قلب الأمير الغائب الجزء الثاني

أشباح الماضي ونداء القلب

بقلم سارة العمري

امتدت الصحراء أمام فهد كبحر لا نهاية له من الرمال الذهبية، تحت سماء صافية لم تعكر صفوها سحب. بدأت القافلة التي كان يلاحقها تخيم في واحة صغيرة، وظهرت خيمها البيضاء كأنها زهور تتفتح وسط الرمال. كان الهواء يحمل رائحة الماء العذب، وزهور النخيل. شعر فهد بالإثارة تتسرب إلى روحه. لقد كان قريبًا جدًا.

لم يرد فهد أن يظهر فجأة، فيثير الريبة. نزل عن جمله "صخر"، وربطه بشجرة نخيل قريبة، ثم بدأ يتجول في الواحة، متظاهرًا بالبحث عن شيء. كانت هناك أصوات، ضحكات، وأغاني خفيفة. كان الناس يعيشون حياتهم، يعيشون لحظتهم، وكأنهم لا يحملون همومًا.

رأى فهد امرأة تجلس بمفردها، بعيدة عن الآخرين، ترسم في دفتر ملاحظات. كانت ترتدي ملابس فضفاضة، تغطي رأسها بوشاح أبيض. شعر فهد بشيء غريب، نبضة قلب قوية. اقترب ببطء، وعيناه مثبتتان عليها.

كلما اقترب، كلما تأكد. كانت تلك هي هيا. هيا، التي تغيرت قليلاً، لكن روحها كانت لا تزال مشرقة. كانت عيناها، رغم الحزن الذي كان يلفهما، تحملان نفس البريق الذي عرفه. كانت أصابعها، التي كانت ترسم، كانت هي نفسها الأصابع التي كانت تعزف على العود، والتي كانت تربت على وجنتيه.

"هيا؟" نطق فهد باسمها، بصوت بالكاد مسموع.

التفتت المرأة، وعيناها الواسعتان اتسعت بصدمة. سقطت قلم الرسم من يدها.

"فهد؟"

كانت عيناهما تلتقيان، كأنها لحظة في الأبدية. كانت صامتة، غير قادرة على الكلام، وهو كذلك. كان الهواء يمتلئ بتيار كهربائي، مزيج من الحب المكبوت، والحزن المدفون، والأسئلة التي لا تعد ولا تحصى.

"هيا، لقد بحثت عنك كل هذه السنوات." قال فهد، وتقدم نحوها.

"وأنا... وأنا لم أكن أعرف أين أذهب." أجابت هيا بصوت مرتعش، وعيناها تلمعان بالدموع.

"منذ متى؟ متى رحلتِ؟ ولماذا؟" سأل فهد، وقلبه يعتصر.

"لقد... لقد شعرت بالاختناق يا فهد. شعرت بأنني لم أعد أنا. كل شيء كان محددًا، كل شيء كان مرتبًا. كنت أفتقد شيئًا، شيئًا لا يمكنني وصفه."

"لكنكِ تركتِني. تركتِ كل شيء."

"أعلم. وأنا آسفة. أشد الأسف. لكني لم أكن أملك القوة لأقول لك. لم أكن أملك القوة لأبقى."

"لكنكِ الآن هنا. مع هؤلاء الناس. هل أنتِ سعيدة؟"

"أنا... أنا أجد راحتي هنا. أجد إلهامي. أرسم ما أشعر به، وأغني ما أحلم به. لقد وجدت نفسي هنا، بطريقة ما."

"هل تجدين نفسكِ بعيدًا عني؟" سأل فهد، وصوته يحمل لهجة الألم.

"لا، فهد. هذا ليس صحيحًا. لم أكن أستطيع أن أكون معكِ في تلك الظروف. لم أكن أستطيع أن أكون الزوجة التي تتوقعها مني. كنت بحاجة إلى مساحة، إلى وقت لأفهم ما أريده حقًا."

"ماذا كنتِ تريدين حقًا يا هيا؟"

"كنت أريد أن أكون حرة. حرة في اختياراتي، حرة في فنوني، حرة في روحي. لقد كنتِ طيبًا جدًا يا فهد، ولكنك لم تفهم أن روحي كانت تسعى لشيء آخر."

"هل هذا ما قاله لكِ أولئك الذين ساعدوكِ في الوادي؟"

"لم يقلوا لي شيئًا. لقد فهموني. لقد رأوا فيّ ما لم يرونه هم. لقد منحوني الفرصة لأكون أنا."

كانت كلماتها قاسية، لكنها كانت صادقة. شعر فهد بأن قلبه ينكسر، ولكن في نفس الوقت، كان يشعر بشيء من الفهم. لقد كان يحب هيا، لكنه لم يحاول يومًا أن يفهم دوافعها الحقيقية، وأن يدعم أحلامها الفنية.

"لكننا تزوجنا يا هيا. كنا قد وعدنا بعضنا بعضًا."

"والوعد، يا فهد، لا يمكن أن يكون قفصًا. لا يمكن أن يكون سجنًا. لقد كان حبنا جميلًا، لكن حبنا لم يكن كافيًا لكسر جدران اختياراتي."

"هل هذا يعني أنكِ لن تعودي؟"

"لا أعرف يا فهد. لا أعرف ما سيحدث. لكني أطلب منك أن تفهمني. أن تمنحني الوقت الذي أحتاجه. إذا كان حبك لي صادقًا، فستعطيني هذه المساحة."

نظر فهد إلى هيا، إلى وجهها الذي يحمل آثار رحلة طويلة، وإلى عينيها اللتين تحملان مزيجًا من الحزن والأمل. لقد كان يدرك أن هيا لم تكن مجرد أميرة، بل كانت فنانة، كانت روحًا تبحث عن معنى.

"سأعطيكِ الوقت الذي تحتاجينه يا هيا." قال فهد، وصوته يحمل نبرة من الاستسلام. "لكن تذكري، أن قلبي لا يزال متعلقًا بكِ. وأنني لم أتوقف عن حبك أبدًا."

"وأنا... وأنا أتذكر كل لحظة جميلة قضيناها معًا يا فهد." قالت هيا، ودمعة سالت على خدها.

شعر فهد بأن قلبه قد فقد قطعة منه، قطعة كانت تنبض بالحياة. لكنه كان يعلم أن هذا هو الطريق الصحيح. كان عليه أن يسمعها، أن يفهمها، وأن يحبها كما هي، بكل تعقيداتها، بكل أحلامها.

عاد فهد إلى جمله "صخر"، وقلبه مثقل. لقد وجد هيا، لكنه لم يستعدها. لقد وجدها، لكنه وجدها مختلفة، وجدت نفسها، وجدت طريقها. هل كان هذا هو الحب الحلال الذي يبحث عنه؟ الحب الذي يمنح الحرية، الذي يدعم الاختيارات، الذي ينمو من الفهم والاحترام؟

بدأ فهد في إعادة تقييم كل شيء. لقد كان يبحث عن زوجته، لكنه الآن كان يبحث عن فهم أعمق لحبه. كان عليه أن يتعلم كيف يحب هيا كشخص، وليس كأميرة، كزوجة، كحلم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%