قلب الأمير الغائب الجزء الثاني

خيوط النسيج المتشابكة

بقلم سارة العمري

لم يكن الأمير سعود ينام طويلاً في تلك الليالي. كانت عيناه الحمراوان تشهدان على سهر طويل، وذهن متيقظ. لقد تبدد ضباب الحزن ليحل محله وضوح مرير، وضوح أدرك فيه أن عالمه لم يعد آمناً. لقد أدرك أن القوى التي تحاربه لم تكن مجرد أشباح ماضٍ، بل كانت كيانات حقيقية، لها أهداف ومخططات.

قرر سعود أن الوقت قد حان للتحرك. لم يعد بإمكانه الانتظار، أو السماح للخيانة بأن تتفشى. كانت رسالة صديقه القديم، ومذكرة جمال، كلاهما قد فتحا عينيه على حقيقة لم يكن يرغب في رؤيتها.

في صباح اليوم التالي، استدعى سعود اثنين من رجاله الموثوقين. الأول كان "زيد"، قائد الحرس الشخصي، رجل يتمتع بولاء لا يتزعزع وشجاعة لا تعرف الكلل. والثاني كان "سالم"، مستشار مالي شاب، يتمتع بذكاء حاد وبصيرة ثاقبة، وكان من المقربين جداً من الأميرة نوره.

"زيد،" قال سعود، وهو ينظر إلى عينيه المخلصتين. "أريدك أن تزيد من حراسة القصر، وأن تتأكد من أن لا يدخل أحد أو يخرج دون إذن. أريد أن أعرف من هو الداخل والخارج، ومن يلتقي بمن."

"أمرك يا سيدي،" أجاب زيد بانحناءة. "سأجعل عيوني مفتوحة، ولن يمر شيء دون علمي."

ثم التفت سعود إلى سالم. "سالم، أريدك أن تراجع جميع الحسابات المالية للمملكة، وخاصة الصفقات الكبيرة التي تمت في الأشهر الأخيرة. أريد أن أعرف أين ذهبت الأموال، ومن المستفيد منها. ابحث عن أي تلاعب، أي اختلاس، أي صفقة مشبوهة."

"سأبذل قصارى جهدي يا أمير،" قال سالم، وهو يشعر بجدية الموقف. "ولكن، هل لديك سبب محدد لهذا التدقيق المفاجئ؟"

"نعم،" أجاب سعود بجدية. "أشك في وجود فساد كبير. وهناك من يستغل وضعي الحالي لتحقيق مكاسب غير مشروعة."

كان سعود يعرف أن هذه المهمة لن تكون سهلة. كان يعلم أن الفساد قد تسلل إلى أعمق مستويات الحكم، وأن مالك ورجاله قد زرعوا بذور الخيانة في أماكن يصعب الوصول إليها.

في تلك الأثناء، كانت الأميرة "ليلى"، أخت الأميرة نوره الصغرى، تشعر بقلق متزايد. لقد كانت في زيارة خاطفة للقصر، ولمست التغيير الكبير في جوه. رأت الأمير سعود شاحباً ومنهكاً، ورأت بعض الوجوه الغريبة تتجول في أروقة القصر، وسمعت همسات لم تفهمها.

كانت ليلى فتاة ذكية، وشابة، تتمتع بشخصية قوية. لقد كانت تحب أختها نوره حباً جماً، وشعرت بالأسى لفقدانها. ولكنها كانت أيضاً قلقة على مستقبل المملكة، وعلى الأمير سعود.

"يا أمير،" قالت له ذات يوم، وهي تجلس معه في الحديقة. "هل أنت بخير؟ تبدو متعباً جداً."

نظر إليها سعود بامتنان. "أشكرك على اهتمامك، يا ليلى. الأمور ليست سهلة."

"أعلم،" قالت له. "ولكن، هل هناك شيء يمكنني فعله؟ أنا على استعداد للمساعدة بأي شكل."

"ربما،" قال سعود، وهو يفكر. "ربما يمكن أن تساعديني في فهم بعض الأمور. لقد شعرت بأن هناك بعض التغييرات التي تحدث، وأخشى أن أكون غافلاً عنها."

كان سعود يدرك أن ليلى قد تكون عوناً له. لقد كانت قريبة من أخته نوره، وقد تكون لديها معلومات لا يعرفها. كما أنها كانت من خارج دائرة الضغط المباشر، مما يجعلها قادرة على رؤية الأمور من منظور مختلف.

"ما الذي تقصدينه بالضبط؟" سألت ليلى.

"هناك رجل يدعى مالك،" بدأ سعود يشرح. "لقد أصبحت له الكلمة العليا في الكثير من الأمور. وأشك في أن نواياه ليست حسنة."

ذهلت ليلى. "مالك؟ لقد كنت أسمع عنه بعض الأشياء. أختي نوره كانت تحذرني منه دائماً. كانت تقول إنه رجل مخادع، وأن عينيه لا تعكسان صدقاً."

كانت كلمات ليلى بمثابة تأكيد لما كان يشعر به سعود. لقد كانت الأميرة نوره على حق.

"وهناك أيضاً بعض المستشارين الذين كانوا يعملون مع والدي،" تابع سعود. "بعضهم بدأ يدعم مالك، وأشعر بأنهم يضللوني."

"والدي كان دائماً يثق في نزاهتهم،" قالت ليلى بتعجب. "لكن ربما تغيروا."

بدأت الأمور تتضح تدريجياً. خيوط النسيج المتشابكة بدأت تتفكك. كان مالك ورجاله يستغلون حزن سعود، ويسعون لتفكيك هياكل الحكم، ونشر الفساد. وكان بعض المستشارين القدامى، ممن باعوا مبادئهم، يساعدونهم في ذلك.

في هذه الأثناء، كان سالم، المستشار المالي، قد بدأ يكشف عن أدلة ملموسة على التلاعب المالي. لقد اكتشف تحويلات سرية لأموال ضخمة إلى حسابات مجهولة، وصفقات مشبوهة تمت بأسعار تفوق بكثير قيمتها السوقية، وتضخم غير مبرر في بعض بنود الميزانية.

"يا أمير،" قال سالم لسعود في اجتماع سري. "لقد وجدت أدلة دامغة. هناك اختلاسات منظمة، وتحويلات مالية مشبوهة. وأغلب هذه العمليات تمت بتوجيه من مالك، وبعض المستشارين القدامى."

كانت هذه الأدلة كافية لكسر شوكة مالك. لكن سعود كان يعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد. مالك رجل ذكي، وقوي، وسيحاول بكل الطرق أن يغطي على جرائمه.

"شكراً لك يا سالم،" قال سعود بامتنان. "لقد قمت بعمل رائع. نحتاج الآن إلى خطة مدروسة للتعامل مع هذا الأمر."

أما زيد، قائد الحرس، فقد نجح في رصد تحركات مشبوهة حول القصر. لقد اكتشف أن هناك جواسيس يحاولون جمع المعلومات، وأن هناك محاولات للتواصل مع بعض الحراس لزرع الفتنة.

"لقد رصدنا بعض الأفراد المشبوهين، يا سيدي،" قال زيد لسعود. "يبدو أنهم يحاولون اختراق أمن القصر."

كانت الأمور تتكشف بسرعة. لم يعد هناك مجال للشك. كان هناك عدو واضح، وخطة واضحة.

قرر سعود أن الوقت قد حان لمواجهة مالك، ولكن بطريقة ذكية. لم يكن يريد أن يتسرع، أو أن يظهر ضعفه. لقد تعلم الدرس.

"ليلى،" قال سعود لأخته. "أعلم أنك تحبين أختي نوره كثيراً. وقد كانت نوره تثق بك. هل يمكنك مساعدتي في أمر حساس؟"

"بالتأكيد يا أمير،" قالت ليلى بحزم. "ما هو الأمر؟"

"أريد منك أن تحاولي التقرب من زوجة أحد المستشارين القدامى،" قال سعود. "التي كانت مقربة من نوره. ربما تستطيعين الحصول على بعض المعلومات منها. معلومات قد تكون مفيدة لنا."

كانت هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، لكن سعود كان يعلم أن ليلى تمتلك من الحكمة والذكاء ما يجعلها قادرة على النجاح. كانت خيوط النسيج تتشابك، ولكن هذه المرة، كان سعود هو من يبدأ في فك هذه الخيوط، وتنظيمها بطريقة جديدة، لصالحه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%