حب على الورق الجزء الثاني
رسالة من الشرق ونداء الواجب
بقلم مريم الحسن
بعد لقاء ليلى مع السيدة فاطمة، عادت الأجواء إلى ما كانت عليه، ولكن مع اختلاف طفيف. كان الصمت بينهما يحمل الآن ثقلاً مختلفاً، ثقل الترقب والانتظار. كانت ليلى تعلم أن الكرة الآن في ملعب السيدة فاطمة وأحمد.
في يوم من الأيام، بينما كانت ليلى منهمكة في إعداد درسها، وصلها اتصال هاتفي. كان الرقم مألوفاً، ولكنه غريب في نفس الوقت. عندما أجابت، سمعت صوتاً رجولياً، يحمل لهجة غريبة.
"مساء الخير، هل أتحدث إلى الآنسة ليلى؟"
"نعم، أنا هي."
"معكِ خالد. شقيق أحمد."
ارتعشت ليلى قليلاً. لم تكن تعلم بوجود شقيق لأحمد. "أهلاً بكَ، سيد خالد. كيف يمكنني مساعدتك؟"
"لقد تحدثت مع والدتي عنكِ. وهي معجبة بكِ كثيراً. ولكن هناك أمر مهم أود أن أستشيركِ فيه."
"تفضل."
"أحمد... لديه مشكلة في عمله. مشكلة كبيرة. لقد استثمر كل ما لديه في مشروع جديد، ولكنه تعرض لبعض العراقيل غير المتوقعة. والدتي قلقة جداً عليه."
شعرت ليلى بأن الدنيا تدور بها. "مشكلة؟ ما نوع المشكلة؟"
"يبدو أن هناك بعض المنافسين يحاولون إفشاله. وقد لجأوا إلى بعض الأساليب غير النزيهة. أحمد يشعر بالضغوط، وهو لا يريد أن يقلق والدته. لهذا السبب، لم أخبره بعد بأنني تحدثت معكِ."
"ولماذا أنا؟" سألت ليلى بضعف.
"لأن والدتي قالت إنكِ ذكية، وذات عقل راجح. وهي تعتقد أنكِ قد تستطيعين مساعدته. أو على الأقل، التخفيف عنه."
"ولكنني... أنا لا أعرف شيئاً عن عمله."
"أحمد يثق بكِ. وهو أشار إليكِ كشخص يمكنه الاعتماد عليه. أريد منكِ أن تتحدثي إليه. أن تطمئنيه. وأن تقولي له إننا معه. وأننا سندعمه."
كانت كلمات خالد تحمل ثقلاً كبيراً. لقد أراد أحمد أن يتحدث إليها، ولكنه لم يستطع. أراد أن يثق بها، ولكنه لم يجد الطريقة.
"سأتحدث إليه، سيد خالد." قالت ليلى بصوت حازم، وقد استعادت رباطة جأشها. "وسأفعل كل ما بوسعي لمساعدته."
"شكراً لكِ يا آنسة ليلى. أنتِ حقاً شخص مميز."
بعد إنهاء المكالمة، جلست ليلى في صمت. كانت مشاعرها متضاربة. كانت سعيدة لأن أحمد وثق بها، ولأن السيدة فاطمة رأت فيها ما يستحق الثقة. ولكنها كانت قلقة جداً على أحمد.
قررت أن تتصل بأحمد فوراً. عندما أجاب، كان صوته متعباً.
"أحمد، كيف حالك؟"
"أنا بخير، ليلى. فقط بعض الإرهاق."
"أعلم أنك تمر ببعض الصعوبات في عملك."
سكت أحمد قليلاً. "من أخبرك؟"
"شقيقكَ، سيد خالد. لقد اتصل بي."
"آه... خالد. لقد طلبت منه ألا يتحدث إلى أحد."
"لا بأس، يا أحمد. أنا هنا لأجلك. أريدك أن تعرف أنني معك. وأننا سنتجاوز هذه المحنة معاً."
"شكراً لكِ يا ليلى. أنتِ حقاً... لا أعرف كيف أشكرك."
"بالحب، يا أحمد. بالحب والوفاء."
بدأت ليلى تشجع أحمد. طرحت عليه بعض الأسئلة حول طبيعة المشكلة، وحاولت أن تقدم له بعض الأفكار. لم تكن تعرف الكثير عن عالم الأعمال، ولكنها كانت تعرف كيف تستمع، وكيف تدعم.
"ربما يجب أن تطلب المساعدة من أشخاص تثق بهم." قالت ليلى. "أو ربما يجب أن تبحث عن استراتيجيات جديدة."
"لقد حاولت كل شيء، ليلى." قال أحمد بصوت يائس. "ولكنني أشعر بأنني محاصر."
"لا تقل ذلك، يا أحمد. الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وما أصابكِ لم يكن ليخطئكِ."
"كلماتكِ تمنحني بعض الراحة، ليلى. أشعر بأنني لست وحدي."
"أنت لست وحدك، يا أحمد. أبداً."
استمرت المحادثة لساعات. تحدثت ليلى عن أهمية الصبر، وعن الثقة بالله، وعن التوكل عليه. كانت تحاول أن تغرس في نفس أحمد الأمل، وأن تبعد عنه اليأس.
في نهاية المحادثة، شعرت ليلى بأنها قد فعلت ما عليها. لقد أدت واجبها كإنسانة، وكصديقة، وكشخص يحب أحمد.
عادت ليلى إلى شقتها، وشعرت بإرهاق كبير. ولكن في عمق إرهاقها، كان هناك شعور بالرضا. لقد أثبتت نفسها، ليس فقط كشخص عاطفي، بل كشخص يمكن الاعتماد عليه في الأوقات الصعبة.
في تلك الليلة، بينما كانت السماء تكتسي بسوادها العميق، لم تفكر ليلى في نفسها، بل فكرت في أحمد. كانت تدعو الله أن ييسر له أمره، وأن ينجيه من هذه المحنة. كانت تعلم أن الحب الحقيقي لا يظهر فقط في أوقات السعادة، بل يظهر أيضاً في أوقات الشدة. لقد كان نداء الواجب قد وصل، وليلى قد استجابت له بكل قلبها.