حب على الورق الجزء الثاني
وهج الذكرى وسم العقارب
بقلم مريم الحسن
جلست ليلى أمام النافذة، لا ترى سوى انعكاس وجهها الشاحب على الزجاج البارد. لم يكن البرد هو ما جعلها ترتجف، بل بردٌ غريب تسلل إلى عروقها، بردٌ يشبه الوحدة التي استقرت في أعماق روحها. منذ أن غادرت فاطمة، شريكة حياتها، تركت خلفها فراغاً لا تملؤه أشعة الشمس التي تتسلل خجولة عبر الغيوم. كان حديثها الأخير مع والدتها، الحاجة زينب، لا يزال يتردد في أذنيها كصدىٍ مؤلم.
"يا ابنتي، إن هذا الحزن الشديد لا يليق بفتاةٍ مسلمةٍ مؤمنة. فاطمة في حفظ الله ورعايته، وسيجمعكما ما قسمه الله لكما. اصبري واحتسبي، فالصبر مفتاح الفرج."
كانت كلمات والدتها كبلسمٍ يحاول أن يداوي جرحاً غائراً، لكن الجرح كان أعمق من أن تحتويه الكلمات. كانت ليلى تعرف أن والدتها محقة، وأن التوكل على الله هو السبيل، لكن قلبها كان يصرخ. كانت فاطمة بالنسبة لها ليست مجرد زوجة، بل كانت الروح التي تتنفس بها، الشريكة في كل خطوة، الصديقة التي تفهم صمتها قبل كلامها.
في خضم هذه الأفكار، طرق الباب برفق. ترددت ليلى قليلاً قبل أن تفتح، لتجد أمامها والدها، الشيخ محمود. كان يحمل في يديه صينيةً صغيرةً عليها كوبٌ من الشاي الأخضر وزجاجة ماء. ابتسم لها ابتسامةً حانيةً، تلك الابتسامة التي كانت تبعث فيها الدفء والأمان منذ نعومة أظفارها.
"صباح الخير يا حبيبتي. رأيتكِ مستيقظةً مبكراً. هل تناولتِ شيئاً؟" سأل بصوتٍ هادئٍ يحمل نبرة القلق.
أشارت ليلى إلى نفسها بابتسامةٍ باهتة. "لم أرغب في إزعاج أحدٍ يا أبي. ربما أتناول شيئاً بعد قليل."
جلس الشيخ محمود بجوارها على الأريكة، ووضع الصينية أمامهما. "لا يا ابنتي، لا تقولي ذلك. أنتما عائلتنا، ونحن نهتم بكِ. والدتكِ قلقةٌ عليكِ كثيراً. هذه الغربة عن فاطمة صعبةٌ علينا جميعاً، ولكنها اختبارٌ من الله. إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها."
أخذت ليلى كأساً من الشاي، وارتشفت منه رشفةً دافئة. "أعلم يا أبي، ولكن... هل هذا الشعور الذي بداخلي طبيعي؟ أشعر أنني فقدت جزءاً مني، أن الحياة فقدت لونها وبريقها."
ربت الشيخ محمود على يدها. "هذا الشعور طبيعيٌ يا ابنتي، لأن فاطمة كانت جزءاً لا يتجزأ من حياتكِ. ولكن الأهم هو كيف تتعاملين مع هذا الشعور. هل تسمحين له بأن يسيطر عليكِ ويغرقكِ في اليأس، أم تستغلين هذا الوقت لتقوية علاقتكِ بربكِ، وللتفكير في مستقبلكِ، وللتطوير من نفسكِ؟"
صمتت ليلى، تفكر في كلمات والدها. كانت تعرف أنها كانت تميل إلى الانغلاق على نفسها، إلى البكاء والشكوى. كانت هذه هي نقطة ضعفها، ميلها إلى الانهزام أمام المصاعب. كانت في السابق تملك قدراً من المرونة، لكن منذ أن تزوجت فاطمة، أصبحت تعتمد عليها في كل شيء، في اتخاذ القرارات، في تجاوز العقبات. كانت فاطمة هي الجدار الذي يحميها، والسند الذي تتكئ عليه.
"أشعر أنني ضعيفةٌ يا أبي. لم أكن يوماً بهذا الضعف." اعترفت ليلى بصوتٍ مختنق.
"القوة ليست في عدم الشعور بالضعف يا ابنتي، بل في مواجهة هذا الضعف والإصرار على التغلب عليه. تذكري من أنتِ. أنتِ ابنة الشيخ محمود، ابنة الحاجة زينب. أنتِ تحملين في عروقكِ إرثاً من الصبر والإيمان. فاطمة تحبكِ، وأنا أحبكِ، ووالدتكِ تحبكِ. نحن معكِ."
نظر الشيخ محمود في عينيها، ووجد فيهما نظرةً من الرجاء، لكنها كانت مختلطةً بشيءٍ آخر، شيءٌ يشبه الخوف. "ما الذي يقلقكِ حقاً يا ابنتي؟ هل هناك أمرٌ يخص فاطمة؟"
ترددت ليلى. هل كان يجب أن تخبره؟ كانت فاطمة قد طلبت منها ألا تخبر أحداً، لكن الموقف كان يدفعها إلى الاعتراف. "لقد... لقد طلبت مني فاطمة قبل سفرها أن... أن أعتني بصديقتها، سارة. لقد كانت سارة تمر ببعض المشاكل."
"وما المشكلة في ذلك؟" سأل الشيخ محمود ببساطة.
"المشكلة يا أبي أنني... أشعر بمسؤوليةٍ كبيرة. وفاطمة أكدت لي أن سارة تحتاجني، وأنها تثق بي. لكنني أخشى أن أفشل. أخاف أن تكون كلماتها مجرد... مجرد طلبٍ لا أكثر، وأن تكون في الواقع تخشى أن أنجرف وراء... وراء ما أملكه من ميولٍ قديمة."
فهم الشيخ محمود على الفور. كانت ليلى قد مرت في فترةٍ سابقة من حياتها ببعض الانحرافات، ولكنها بفضل الله ثم بفضل فاطمة، استقامت. كانت فاطمة هي الداعم الأكبر لها، والسبب الرئيسي في ابتعادها عن تلك الميول. الآن، وفي غياب فاطمة، شعرت ليلى بالخوف من أن تعود تلك الأشباح.
"يا ابنتي، كلنا معرضون للفتن. والأمر لا يتعلق بفشلٍ أو نجاح، بل يتعلق بالاجتهاد والسعي. إذا كنتِ تشعرين بالقلق، فاستعيني بالله. تحدثي مع سارة، افهمي ما تمر به. إذا شعرتِ أنكِ في موقفٍ يتجاوز طاقتكِ، فاستشيرينا. لا تحملي هذا العبء وحدكِ. وفاطمة إن كانت تثق بكِ، فهذا دليلٌ على أنها ترى فيكِ القوة والإرادة. استمدي قوتكِ منها."
نهض الشيخ محمود، وأخذ الصينية. "سأعد لكِ وجبة فطورٍ دسمة. لا بأس بأن تعتني بنفسكِ قليلاً. ثم لنتحدث أكثر عن سارة. ربما لديكِ أفكارٌ لمساعدتها، وأنا لدي بعض الخبرة في التعامل مع مثل هذه الحالات."
غادر الشيخ محمود الغرفة، تاركاً ليلى تتأمل كلماته. شعرت بنبضة أملٍ خافتةٍ تتسلل إلى قلبها. لقد أضاء والدها شمعةً في ظلمة يأسها. لكن الخوف ظل يقرصها. هل كانت فاطمة حقاً تخشى أن تعود ليلى إلى ماضيها؟ أم أن هذا مجرد وهمٌ من أوهامها؟
بعد قليل، عادت الحاجة زينب تحمل صينيةً أخرى، عليها طبقٌ من الفول المدمس، وبيضٌ مقلي، وخبزٌ طازج. جلست بجانب ليلى، وبدأت تتحدث عن أخبار الحي، وعن زيارات الجارات، وعن استعدادات سوق الجمعة. كانت تحاول بذكاءٍ أن تشغلها عن تفكيرها، وأن تعيدها إلى واقعها.
"تذكرين يا ليلى، عندما كنا نعد أطعمة رمضان؟ كانت الأيام مليئةً بالضحك والعمل. كنتِ دائماً تساعدينني في تقطيع الخضار، وفاطمة في ترتيب الأطباق. أحسدكما حقاً على تلك الأيام."
ابتسمت ليلى ابتسامةً حقيقيةً هذه المرة. "نعم يا أمي، أتذكر. كانت أياماً جميلة."
"وإن شاء الله ستعود أيامٌ أجمل. فقط ثقي بالله، واعملي ما بوسعكِ. وفاطمة تحبكِ، وستعود. ولا تنسي أنها تركتكِ أمانةً، فحافظي على الأمانة."
شعرت ليلى بعبءٍ ثقيلٍ يضاف إلى صدرها، لكنه كان عبئاً من نوعٍ مختلف. لم يكن عبء خوفٍ، بل كان عبء مسؤولية. مسؤولية تجاه فاطمة، ومسؤولية تجاه سارة، والأهم، مسؤولية تجاه نفسها. أمسكت بيد والدتها، وقبلتها.
"سأحاول يا أمي. سأحاول أن أكون قويةً."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بوخزةٍ حادةٍ في قلبها، ليس وخزةً من الألم، بل وخزةً من الإدراك. كان ضعفها يتغذى على وحدتها وخوفها. وأن قوتها الحقيقية تكمن في علاقاتها، في حب من حولها، وفي إيمانها. لكنها كانت لا تزال بحاجةٍ إلى اكتشاف طريقةٍ لمواجهة هذا الضعف، ليس فقط بالصبر، بل بالعمل، وبالتحرك، وبالثبات. كانت تلك مجرد بداية رحلتها نحو فهم أعمق لنفسها، ورحلةٌ شاقةٌ ستكشف لها عن جوانب قديمةٍ في شخصيتها، جوانب كانت ترغب في طمرها، لكنها الآن، وربما، بحاجةٍ إلى مواجهتها.