حب على الورق الجزء الثاني

خيوط متشابكة ومواجهة مرتقبة

بقلم مريم الحسن

في الأيام التي تلت لقاءها بوالدتها، لم تستطع نور أن تنام. كانت الكلمات التي سمعتها تدور في رأسها كعاصفة هوجاء، تقلب كيانها رأساً على عقب. كل شيء بدا الآن مختلفاً. صورة جدها، تاريخ عائلتها، وحتى مستقبلها. كانت تشعر بأنها واقفة على حافة هاوية، لا تعلم ما إذا كانت ستسقط أم ستتمكن من إيجاد طريق آمن.

قررت نور أن تبدأ بحثها فوراً. بدأت بزيارة أرشيف العائلة القديم، المكان الذي لطالما كان بالنسبة لها مجرد مكان مليء بالصور الباهتة والوثائق المهملة. الآن، كان بالنسبة لها كنزاً دفيناً، قد يحتوي على مفتاح حل هذا اللغز. قضت ساعات طويلة بين الكتب والغبار، تبحث عن أي ذكر للسيد إبراهيم، أو عن أي تفاصيل تتعلق بتلك الصفقة التجارية القديمة.

كان الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. كانت الوثائق مبعثرة، والكثير منها غير مرتب. وجدت بعض السجلات المتعلقة بأعمال جدها، ولكن لم يكن هناك أي شيء واضح عن صفقة محددة مع شخص يدعى إبراهيم، أو عن أي ظلم ارتكبه. كانت هناك إشارات إلى شراكات، ولكنها كانت مبهمة.

في أحد الأيام، أثناء تصفحها لسجل قديم مكتوب بخط متعرج، لفت انتباهها اسم "أحمد". لم يكن اسم جدها، بل اسم كاتب شهود في إحدى الوثائق. شعرت بنبضة أمل. هل يمكن أن يكون هذا أحمد هو الشخص نفسه؟ بحثت عن المزيد من المعلومات حول هذا الشاهد، لكن لم تجد شيئاً ذا قيمة. الاسم وحده لم يكن كافياً.

كانت نور تشعر بالإحباط يتسلل إلى قلبها. كيف يمكنها أن تجد شخصاً اختفى منذ عقود، وربما لم يعد على قيد الحياة؟ ولكنها كانت تعود كل يوم إلى أرشيف العائلة، مصممة على عدم الاستسلام.

في أحد الأيام، وبينما كانت تقلب في صندوق خشبي قديم، عثرت على مجموعة من الرسائل القديمة، مربوطة بشريط حريري باهت. كانت الرسائل موجهة إلى جدها، ولكنها كانت مكتوبة بخط سيدة. قرأت بعضها، فوجدت أنها تحمل شكوى صامتة، وطلباً للمساعدة. كانت السيدة تطلب من جدها أن يعيد لها حقها، الذي وصفته بـ "حق العائلة".

هذه المرة، شعرت نور بأنها تقترب من الحقيقة. "حق العائلة". هذه العبارة بدت قريبة جداً مما تحدثت عنه والدتها. فتحت الرسالة الأخيرة، فوجدت أنها تحمل تاريخاً قبل عدة سنوات من التاريخ الذي يفترض أن تكون فيه الصفقة قد تمت. كانت الرسالة تحمل توقيعاً: "زهرة".

"زهرة؟" كررت نور بصوت عالٍ. كان هذا اسماً مألوفاً. كانت جدتها، والدة والدها، اسمها زهرة. ولكن والدتها، الحاجة فاطمة، لم تذكر اسم جدتها عندما تحدثت عن الظلم. هل كانت هناك علاقة؟

أخذت نور الرسائل إلى والدتها. "أمي، وجدت هذه الرسائل. إنها موجهة إلى جدي، من سيدة تدعى زهرة. هل تعرفين من هي؟"

نظرت الحاجة فاطمة إلى الرسائل، وشحب وجهها. "زهرة... نعم، إنها جدتكِ. والدة والدكِ."

"لكن، لماذا كانت تشتكي من حق العائلة؟" سألت نور.

تنهدت الحاجة فاطمة. "لقد كانت جدتكِ، زهرة، تمتلك قطعة أرض ورثتها عن عائلتها. أرض كانت ذات قيمة كبيرة. وعندما تزوجت من جدكِ، ظننتها سعيدة. ولكن بعد فترة، بدأت تطلب منه أن يعيد لها الأرض، أو أن يعوضها عنها. لكنه رفض. لقد قال إنها أصبحت ملكاً له وللعائلة."

"وهل كانت هذه الأرض جزءاً من الصفقة التي تحدثتِ عنها؟" سألت نور، وقلبها يدق بعنف.

"لا أعتقد ذلك. ولكن، ربما... ربما هذا الرجل، إبراهيم، كان هو صاحب الأرض أصلاً. وربما استغل جدكِ الوضع، واستولى عليها، ثم تخلص من إبراهيم. ومن ثم، تخلص من جدتكِ أيضاً، بطريقة أو بأخرى، حتى لا تطالب بحقها."

"تخلص منها؟" صرخت نور، غير مصدقة. "أمي، ماذا تقولين؟"

"جدتكِ، يا نور، توفيت في حادث غامض. حادث عربة. وقد قيل إنه حادث طبيعي. ولكن، مع كل ما عرفته الآن، بدأت أشك. ربما لم يكن حادثاً."

شعرت نور بالدم ينفجر في عروقها. كانت القصة تتكشف ببطء، ولكنها كانت أفظع مما تخيلت. جدها، الذي لطالما احترمته، كان قاتلاً. وظلم عائلتين.

"ولكن، كيف نجد هذا الرجل، أحمد؟" سألت نور، وصوتها يرتجف.

"ربما علينا البحث عن سجلات الأرض. لعلها تحمل اسم المالك الأصلي، أو شهوداً على بيعها."

كانت نور قد بدأت تفقد الأمل في إيجاد شيء ملموس. ولكن، في ليلة أخرى، بينما كانت تتصفح الإنترنت، بحثت عن أسماء قديمة في المنطقة التي تقع فيها أراضي عائلتها. عثرت على أرشيف صحفي قديم، يحكي عن قضايا تجارية في الماضي. قرأت عن نزاعات على أراضٍ، وعن رجال أعمال اختفوا.

ثم، فجأة، لفت انتباهها عنوان قديم: "اختفاء رجل الأعمال إبراهيم بعد نزاع على أراضٍ في حي السعادة." قرأت المقال بعناية. كان يتحدث عن رجل أعمال يدعى إبراهيم، كان يملك قطعة أرض كبيرة في حي السعادة، بالقرب من ممتلكات جدها. وكان قد اختفى بشكل مفاجئ بعد خلافات مع أحد شركائه. لم يذكر المقال اسم هذا الشريك، ولكن ذكر أن إبراهيم كان لديه ابن اسمه أحمد.

"أحمد!" صرخت نور، وهي تقفز من مقعدها. "وجدته يا أمي! لقد وجدت دليلاً! إنه ابن هذا الرجل، إبراهيم! اسمه أحمد!"

ذهبت الحاجة فاطمة إلى نور، تنظر إليها بعينين مليئتين بالدهشة. "حقاً؟ هل أنتِ متأكدة؟"

"نعم يا أمي. لقد اختفى هذا الرجل، إبراهيم، وكان لديه ابن اسمه أحمد. هو نفسه الذي يرسل الرسائل!"

شعرت الحاجة فاطمة بالارتياح الممزوج بالخوف. "إذاً، هذا الرجل، أحمد، يبحث عن والده، وعن حقه. لم يكن الأمر مجرد افتراض."

"ولكن، كيف نجده؟" سألت نور. "لا يزال الاسم عاماً."

"الاسم ليس عاماً جداً، يا نور. أحمد، ابن إبراهيم. يجب أن يكون هناك سجلات. ربما سجلات الأحوال المدنية، أو سجلات العقارات. يجب أن نجد هذا الرجل."

شعرت نور بحماس متجدد. أصبحت الصورة أكثر وضوحاً. كان هناك رجل، اسمه أحمد، يبحث عن والده الذي اختفى، وعن حقه الذي سلب منه. وكان يعتقد أن عائلتها هي المسؤولة.

"سأبحث عن سجلات هذا الرجل، يا أمي," قالت نور بعزم. "سأحاول أن أجد عنوانه، أو أي شيء يدل عليه."

"كوني حذرة يا نور," قالت الحاجة فاطمة. "هذا الرجل قد يكون خطيراً. لقد عانى كثيراً، وربما يحمل الكثير من الغضب."

"أعلم يا أمي. ولكن، أنا أيضاً أحمل مسؤولية. مسؤولية إصلاح ما أفسده أجدادي. سأحاول أن أتحدث معه. سأقدم له اعتذاراً. وربما، إذا كان الأمر يتعلق بالمال، يمكننا تعويضه."

"أتمنى أن يكون الأمر بهذه البساطة يا ابنتي. أتمنى أن يكون الرجل طيباً، وأن يكون لديه قلب يقبل الاعتذار. ولكن، تذكري، يا نور. ما زلت أخشى من رد فعله."

في تلك الليلة، لم تنم نور. كانت تفكر في هذا الرجل، أحمد. رجل لم تقابله قط، ولكنه أصبح جزءاً من حياتها. رجل ربما يحمل حقداً كبيراً. كانت تعلم أن مواجهته ستكون صعبة، ولكنها كانت مصممة على فعل الصواب. كانت تلك الخطوة الأولى نحو السلام، نحو الخلاص. ولكن، هل كان أحمد مستعداً للسلام؟ أم أنه كان يبحث عن الانتقام فقط؟ كانت الأسئلة تلوح في الأفق، والتحدي ينتظر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%