حب على الورق الجزء الثاني
همسات القدر ووشوشات الماضي
بقلم مريم الحسن
تعمّدت نور أن تخطو بخطوات أثقل من وقعها على الأرض، وكأنها تحمل فوق كتفيها ثقل العالم أجمع. دخلت إلى غرفة جلوس والدتها، حيث كان الهدوء المخيم يشي بصمت أعمق من أي كلام. كانت الحاجة فاطمة تجلس قبالة النافذة، تحدق في الأفق الغامض، وشيب شعرها المتناثر يروي قصة أيام مضت، وليالٍ قاستها. لم تكن نور تملك الجرأة لتكسر هذا الصمت الرهيب، لكن واجبها كابنة وإحساسها المتزايد بالضيق الذي يلفّ بيتهم قد دفعها.
"يا أمي," همست بصوت بالكاد مسموع، ترتجف شفتاها قليلاً.
استدارت الحاجة فاطمة ببطء، عينان عميقتان تحملان حكمة السنين، وفي طياتهما بريق حزن قديم. لم تردّ، بل أشارت بيدها إلى مقعد قريب، داعية إياها للجلوس. جلست نور، تشعر ببرودة المكان وكأنها تسللت إلى عظامها.
"أمي،" أعادت نور الكرة، بصوت أكثر ثباتًا هذه المرة. "هل أنتِ بخير؟ أراكِ شاردة منذ فترة."
تنهدت الحاجة فاطمة، نفساً عميقاً كأنه يخرج من أعماق بئر سحيق. "بخير يا بنيتي. ما هو إلا بعض الذكريات التي تعصف بالقلب."
"ذكريات؟" كررت نور، ينمو في صدرها قلق لم تعهده من قبل. كانت والدتها نادرة ما تبوح بأسرار ماضيها، خاصة تلك التي تحمل طابع الحزن. "هل هناك شيء تودين البوح به؟ ربما أستطيع المساعدة."
ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامة باهتة، ثم أخذت بيد نور، تضمها بين يديها الدافئتين. "يا نور، أنتِ تذكرين جدك، رحمه الله؟"
أومأت نور برأسها، وقلبها بدأ يخفق بقوة. "نعم يا أمي، كيف لا أتذكره؟ كان رجلاً عظيماً."
"لقد كان كذلك," قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تلمعان بدموع سرعان ما حاولت كبتها. "ولكن، لم يكن كل شيء كما يبدو. كانت هناك أسرار، أسرار دفنت مع الزمن، ولكنها بدأت تطفو على السطح الآن، كغرقى يبحثون عن الهواء."
شعرت نور بقشعريرة تسري في أوصالها. "أسرار؟ أي أسرار يا أمي؟"
"كان جدك، يا ابنتي، قد عقد صفقة تجارية كبيرة في شبابه. صفقة ربحت منها عائلتنا الكثير، ولكنها كانت قائمة على خداع. لقد ظلم فيها رجلاً آخر، رجلاً كانت له يد في بناء هذه الثروة، وتركته مديوناً ومدموراً."
اتسعت عينا نور بصدمة. لم تتخيل أبداً أن جدها، ذلك الرجل المهيب الذي لطالما افتخرت به، قد ارتكب ظلماً كهذا. "ظلم؟ ومن هو هذا الرجل؟"
"اسمه كان السيد إبراهيم. كان رجلاً طيباً، ولكن والدكِ... لا، ليس والدكِ... كان جدي، قد استغل طيبته وثقته. وعندما حاول السيد إبراهيم استعادة حقوقه، تعرض للتهديد والإبعاد. لقد اختفى بعدها."
"اختفى؟" صرخت نور، غير مصدقة. "هل تقصدين أنه...؟"
"لا أحد يعلم مصيره بالتحديد," قالت الحاجة فاطمة بصوت متهدج. "ولكن، منذ فترة، بدأت تصلني رسائل. رسائل تحمل توقيعاً غريباً، وتتحدث عن دين قديم مستحق السداد. في البداية، ظننتها مزحة، لكنها أصبحت أكثر إصراراً، وأكثر وضوحاً. والآن، لم يعد لدي شك. إنها من نسل السيد إبراهيم."
"ومن هو هذا الشخص الذي يرسل الرسائل؟" سألت نور، تشعر بأنها تغرق في بحر من الغموض.
"الرسائل تذكر اسماً واحداً: 'أحمد'. وتقول إنه يبحث عن ميراث عائلته، وعن الثأر ممن ظلمهم."
"ثأر؟" كررت نور، والخوف يتملكها. "هل يعني هذا أن هناك خطراً علينا؟"
"الخطر قائم يا نور،" قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تلتمعان بجدية. "لقد أدركت أن هذا الرجل، أحمد، ربما يسعى لتدميرنا. لقد أرسل لي تهديداً واضحاً هذه المرة. لو لم نسدد ما يديننا به، فسوف يكشف أسرارنا، وسيجعلنا ندفع الثمن غالياً."
"لكن ما هو هذا الدين؟ كم يطلب؟" سألت نور، تحاول استيعاب حجم المصيبة.
"المبالغ التي يذكرها فلكية، يا ابنتي. ولا أظن أن الأمر يتعلق بالمال فقط. أعتقد أنه يسعى للانتقام. لقد طلبت من والدكِ، قبل وفاته، أن يتكتم على هذا الأمر، وأن يسدده سراً. لكن الأمر أصبح أكبر من قدرتنا. وأظن أنه يعلم أن ثروتنا ليست صافية تماماً."
وقفت نور، تمشي جيئة وذهاباً في الغرفة. كل كلمة كانت تخترق قلبها كسهام مسمومة. كانت حياتها، التي بدت مستقرة وهادئة، على وشك الانهيار. "ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل يا أمي؟"
"كنت أحميكِ، يا بنيتي. كنت أريدكِ أن تعيشي حياة كريمة، بعيداً عن هذه الظلال. ولكن القدر، يا نور، له كلمته الأخيرة. لقد بدأت أشعر بأن هذا الحمل أكبر من أن أحتمله وحدي."
"ومن هو هذا أحمد؟ هل تعرفين شكله؟ هل لكِ أي وصف له؟"
"لا. الرسائل قليلة، وكلماتها عامة. ولكن أعرف شيئاً واحداً. يبدو أنه رجل ذكي، وماكر. وما زال لديه الرغبة في الانتقام بعد كل هذه السنوات. أريد منكِ، يا نور، أن تكوني حذرة. ألا تثقي بأحد. وأن تساعديني في البحث عن حل."
شعرت نور بمسؤولية ضخمة تقع على عاتقها. كانت هذه أزمة لم تخطر لها ببال. أزمة تتجاوز الخلافات البسيطة، لتصل إلى أساس سمعة عائلتها وسلامتها. "سأساعدكِ يا أمي. سنجد حلاً. ولكن، هل هذا الشخص... هل قد يكون له علاقة بالعائلة؟ هل هو أحد أقاربنا الذين لا نعرفهم؟"
"لا أعتقد ذلك," قالت الحاجة فاطمة. "لكن، كل الاحتمالات مفتوحة. وربما... ربما علينا البحث عن هذا السيد إبراهيم، أو عائلته. لمعرفة ما حدث له حقاً. لعلنا نجد طريقة لتعويضهم، حتى لو كان ذلك متأخراً."
"ولكن كيف؟" تساءلت نور. "لقد مر وقت طويل."
"ليس كل شيء يختفي يا نور. هناك سجلات، وهناك ذاكرة. وربما، في هذا الزمن، يصبح البحث أسهل. أنا فقط أخاف. أخاف من القادم. ومن رد فعل هذا الرجل."
نظرت نور إلى والدتها، ورأت في عينيها مزيجاً من الخوف والأمل. فهمت أن هذه ليست مجرد قصة قديمة، بل هي حرب حقيقية على وشك الاشتعال. وأنها، نور، هي الآن في الخطوط الأمامية.
"سوف نجد حلاً يا أمي," كررت نور، هذه المرة بنبرة فيها تصميم. "سنواجه هذا التحدي. وسنحافظ على كرامة عائلتنا. ولكن، هل يجب أن أخبر حسام بهذا؟"
ترددت الحاجة فاطمة للحظة. "حسام رجل طيب، ولكنه غريب عن هذه الأمور. ربما... ربما ننتظر قليلاً. حتى تتضح الصورة أكثر. لا أريد أن أقلق قلبه قبل الأوان. أنتِ وحدكِ الآن، من تتحملين عبء هذا السر معي."
شعرت نور بأنها أصبحت وحيدة في مواجهة هذا الظلام. ولكن في نفس الوقت، شعرت بقوة متجددة. قوة مستمدة من حبها لوالدتها، ورغبتها في حماية عائلتها. كانت تعلم أن طريقها سيكون شاقاً، وأنها ستواجه مواقف قد تختبر إيمانها وصبرها. ولكنها لم تكن لتيأس.
"سأبحث عن السيد إبراهيم، يا أمي," قالت نور، وهي تشعر بأن قراراً حاسماً قد اتخذ. "سأحاول أن أجد أي أثر له. لعلنا نجد طريقة لإصلاح ما أفسده أجدادنا."
احتضنت الحاجة فاطمة ابنتها بقوة. "يا بنيتي، أنتِ حقاً نور العائلة. أتمنى من الله أن يرشدكِ."
عندما تركت نور والدتها، كان عقلها مليئاً بالأسئلة، وقلبها مثقلاً بالمخاوف. كانت تعرف أن هذا الكشف قد غير كل شيء. وأنها لم تعد تلك الفتاة الهادئة التي تعيش في عالمها الخاص. بل أصبحت الآن جزءاً من صراع قديم، صراع سيحدد مصيرها ومصير عائلتها. ومن سيكون هذا "أحمد"؟ وماذا يريد حقاً؟ كانت الأجوبة معلقة في هواء مظلم، تنتظر أن تكشفها الأيام.