قلب الأمير الغائب الجزء الثاني
ظلال الصحراء وحقيقة الأسر
بقلم سارة العمري
استمرت رحلة عبد الرحمن وقافلته في قلب الصحراء، تتبع أثر خيوط مؤامرة بدأت تتكشف شيئًا فشيئًا، ولكنها ازدادت غموضًا وتعقيدًا. لم يعد الأمر يتعلق فقط باستعادة الأميرة لؤلؤة، بل أصبح يتعداه إلى فهم ماضي غامض، وماضٍ يبدو أنه مرتبط بعمق بالقدر. الوشم الذي وجده على الصخرة، والرموز الغريبة التي بدأت تتكرر، كلها كانت تشير إلى أن هناك قوى أقدم من مجرد نزاعات سياسية أو شخصية تسعى للسيطرة.
"يا أمير،" قال مرزوق، وهو يمسك بقطعة قماش قديمة وجدها مدفونة جزئيًا في الرمال. "هذه القماش عليها نفس الرموز. ولكن هنا... هناك نقش آخر."
اقترب عبد الرحمن، وتفحص القطعة. كان هناك حرف واحد، قديم، لم يعد يستخدم في اللغة العربية المعاصرة.
"هذا حرف 'ن' بالخط القديم." قال عبد الرحمن، وقد تذكر بعض الدروس التي تعلمها عن اللغات البائدة. "ماذا يعني هذا؟"
"لا أدري يا أمير. ولكنني أشعر أن هذه القافلة التي تقودنا تسير بنا نحو مصير مجهول. وهناك ما يوجهها." أجاب مرزوق.
"من؟" سأل عبد الرحمن بلهفة. "من يوجهها؟"
"لا أعرف. ولكنني أشعر بأنها ليست مجرد مجموعة من اللصوص. إنهم يعملون وفق خطة. خطة أقدم من الشيخ جابر نفسه." قال مرزوق، وكان صوته مليئًا بالرهبة.
وفي هذه الأثناء، كانت الأميرة لؤلؤة تعيش أيامًا قاسية في الأسر. لم يكن الأسر مجرد حبس، بل كان تحولًا قسريًا إلى عالم مختلف. كانت محتجزة في كهف واسع، تزينه رسوم غريبة على الجدران، تشبه تلك التي رأتها في الكتاب الذي وجده عبد الرحمن. كانت تقضي أيامها في محاولة فهم ما يحدث، وفي البحث عن بصيص أمل.
"لماذا أنا هنا؟" سألت لؤلؤة بصوت خفيض، وهي تتحدث إلى نفسها. "من يريدني؟ وماذا يريدون مني؟"
كانت تقضي وقتها في قراءة الكتاب القديم، الذي بدا أنه كان معها قبل أن تُختطف. لم تكن تفهم كل شيء، ولكنها كانت تشعر بأن هذا الكتاب يحمل مفتاحًا لماضي عائلتها، وماضي غامض قد يكون مرتبطًا بنبوءات وأحداث قديمة. كانت تتذكر كلمات جدتها، التي كانت تتحدث دائمًا عن "نجمة المستقبل" وأن هناك من سيسعى للسيطرة عليها.
"هل أنا هي نجمة المستقبل؟" تساءلت لؤلؤة، وقد بدأت الشكوك تنمو في قلبها. "ولماذا يريدون إبعادي عن عبد الرحمن؟"
لم تكن تفهم سبب الرسالة الممزقة التي وجدها عبد الرحمن. لم تكن تعرف أن الرسالة وُجدت. كانت تعلم فقط أنها اختُطفت، وأنها في خطر.
في تلك الليلة، تسللت لؤلؤة من مكان احتجازها. سمعت صوت حراسة يتغير، وشعرت بفرصة سانحة. تسللت بخفة، تحمل معها الكتاب القديم، وملابس خشنة، وبعض التمر. بدأت تبحث عن مخرج، عن طريق للهروب.
"لا يمكنني أن أبقى هنا." همست لنفسها. "يجب أن أعود إلى عبد الرحمن. يجب أن أخبره بكل شيء."
وبينما كانت تتسلل في الظلام، سمعت صوتًا. صوت رجل يتحدث بهمس، لكنه لم يكن صوت حارس. كان صوتًا عميقًا، ومألوفًا بشكل غريب.
"هل أنتِ مستعدة؟" سأل الصوت.
"نعم." أجابت لؤلؤة، وقد شعرت بأن قلبها يخفق بعنف.
"تذكري، القوة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الروح. وعليكِ أن تختاري مصيركِ." قال الصوت.
"ولكن... من أنت؟" سألت لؤلؤة.
"أنا من سيوجهكِ. وأنا من سيعلمكِ. والشيخ جابر ليس سوى أداة في يد قوى أكبر." قال الصوت.
شعر عبد الرحمن، وهو يواصل رحلته، بأن هناك شيئًا غير طبيعي. كان يشعر بأنهم يسيرون في دوامة. كانت الآثار تظهر وتختفي، وكأنها تتلاعب بهم.
"يا أمير،" قال صالح، وهو يشير إلى كهف كبير في جانب الجبل. "أرى ضوءًا خافتًا من الداخل."
"ضوء؟" قال عبد الرحمن. "هل يمكن أن يكونوا هناك؟"
"ربما. أو ربما يكون مجرد خدعة." أجاب صالح.
"سنقترب بحذر." أمر عبد الرحمن.
عندما وصلوا إلى مدخل الكهف، وجدوا أنه واسع جدًا، وتزينه رسوم غريبة على الجدران. كانت تلك نفس الرموز التي وجدوها في الكتاب.
"هذه هي نفس الرموز." قال عبد الرحمن، وقد تملكه شعور بالرهبة. "هل كان هذا مكان احتجازها؟"
"لا أدري يا أمير. ولكنني أشعر ببرودة غريبة هنا." قال صالح.
وفجأة، سمعوا صوتًا. صوت امرأة.
"عبد الرحمن؟"
تجمد عبد الرحمن في مكانه. لم يكن صوتًا عاديًا، بل كان صوتًا يحمل أملًا، ويحمل خوفًا.
"لؤلؤة؟" نادى عبد الرحمن، وقد تملكه الخوف والأمل في آن واحد.
"أنا هنا." أجاب الصوت. "تعال."
ركض عبد الرحمن نحو مصدر الصوت، وتبعه صالح. وجدوا الأميرة لؤلؤة، تقف وسط الكهف، ترتدي ملابس خشنة، وتحمل كتابًا قديمًا. كان وجهها شاحبًا، ولكن عينيها كانتا تشعان بعزم جديد.
"لؤلؤة! الحمد لله أنكِ بخير." قال عبد الرحمن، وقد شعر بأن قلبه ينهض من بين أنقاض القلق.
"أنا بخير، يا عبد الرحمن. ولكن... لم أكن وحدي." قالت لؤلؤة، وهي تنظر حولها.
"ماذا تقصدين؟" سأل عبد الرحمن.
"هناك من يساعدني. هناك من يوجهني. والشيخ جابر... ليس هو العقل المدبر." قالت لؤلؤة، وقد بدأت تقول شيئًا لم يكن عبد الرحمن يتوقعه.
"إذاً، من هو؟" سأل عبد الرحمن.
"لا أعرف اسمه، ولكنني أعرف أنه يسعى لتحقيق نبوءة قديمة. نبوءة تتعلق بـ... بـ 'نجمة المستقبل'." قالت لؤلؤة، وقد بدت الكلمات ثقيلة على لسانها.
"نجمة المستقبل؟" رفع عبد الرحمن حاجبه. "ما هذا؟"
"لا أعرف بالضبط. ولكنني أشعر بأن هذا الكتاب هو مفتاح فهم كل شيء. وأن الشيخ جابر كان يريدني أن أكون مجرد دمية في يد قوى أكبر." قالت لؤلؤة، وقد بدأت تروي قصة أصبحت أكثر تعقيدًا مما تخيل.
"ولكن الرسالة التي وجدتها... 'هو ليس لكِ'. من قال ذلك؟" سأل عبد الرحمن.
"لم أكتب تلك الرسالة." قالت لؤلؤة، وقد بدا عليها الارتباك. "ولم أرها من قبل."
"إذاً، من كتبها؟ ومن يريد إبعادي عنكِ؟" تساءل عبد الرحمن، وقد شعر بأن خيوط المؤامرة تتشابك أكثر فأكثر.
"لا أدري. ولكنني أعتقد أن هناك من يريدني أن أتزوج شخصًا آخر. شخصًا له علاقة بـ... بـ 'نجمة المستقبل'." قالت لؤلؤة، وقد بدأت تشعر بأن حياتها ليست ملكها.
"شخص آخر؟" تكرر عبد الرحمن، وقد شعر ببرودة تسري في عروقه. "لا، هذا لن يحدث. أنتِ لي، يا لؤلؤة. ولن أتخلى عنكِ."
"وأنا أيضًا يا عبد الرحمن. ولكنني أشعر بأن هناك ما هو أكبر منا. وأننا لسنا وحدنا في هذه المعركة." قالت لؤلؤة، وقد نظرت إلى الرسوم الغريبة على جدران الكهف.
"سنتجاوز كل هذا معًا." قال عبد الرحمن، وقد احتضنها بقوة. "ولكن يجب أن نعرف من هو هذا الشخص، وماذا يريد. ولماذا هذه النبوءة؟"
"لقد أخبرني ذلك الصوت الغامض أن الشيخ جابر يسعى للسيطرة على القوة التي ستمنحها 'نجمة المستقبل'. وأن هذه القوة قد تكون دمارًا أو خلاصًا." قالت لؤلؤة.
شعر عبد الرحمن بأنهم يقفون على حافة عالم آخر. عالم لم يكن يعلمه، عالم تتداخل فيه الأساطير مع الواقع، والقوى الخفية مع القدر.