قلب الأمير الغائب الجزء الثاني
سموم الكلمات ونيران الخيانة
بقلم سارة العمري
كان الليل قد أسدل ستاره على القصر، ولكن لم ينم جلال الأمير سعود. كان يقلب في فراشه، وأفكار متشابكة كعقدة يصعب فكها. كانت كلمات جواهر تتردد في أذنيه كجرس إنذار، ورسالة صديقه القديم ما زالت تثير فيه القلق. لم يعد الأمر مجرد حزن عميق على فراق الأميرة نوره، بل بات يشعر بأن هناك تهديداً حقيقياً يلوح في الأفق، تهديداً يحاول أن يستغل ضعفه وحالته النفسية.
جلس على حافة سريره، ونظر إلى يده التي كانت تمسك بتلك الخرزة الصغيرة، خرزة من مسبحة الأميرة نوره. كانت تلك الخرزة بمثابة مرساته في بحر من الشكوك. تذكر كيف كانت الأميرة نوره تقول له دائماً: "يا سعود، عندما تشتد عليك الأمور، وتضيع في متاهات الحياة، عد إلى قلبك، وعد إلى يقينك. الحق واضح، والباطل واضح، والفرق بينهما يكمن في النور الذي تشع به روحك."
كانت كلماتها تبدو الآن بعيدة المنال. كان يشعر بأن روحه مظلمة، وأن النور قد خبا. ولكن، هل كان هذا هو الوقت للاستسلام؟ هل كانت الأميرة نوره لترضى أن يرى ضعفاً كهذا؟
قام من مكانه، وجال في غرفته. أضاء مصباحاً خفيفاً، وبدأ يتفحص بعض الأوراق التي كانت مبعثرة على مكتبه. كانت هناك تقارير مالية، ورسائل رسمية، وبعض الملاحظات التي كان يدونها في أوقات فراغه. لكن شيئاً لم يلفت انتباهه بشكل خاص، حتى وقعت عيناه على مذكرة صغيرة، مدسوسة بين أوراق تقرير مالي.
كانت المذكرة مكتوبة بخط يد سريع، ومميز. لم يكن خطه. تذكر أنه رأى هذا الخط من قبل. لقد كان خط "جمال"، أحد مساعدي مالك. فتح المذكرة بحذر.
"التنفيذ في أقرب وقت،" كانت هذه الكلمات هي ما كُتب. "الأمير في أضعف حالاته. سنضع الخطة البديلة. لا تدع أي شيء يعيق مسارنا. ثروة القصر تنتظر."
كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقة كهربائية ضربت جسده. لم تعد الشكوك مجرد وساوس، بل تحولت إلى حقائق مؤلمة. كان هناك من يخطط ضده، وضد ممتلكاته. وكان مالك هو العقل المدبر.
كيف لم يدرك هذا من قبل؟ كيف سمح لشخص مثل مالك بأن يدخل إلى دائرة صنع القرار؟ لقد كان تركيزه كله منصباً على حزنه، على فقدانه، لدرجة أنه أهمل كل شيء آخر.
تذكر كيف كان مالك يقدم له النصائح، وكيف كان يظهر اهتمامه العميق بشؤون المملكة. كان كل ذلك مجرد تمثيل، مجرد خبث في ثوب طيب.
"سموم الكلمات،" تمتم سعود، وهو يشعر بالمرارة. "لقد سكب عليّ سموم كلماته، وأنا غارق في حزني، لم أستطع التفريق بين النصيحة والخيانة."
كانت هذه الخيانة أشد وطأة من أي ألم آخر. لم تكن خيانة شخص غريب، بل خيانة رجل كان يثق به، أو هكذا كان يظن.
خرج سعود من غرفته، وتوجه نحو مكتب والده القديم، الذي كان مهجوراً منذ سنوات. كان ذلك المكتب بالنسبة له مكاناً مقدساً، مكاناً كان يجلس فيه والده، الحاكم العادل، ويتخذ قراراته الحكيمة. كان يأمل أن يجد فيه بعض الإلهام، وبعض القوة.
جلس على كرسي والده، ونظر حوله. كانت هناك صور قديمة، ومخطوطات قيمة، وسيف قديم كان يحمله والده في المعارك. لم تكن مجرد أشياء، بل كانت رمزاً للرجولة، وللشرف، وللمسؤولية.
"يا أبي،" قال سعود بصوت هامس، وكأنه يتحدث إلى روحه. "لقد تركتني أواجه هذا الظلام وحدي. لقد كنت أعتقد أني قوي، ولكنني لم أكن أرى سوى ما أريد أن أراه."
كانت تلك اللحظة هي لحظة يقظته الحقيقية. لم تعد الأمور متعلقة بالحزن وحده، بل أصبحت معركة من أجل البقاء، ومعركة من أجل الحفاظ على ما بناه والده.
في تلك الأثناء، كان مالك ورجاله يشعرون بالاطمئنان. لقد اعتقدوا أن الأمير سعود قد أصبح ضعيفاً لدرجة لا يمكنه معها أن يشكل أي خطر.
"لقد اقتربنا من هدفنا،" قال مالك لجمال في اجتماع سري. "الأمير غارق في حزنه. لن يلاحظ أي شيء. سنبدأ في تنفيذ المرحلة التالية من الخطة."
كانت المرحلة التالية تتضمن نشر الفساد في المؤسسات الحكومية، وإثارة الفوضى في الأسواق، وربما حتى محاولة اغتيال بعض المسؤولين المخلصين للأمير، لتشتيت انتباهه وزيادة قلقه.
"ما هي المرحلة التالية بالضبط؟" سأل جمال.
"سنقوم بتخفيض قيمة العملة بشكل سري،" أجاب مالك. "ونقوم بشراء كميات كبيرة من القمح والذهب. عندما ترتفع الأسعار بشكل جنوني، سنقوم ببيع ما اشتريناه، وسنحقق أرباحاً طائلة، بينما ستعاني المملكة. بالإضافة إلى ذلك، سنقوم بإطلاق شائعات عن خيانات في الجيش، لزرع الشك بين الجنود وقادتهم."
كانت خطة قذرة، مدمرة، لكنها فعالة. وكان مالك واثقاً من نجاحها.
عاد الأمير سعود إلى غرفته، وكان يشعر بأن هناك ثقلاً جديداً قد أضيف إلى كاهله. لم يعد الأمر مجرد ثقل الحزن، بل ثقل المسؤولية، وثقل مواجهة الخيانة.
نظر إلى مسبحة الأميرة نوره، وأمسك بها بقوة. "لن أسمح لأحد بأن يفسد ما بنيناه،" قال بصوت حازم. "لن أسمح لأحد بأن يستغل ضعفي. سأقاتل، حتى لو كان الثمن حياتي."
كانت تلك الكلمات هي بداية تحوله. لقد أدرك أن الحزن ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية طريق جديد، طريق الشجاعة، وطريق المواجهة. وأن سموم الكلمات، ونيران الخيانة، لن تستطيع أن تطفئ شعلة الحق التي ما زالت تشتعل في قلبه، وإن كانت خافتة.