قلب الأمير الغائب الجزء الثاني
همسات الوادي الغامض
بقلم سارة العمري
كان الليل قد أرخى سدوله على الصحراء، والنجمة القمرية تضيء بوهج خافت، كأنها تبكي حزنًا على قصة قديمة. تسلل فهد، يتبعه جمله الوفي "صخر"، عبر ممرات الوادي الصخري، الذي كان يبدو وكأنه سجن طبيعي نحتته يد الزمن. كل حجر، كل شق، كان يحمل بصمة الأسرار. كانت قطعة القماش الزرقاء التي عثر عليها، لا تزال بين يديه، كأنها خيط سحري يقوده في متاهة الظلام.
لم يكن الوادي مكانًا مألوفًا. كانت صخوره سوداء، صلبة، تنمو عليها نباتات صحراوية قليلة، صامدة في وجه القسوة. كان الهواء باردًا، يحمل رائحة التراب الرطب ونباتات المرّ. بدأ فهد يشعر بوجود شيء غير طبيعي، كأن الوادي نفسه يحمل طاقة غامضة، طاقة قديمة، تتداخل مع نبض قلبه المتسارع.
"يا صخر، هل تشعر بهذا؟" همس فهد، وصوته يتردد بين جدران الوادي. "كأن هذا المكان يحكي قصصًا."
لم يرد صخر، لكنه استمر بالسير بحذر، خطوة بخطوة، وكأنما يفهم مدى أهمية هذه الرحلة. كان فهد قد تعلم على مدار سنوات البحث الطويلة أن يستمع إلى حدسه، وأن يثق في إشارات الطبيعة. لقد فقد أملًا كثيرًا، لكنه لم يفقد إيمانه بأن هيا لا تزال على قيد الحياة.
اقترب فهد من مدخل كهف صغير، يبدو وكأنه مخبأ طبيعي. كانت هناك آثار أقدام واضحة، أحدث من الأثر الذي وجده سابقًا. تتبعها بحذر، وسحب سيفه، واستعد لأي مفاجأة. لم يكن ينقصه الشجاعة، بل كانت الشجاعة لديه مزيجًا من الحب الذي لا يزال يكنه لها، ومن الغضب على من خطفها، ومن اليأس الذي كان يحاول كبحه.
داخل الكهف، كان هناك ضوء خافت يتسلل من شق في السقف. رآه فهد، ثم سمع صوتًا. صوت امرأة. صوت هادئ، رقيق، يحمل نبرة حزن عميق. هل يمكن أن تكون هيا؟
"من هناك؟" نادى فهد، وصوته يحمل أملًا ممزوجًا بالخوف.
ساد الصمت للحظات. ثم، سمع فهد صوتًا آخر، صوت رجل، خشن، حاد.
"لا تقترب أيها الغريب. هذا المكان لنا."
شعر فهد بالبرودة تسري في عروقه. لم يكن يتوقع أن يواجه خصمًا. لكنه كان مستعدًا.
"أنا الأمير فهد بن سلطان. أبحث عن زوجتي، الأميرة هيا. إن كانت لديكم، فأعيدوها إلي."
ضحك الرجل ضحكة ساخرة، ثم خرج من الكهف. كان رجلًا ضخم الجثة، يرتدي ملابس داكنة، وعلى وجهه ندوب قديمة. كان يحمل سيفًا كبيرًا، ذو نصل عريض.
"الأمير فهد؟" قال الرجل بسخرية. "لقد سمعنا عنك. البحث الدؤوب، والوعد الذي قطعته. لكن الأميرة هيا ليست هنا. لقد رحلت."
"رحلت؟ إلى أين؟" سأل فهد، وعيناه تلتهمان الرجل، يبحث عن أي علامة للكذب.
"هذا لا يعنيك. لقد اختارت طريقها. طريق لا تستطيع أنت أن تفهمه."
"هذا كذب! لم تكن لتتركني أبدًا. كانت تحبني."
"الحب؟ الحب في الصحراء هش كالزهرة في مهب الريح. لقد وجدنا الأميرة هيا، ومنحتها ملجأً. هي الآن تبحث عن مكان جديد، عن حياة جديدة."
"ملجأ؟ بل خطف! من أنتم؟ وماذا تريدون؟"
"نحن من نعيش في الظل، يا أمير. من نحمي من لا يستطيع حماية نفسه. والأميرة هيا، لقد كانت في حاجة إلينا. لم تجد ما تبحث عنه في قصورك الفاخرة."
كانت كلمات الرجل تحمل شيئًا من الصدق، شيئًا جعل فهد يتوقف لحظة. لقد كان يشعر بأن هيا كانت تبحث عن شيء أكبر من مجرد حياة القصر، عن شيء أعمق من الرفاهية. لكن لم يكن هذا سببًا للخطف.
"إذا كانت حقًا تريد الرحيل، فلم أخفتموها؟ لم أخفتم آثارها؟"
"كانت تخاف. الخوف هو أشد أعداء الإنسان. ونحن لم نسرقها، بل أنقذناها."
"أنقذتموها؟ أنقذتموها من ماذا؟"
"من قيود لم تعد تتحملها. من مستقبل لم تكن تريده."
"وأين هي الآن؟ أين وجهتها؟"
"هذا سر. سر لا يمكننا الكشف عنه. لكن يمكنني أن أقول لك شيئًا واحدًا: ابحث عن قلبها، لا عن ماضيك. فإذا كان قلبها معك، فستجدها."
قال الرجل هذه الكلمات، ثم استدار، ودخل الكهف مرة أخرى. لم يحاول فهد اعتراضه. كان يشعر بأن هذا الرجل ليس عدوه بالكامل، بل ربما كان حارسًا لسر.
خرج فهد من الوادي، وقلبه مثقل بالحيرة. هل كانت هيا حقًا قد رحلت؟ هل اختارت طريقًا جديدًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فهو لن يجبرها على العودة. لكن إذا كان هذا الرجل يكذب، وإذا كانت هيا لا تزال في خطر، فلا يمكنه التوقف.
نظر إلى قطعة القماش الزرقاء في يده. كانت الآن تبدو كرمز للحزن، رمز لسر لم يتم كشفه. شعر بأن الصحراء قد كشفت له جزءًا صغيرًا من الحقيقة، لكنها أبقت الجزء الأكبر مخبأً.
"قلبها..." تمتم فهد. "سأبحث عن قلبها."
ركب صخر، واتجه نحو الأفق. كانت النجوم قد تفرقت في السماء، وبدأت السماء تبدو أفتح. كان لديه شعور متزايد بأن هذه ليست نهاية الرحلة، بل مجرد بداية. وأن سر الأميرة هيا أعمق مما كان يتخيل.