حب على الورق الجزء الثاني

ضوء سارة وهمس الذكريات

بقلم مريم الحسن

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى مبكراً، قبل موعد شروق الشمس. لم يكن ذلك طوعاً منها، بل كان نتيجةً لأرقٍ استمر طوال الليل. كانت الأفكار تتصارع في رأسها، تدور حول فاطمة، حول سارة، وحول نفسها. أمسكت بهاتفها، وبدأت تبحث عن رقم سارة. كانت قد أخذته من فاطمة قبل سفرها، مع وعدٍ بأن تتواصل معها.

كانت هذه الخطوة، رغم بساطتها، تبدو كأنها تسلقٌ لجبلٍ شاهق. كانت تخشى ردة فعل سارة، تخشى أن تشعر بأنها مجرد فضولٍ أو محاولةٍ لإثبات الذات. لكنها تذكرت كلمات فاطمة، وكلمات والدتها. "الأهم أن تبدئي."

وبدأت.

"السلام عليكم سارة، كيف حالك؟" قالت ليلى بصوتٍ متردد.

جاء الرد بعد لحظةٍ صمتٍ بدت كأنها دهر: "وعليكم السلام. ليلى؟"

"نعم، أنا ليلى، زوجة فاطمة."

"أعرفكِ. كيف حالكِ؟"

"أنا... أنا بخير. ولكنني أردت أن أتواصل معكِ. فاطمة... فاطمة أخبرتني أنكِ تمرّين ببعض الصعوبات."

صمتت سارة قليلاً، ثم قالت بصوتٍ بالكاد مسموع: "نعم... هذا صحيح."

"هل... هل ترغبين في التحدث؟ أنا هنا إذا احتجتِ لأي شيء."

"ماذا تقصدين بـ 'أي شيء'؟" كان سؤال سارة يحمل نبرةً من الشك.

"أقصد... أنني أستطيع الاستماع. وإذا كان لديكِ مشكلةٌ معينة، ربما نستطيع إيجاد حلٍ معاً. فاطمة... فاطمة تثق بي."

"آه، فاطمة." تنهدت سارة، وتنهيدتها كانت تحمل ثقلاً لا يوصف. "فاطمة دائماً تثق بالناس."

"ولماذا لا تثق بكِ؟" سألت ليلى بهدوء.

"ربما لأنها لم ترَ ما رأيته أنا." قالت سارة بصوتٍ أصبح فيه شيءٌ من المرارة. "ربما لأنها لم تعش ما عشته."

شعرت ليلى بالخوف يتسلل إليها. هل كانت سارة على وشك أن تكشف عن شيءٍ خطير؟

"ماذا تقصدين؟"

"لا شيء." قالت سارة بسرعة. "فقط... أشعر بالضيق. هل يمكنكِ أن تعطيني بعض الوقت؟ ربما نتحدث لاحقاً."

"بالتأكيد. متى ما أردتِ. لا تقلقي، لن أضغط عليكِ."

أنهت ليلى المكالمة، وشعرت بالارتباك. كانت سارة غريبة الأطوار. هل كانت قلقةٌ بشأن شيءٍ يتعلق بفاطمة؟ أم أن مشكلتها شخصيةٌ بحتة؟

في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تحاول النوم، تلقت رسالةً من سارة. كانت قصيرةً ومباشرة: "هل يمكنكِ الليلة؟ الساعة العاشرة."

وافق ليلى، وشعرت بتوترٍ غريب. كانت الساعة العاشرة موعداً مهماً. هل كانت هذه دعوةٌ للقاء، أم دعوةٌ لمواجهة؟

في الموعد المحدد، ذهبت ليلى إلى منزل سارة. كان المنزل يقع في حيٍ قريب، وكان يبدو هادئاً في الظلام. دقّت ليلى الباب، وفتحته سارة. كانت ترتدي ملابس بسيطة، وشعرها مبعثر. بدت متعبةً، ولكن في عينيها كان هناك شيءٌ من التصميم.

"تفضلي." قالت سارة بصوتٍ منخفض.

دخلت ليلى، ورأت غرفةً متواضعة. كان هناك بساطٌ على الأرض، ووسائد، ومائدةٌ صغيرة. جلست سارة، وأشارت لليلى بالجلوس.

"شكراً لدعوتي." قالت ليلى.

"شكراً لقدومكِ." ردت سارة. "أعرف أن هذا ربما يكون غريباً. ولكنني... أشعر أنني بحاجةٍ للتحدث مع شخصٍ ما."

"وأنا هنا للاستماع."

بدأت سارة تتحدث، وصوتها كان يتأرجح بين الضعف والقوة. كانت تحكي عن مشاعر الوحدة التي تعيشها، عن ضغوط العمل، وعن علاقاتها المتصدعة. ثم، وببطء، بدأت تحكي عن قصةٍ بدأت تبدو غريبةً بعض الشيء.

"لقد... لقد كنتُ على وشك الارتباط بشخصٍ ما. رجلٌ جيد، يبدو أنه يحبني. ولكنني... أشعر أنني لا أستطيع. هناك شيءٌ يمنعني."

"ما هو هذا الشيء؟" سألت ليلى، وقلبها ينقبض.

"لقد... لقد كنتُ على علاقةٍ بفاطمة قبل زواجها منكِ." قالت سارة بصوتٍ مرتجف.

اتسعت عينا ليلى. لم تتوقع هذا أبداً. هل كانت فاطمة على علاقةٍ بسارة؟ هذا مستحيل. فاطمة كانت نقيةً، عفيفةً، وملتزمةً.

"ماذا تقولين؟" سألت ليلى، والصدمة بدت واضحةً في صوتها.

"نعم، لقد كانت هناك علاقةٌ. علاقةٌ... عاطفية. ولكنها لم تكن مستقرةً أبداً. كانت فاطمة... كانت دائماً مترددة. كانت دائماً تخاف من الالتزام. وبسبب ذلك، لم تكن علاقتنا واضحة. ولم تستطع أن تقدم لي شيئاً حقيقياً."

"لكن... هذا غير صحيح. فاطمة... فاطمة كانت ملتزمةً."

"من الخارج، ربما. ولكن من الداخل... كانت لديها مخاوفها. وعندما تقدمتُ لها بخطبةٍ رسمية، تراجعت. وقالت إنها بحاجةٍ للتفكير. ثم... تزوجت منكِ."

شعرت ليلى بالدوار. كانت هذه الكلمات كالصاعقة. هل كانت فاطمة قد كذبت عليها؟ هل كانت هذه العلاقة السرية هي السبب الحقيقي وراء قلق فاطمة؟

"ولماذا تخبرينني بهذا الآن؟" سألت ليلى، وصوتها بالكاد خرج.

"لأنني... لأنني أشعر أنكِ تستحقين أن تعرفي. ولأنني... لا أريد أن أكون سبباً في تعاسة أحد. أنا... أنا لا أريد أن أرى ماضيكِ يتعرض للخطر. ولأنني... أشعر بشيءٍ تجاهكِ."

"شيءٌ تجاهي؟"

"نعم. ربما... ربما لأنكِ تشبهين فاطمة في طيبتكِ. أو ربما لأنني... أحتاج إلى شخصٍ أثق به. لقد... لقد اكتشفتُ أنني حامل."

هذه الكلمة الأخيرة كانت كالصدمة التي تبعت الصاعقة. حامل؟ من فاطمة؟ هذا مستحيل.

"حامل؟" كررت ليلى، غير مصدقة.

"نعم. ولم أكن أعلم ماذا أفعل. كنتُ خائفةً جداً. ولم أكن أستطيع إخبار فاطمة، لأنها... لأنها تركتني. ولم أكن أستطيع إخبار والدي، لأنهم... لن يفهموا. ولكنني، عندما تحدثتُ معكِ، شعرتُ ببعض الأمل. ربما... ربما يمكنكِ أن تساعديني."

جلست ليلى، تشعر بأن كل ما كانت تعرفه عن حياتها يتداعى. هل كانت فاطمة قد تركتها، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تخفي سراً؟ سراً يتعلق بحملٍ غير شرعي؟

"هل... هل أنتِ متأكدة؟" سألت ليلى بصوتٍ بالكاد خرج.

"نعم. لقد ذهبتُ إلى الطبيب."

"ولماذا لم تخبري فاطمة؟"

"حاولتُ. ولكنها... كانت تتجنبني. ثم سافرت. وأنا... أنا لا أعرف ماذا أفعل."

شعرت ليلى وكأنها في حلمٍ سيء. كانت كل ذكرياتها مع فاطمة، كل لحظات الحب والثقة، تتحول إلى سراب. هل كانت فاطمة قد خانتها؟ هل كانت هذه العلاقة هي السبب في سفرها؟

"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." قالت ليلى، تشعر بأن رأسها يدور.

"أعرف أن هذا صعبٌ عليكِ. ولكن... أرجوكِ. أنا بحاجةٍ إلى المساعدة. أنا... أريد أن أحافظ على هذا الطفل. ولكنني... خائفةٌ جداً."

نظرت ليلى إلى سارة، ورأت فيها امرأةً خائفةً، مرتبكةً، وفي نفس الوقت، تمتلك شجاعةً ما. تذكرت كلمات فاطمة: "إذا احتجتِ للمساعدة، فاستشيرينا."

"سوف... سوف أفكر في الأمر." قالت ليلى، تشعر بأن هذه الكلمات لا تعكس حجم الصدمة التي تعيشها. "سوف أتحدث مع والدي. وسنرى ما يمكننا فعله."

لم يكن هذا ما توقعته سارة، ولكنها بدت راضيةً. "شكراً لكِ ليلى. هذا... هذا يعني لي الكثير."

عندما عادت ليلى إلى منزلها، كانت تشعر بأنها فقدت كل شيء. لقد كانت تثق بفاطمة ثقةً عمياء. والآن، اكتشفت أن هذه الثقة ربما كانت مبنيةً على أساسٍ واهٍ. هل كانت فاطمة قد تركتها، ليس لضعف ليلى، بل لضعفها هي، وضعفها في مواجهة الماضي؟ هل كانت هذه العلاقة مع سارة، وهذا الحمل، هو السبب الذي جعل فاطمة تهرب؟

كانت الذكريات الجميلة، التي كانت تملؤها بالدفء، قد تحولت إلى وهجٍ مؤلم، سمٌ يسري في عروقها. لم تعد تعلم ما هو الواقع، وما هو الوهم. كل ما عرفته قد اهتز، وتركتها هذه الحقائق كغريقةٍ في بحرٍ هائج، لا تعرف أين الساحل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%