حب على الورق الجزء الثاني
صدع في جدار الثقة
بقلم مريم الحسن
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر ستائر غرفة ليلى، تبعث الدفء في أرجاء المكان. لكن ليلى لم تكن تستمتع بجمال الصباح. كانت قد قضت ليلة طويلة في تقليب الأفكار، وفي محاولة استيعاب حجم التحديات التي ستواجهها هي وأحمد. رغم قرارها بالشجاعة والدعم، إلا أن الحقيقة الجديدة خلقت في داخلها قلقًا خفيًا، وهزة في جدار الثقة الذي كانت تبنيه ببطء مع أحمد.
بعد لقائهما، شعرت ليلى بأن هناك شيئًا ما تغير. لم يكن الأمر يتعلق بما قاله أحمد، بل بما لم يقله. شعرت بأن هناك تفاصيل أخرى، طبقات أعمق من الماضي، لم يكشف عنها بعد. كان يتحدث عن الخصوم القدماء، عن التهديدات، ولكنه كان يتجنب الحديث عن طبيعة المشاكل التي واجهها والده، أو عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الخصومات. كان كلامه أشبه بتناول سطح المشكلة، دون الغوص في جوهرها.
"صباح الخير يا حبيبتي." دخلت والدتها الغرفة، تحمل معها صينية إفطار شهية. "صباح النور يا أمي." أجابت ليلى بابتسامة باهتة. "ما بكِ؟ تبدين شاردة الذهن." قالت السيدة فاطمة وهي تجلس بجانبها. "لا شيء يا أمي، مجرد تفكير."
"تفكير في أحمد؟" سألت والدتها بحنان. "نعم. لقد أخبرني بكل شيء، ولكني أشعر بأن هناك المزيد. أشعر أنه لا يزال يخفي شيئًا."
"يا ابنتي، كل شخص لديه أسراره. المهم هو ما يختار أن يكشف عنه، وما يختار أن يحتفظ به. ولكن، ربما يكون لديه سبب لهذا. ربما لا يريد أن يرهقكِ أكثر مما ينبغي."
"ولكن، كيف نبني ثقة حقيقية إذا كان هناك جدار من الأسرار؟" تساءلت ليلى. "أنا أحبه، وأنا مستعدة لمواجهة أي شيء معه. ولكني أحتاج أن أشعر بأنني أرى الصورة كاملة، أو على الأقل الجزء الأكبر منها."
"اصبري يا ليلى. الوقت هو خير كاشف. قد يكون أحمد يحتاج إلى المزيد من الوقت ليشعر بالراحة التامة ليكشف لكِ كل شيء. ولكن، عليكِ أن تعطي له هذه الفرصة. وأن تظلّي أنتِ على صدقكِ وصفائكِ."
في تلك الأثناء، كان أحمد يشعر بضغط كبير. لم يكن لقاءه مع خاله علي هو نهاية القصة، بل بدايته. لقد أدرك أن التهديدات التي تحدث عنها خاله ليست مجرد أشباح ماضٍ، بل قد تكون واقعًا قريبًا. لقد اتصل به أحد المقربين من والده، رجل أعمال قديم، وأخبره ببعض التفاصيل المقلقة.
"يا أحمد،" قال الرجل بنبرة قلقة. "بعض الأشخاص القدماء الذين كانت لكَ معهم مشاكل، بدأت تظهر تحركاتهم. لقد سمعت همسات عن إعادة نشاط بعض الشركات التي كانت مرتبطة بوالدكَ، ولكن بطريقة مشبوهة. كن حذرًا."
كانت هذه المعلومات مقلقة جدًا. لم يكن أحمد متأكدًا من طبيعة هذه التحركات، أو من دوافعها. ولكن، شعوره بأن هذه الأمور قد تؤثر على ليلى، جعله يتخذ قرارًا.
بعد ظهر ذلك اليوم، اتصل أحمد بليلى مرة أخرى. "ليلى، هل يمكننا أن نلتقي مجددًا؟ هناك أمر آخر أردت أن أحدثكِ عنه. أمر أكثر تفصيلًا."
وافقت ليلى على الفور، وبقلب يملؤه الأمل بأن يكشف أحمد عن المزيد. عندما التقيا، كان أحمد يبدو أكثر توترًا من ذي قبل.
"ليلى،" بدأ أحمد. "لقد علمت المزيد منذ لقائنا الأخير. الأمر ليس مجرد تهديدات قديمة، بل قد يكون هناك أشخاص يحاولون استغلال الوضع الحالي، أو ربما إعادة إحياء بعض الخلافات. هناك بعض التحركات المشبوهة في عالم الأعمال، مرتبطة بوالدي."
"ما هي هذه التحركات؟" سألت ليلى بجدية. "وما الذي تخشاه تحديدًا؟"
"لا أعرف كل التفاصيل بالضبط، ولكن هناك مخاوف من أن هذه الأمور قد تتطور. وقد أثر ذلك عليّ، وعلى القرارات التي يجب أن أتخذها بشأن مستقبل العمل."
"هل تقصد أن هذه الأمور قد تؤثر على خططنا؟" سألت ليلى.
"ربما. قد أحتاج إلى التركيز أكثر على العمل، وعلى حماية سمعة العائلة. قد يتطلب مني الأمر السفر، أو قضاء وقت أطول بعيدًا."
شعر قلب ليلى بلسعة. السفر، والبعد، والتركيز على العمل. كل هذه الأمور بدت وكأنها تزيد من الفجوة بينهما. "ولكن، ماذا عن خطوبتنا؟ عن زواجنا؟"
"هذا هو ما أشغل بالي. لا أريد أن أؤثر عليكِ، أو على عائلتكِ. ربما من الأفضل أن نؤجل بعض الأمور، حتى تنتهي هذه الفترة العصيبة."
تجمّدت ليلى في مكانها. تأجيل؟ بعد كل ما قالته، وبعد قرارها بالوقوف بجانبه، هل كان هذا هو الرد؟ شعرت بأن شيئًا ما انكسر بداخلها. لم يكن الأمر يتعلق بتأجيل الزواج فقط، بل بشعورها بأن أحمد لم يثق بها بالكامل، ولم يضعها في مقدمة أولوياته.
"تؤجل؟" قالت ليلى بصوت مرتجف. "ولكن، لماذا؟ لقد قلت لكِ أنني مستعدة، وأنني بجانبك."
"أعلم يا ليلى، وأنا أقدر ذلك جدًا. ولكن، لا أريد أن أرهقكِ. لا أريد أن أضعكِ في موقف صعب. ربما الأفضل أن نأخذ بعض الوقت، لنتأكد من أن كل شيء آمن."
"آمن؟ هل تعتقد أنني سأتخلى عنك في وقت الشدة؟ هل تعتقد أن حبي ضعيف لهذا الحد؟"
"ليس هذا ما قصدته أبدًا يا ليلى. أنا أحبكِ، ولكنني أريد حمايتكِ."
"الحماية لا تعني العزل يا أحمد. الحماية تعني أن تكون معي، أن نتقاسم التحديات، أن نبني معًا. ولكن، ما يبدو لي الآن، هو أنك لا تريد أن تشاركني هذه الأمور. ربما تعتقد أنني لن أستطيع تحملها."
شعرت ليلى بإحباط شديد. كانت قد فتحت قلبها له، وأظهرت له كل ثقتها، ولكن يبدو أن ثقته بها لم تكن بنفس القدر. كان يريد أن يحميها، ولكنه كان يفعل ذلك بطريقة تجعلها تشعر بالعجز، وبالشك.
"يا أحمد،" قالت ليلى ببرود لم تعهده من نفسها. "إذا كنت تعتقد أنني سأختبئ خلفك، أو أنني سأكون عبئًا، فأنت لا تعرفني حقًا. لقد قلت لكِ أنني سأواجه الأمر معك، وهذا لم يتغير. ولكن، إذا كنت ترى أن التأجيل هو الحل، وأنك تحتاج إلى العمل وحدك، فربما يجب علينا أن نعيد التفكير في كل شيء."
ارتعش أحمد وهو يسمع كلماتها. لم يكن يتوقع هذا الرد. "ماذا تقصدين؟"
"أقصد أنني لا أريد أن أكون مجرد شاهد على حياتك. أريد أن أكون شريكة. إذا كنت لا تشعر بالراحة في مشاركتي كل شيء، فهذا يعني أننا لسنا مستعدين للزواج بعد. ربما نحتاج إلى المزيد من الوقت، ولكن ليس التأجيل الذي ذكرته. ربما نحتاج إلى التوقف، وإعادة تقييم الأمور."
نهضت ليلى من مكانها، ودموعها تنهمر على خديها. "أعتقد أنني بحاجة إلى بعض الوقت لأفكر. وربما أنت أيضًا."
تركت ليلى المقهى، تاركة أحمد في حيرة من أمره. لقد شعر بالصدمة. لم يكن يتوقع أن قراره الحامي سيؤدي إلى صدع في جدار الثقة، وربما إلى نهاية حلم. كان يعتقد أنه يتخذ القرار الصائب لحمايتها، ولكنه لم يدرك أنه ربما يكون قد أبعدها عنه.