل المحاربين، ووعدتهم بمكافآت عظيمة. ولكن... هل أنت متأكد من أن الرسالة كانت موجهة إلى الأميرة؟"
"نعم، يا أبي. كانت كلماتها واضحة. 'لؤلؤة، لا تدعي الخوف يسيطر عليك. سننقذك. هو ليس لكِ.'" قال عبد الرحمن، وكان يشعر بصقيع يتغلغل في عظامه. "لكن من هو 'هو'؟ وهل كانت هناك أي علامة تدل على من أرسلها؟"
"لا شيء. مجرد كلمات مكتوبة بخط يد أنيق، لكنه مجهول. لا توقيع، لا اسم." أجاب عبد الرحمن، وكان الصمت المطبق الذي خيم على القصر يزيد من وطأة الوضع.
في تلك الأثناء، كانت فاطمة، خادمة الأميرة لؤلؤة المخلصة، قد استيقظت مذعورة. كانت تتذكر الليلة الماضية، وتتذكر كيف استيقظت على صوت أقدام خفية. رأت الأميرة تتسلل من غرفتها، ترتدي عباءة داكنة، حاملة حقيبة صغيرة. حاولت أن تمنعها، لكن الأميرة نظرت إليها بنظرة قوية، قالت فيها بصوت خفيض: "اعتذري لي عن كل شيء، يا فاطمة. إنها ضرورة." لم تفهم فاطمة حينها، لكن الآن، وقد اختفت الأميرة، أدركت أن شيئًا جسيمًا قد حدث.
ذهبت فاطمة مسرعة إلى الأمير عبد الرحمن، وقلبها يخفق بعنف. "يا أمير، رأيت الأميرة لؤلؤة تخرج من غرفتها الليلة الماضية. كانت تتخفى، وبدت وكأنها تخاف. لم أدرك حينها معنى ذلك، ولكن الآن..."
توقف عبد الرحمن عن المشي، ودار وجهه نحو فاطمة. "متى؟ وأين ذهبت؟"
"بعد منتصف الليل بقليل. نحو البوابة الجنوبية. لم أستطع أن أتبعها، فقد سمعت صوتًا غريبًا من الخارج." قالت فاطمة، وقد ارتجف صوتها.
"صوت غريب؟ كيف كان؟" سأل عبد الرحمن بلهفة.
"كأنه صوت احتكاك خفي، وهمسات. ثم سمعت صهيل حصان، لكنه كان مكتومًا، كأنه في مكان بعيد." أجابت فاطمة، وكانت عيناها متسعتين بالخوف.
كل قطعة من الألغاز كانت تزداد غموضًا، وتشير إلى مؤامرة مدبرة. هل ذهبت لؤلؤة طوعًا، أم أنها أُجبرت؟ هل هناك من يحميها، أم أن هناك من يسعى لخداعها؟
"البوابة الجنوبية..." تمتم عبد الرحمن، وعيناه تحدقان في فراغ. "كانت هناك عربة تنتظرها. ورجلان. رأيتهما مختبئين في الظلام."
"رأيتهم؟" سأل الملك فهد بدهشة.
"نعم. كنت أراقب من نافذة غرفتي. اعتقدت أن الأميرة ربما... ربما أرادت أن تأخذ هواءً. لم أتخيل أبدًا أنها ستختفي هكذا." قال عبد الرحمن، وشعر بمرارة تملأ حلقه. "يجب أن أذهب بنفسي. لا أثق بأحد في هذا الأمر. إنها لؤلؤة، وأنا المسؤول عنها."
"أعلم أنك تشعر بالمسؤولية، يا بني." قال الملك فهد، وقد بدا عليه أنه يتحمل ثقل العالم. "ولكن لا يمكنك الذهاب بمفردك. هذه مخاطرة كبيرة. إنهم يعرفون من أنت، ويعرفون قيمتك. قد يكون هذا فخًا."
"وإذا كان فخًا، فسأواجهه." قال عبد الرحمن بصرامة. "لن أقف مكتوف الأيدي بينما تُختطف خطيبتي، وشريكة حياتي. هذا ليس من شيم الفروسية، ولا من شيم رجل يحب."
"أعلم يا بني. ولكن عليك أن تكون حكيمًا. سنرسل معك أفضل رجالنا. ولكنك ستكون القائد. وستكون مهمتك هي استعادة الأميرة بأي ثمن. تأكد من أنك لن تخاطر بحياتك دون داعٍ. لا تزال لدينا خطط لزواجكما، وهذه الخطط لا يمكن أن تتحقق إذا فقدناك."
"لن أفقد حياتي، يا أبي. سأستعيد لؤلؤة، وسنحتفل بزواجنا كما خططنا. ولكن يجب أن نبدأ الآن. كل دقيقة تمر هي دقيقة تبتعد فيها عني." قال عبد الرحمن، وقد تملكه إصرار لا يلعب به.
ارتدى عبد الرحمن عباءته، وأمسك بسيفه، وعيناه تتوهجان بالإصرار. كان يعرف أن هذه الليلة ستكون بداية لحرب، حرب لا يعرف نهايتها، ولكنها حرب سيخوضها بكل ما أوتي من قوة، من أجل حبه، ومن أجل وعده. وبينما كان يتجه نحو البوابة الجنوبية، كان يشعر بثقل المسؤولية، ولكنه كان يشعر أيضًا بقوة لم يعرفها من قبل. إنها قوة الحب، وقوة الإصرار، وقوة العزم على حماية من يحب.