لقاء القدر
ليلة القدر والقرار الصعب
بقلم ليلى الأحمد
كانت الليلة قد أسدلت سدولها على بيت العمر، وتركت وراءها هدوءًا لم يعهده أهل الدار منذ زمن. في حجرة فاطمة، كانت الأفكار تتسارع في عقلها، تتشابك كخيوط العنكبوت، ثم تتفكك لتعود أدراجها. أمامها، على طاولة الزينة المصنوعة من خشب الزيتون، وضع المصحف الشريف، وسبحة ياقوتية اشترتها من سوق الأقصر، ومرآة قديمة تعكس وجهها الشاحب، الذي طالما زينته البسمة. كانت دموعها قد جفت، لكن الحزن لا يزال يطوي جوانحها.
قبل ساعات قليلة، كان منزل والدها يعج بالحياة. زغاريد الفرح انطلقت مع وصول عائلة السيد أحمد، والد الخاطب، السيد خالد. كانت الأجواء احتفالية، تليق بليلة تحديد مصير. والدها، الحاج محمود، كان يحاول جاهداً إظهار التماسك، لكن قلقاً كان يرتسم على قسمات وجهه، يتوارى خلف ابتسامة مصطنعة. والدتها، أمينة، كانت تتحرك بخفة بين الضيوف، تقدم الشاي والحلويات، وتتحاشى النظر في عيني ابنتها، علها تمنع الأسئلة التي لم تُطرح بعد، والتي كانت تخشى إجابتها.
جاء السيد أحمد، رجل في أواخر الخمسينات، ذو لحية بيضاء ووقار ظاهر، برفقة زوجته السيدة ليلى، امرأة أرقّت الخطوط حول عينيها حكمةً ولطفًا، وابنهما خالد. خالد، الشاب الذي لم تره فاطمة إلا في صور، كان يبدو في الصور رجلاً جذاباً، لكن الصور لا تعكس عمق الروح، ولا صدق النوايا.
بعد تبادل الأحاديث الودية، وتقديم الشكر والثناء، وصل السيد أحمد إلى صلب الموضوع. كان يرتدي حلة سوداء أنيقة، وتعلقت بها شارة ذهبية صغيرة تضيء صدره. قال بصوت جهوري، لكنه مشوب بحذر، "يا الحاج محمود، لقد تشرفنا بلقاء عائلتكم الكريمة. ابننا خالد، شابٌ صالح، يحمد الله على نعمه. وقد رأى ابنتكم، ابنة الأصول، وأعجب بخلقها ودينها، ورأينا فيها زوجةً مثاليةً لابننا. نحن نطلب يدها للزواج، إن شاء الله."
شعرت فاطمة حينها بأن قلبها قد توقف عن النبض للحظات. نظرت إلى والدها، ورأت عينيه تلمعان ببريق الأمل. نظرت إلى والدتها، ورأت وجهها يبتسم بارتياح. هذا ما كانت تريده عائلتها، هذا ما كانت تتوقعه. ولكن، هل كانت هي تريد ذلك؟
تبادل الحاج محمود والسيد أحمد نظراتٍ طويلة، تحمل في طياتها لغة الأباء، لغة الأمان والمسؤولية. ثم، تحدث الحاج محمود، بصوتٍ لم يخلو من الثقل، "أيها السيد أحمد، شرفٌ لنا ولكم. نحن نرى فيكم أخوةً كراماً، وابنكم شابٌ نعرف عنه صلاحه. ولكن، كما تعلمون، هذا قرارٌ كبير، يتعلق بمستقبل ابنتنا. هي لم ترَ ابنكم إلا في صور، ولم تتحدث معه إلا مراتٍ معدودة. نريد أن نعطيها فرصةً لترى وتتأكد، ولنعطي ابنكم فرصةً ليتأكد."
رد السيد أحمد بحكمة، "أتفهم تماماً، يا شيخ محمود. الشرع يوجب ذلك، والقلوب بيد الله. سنرتب لقاءً شرعياً، في مكانٍ عام، تحت أنظار الجميع، تتحدث فيه العروسان، ويتعرف كلٌ منهما على الآخر. نؤجل الرد النهائي حتى ذلك الحين، وهذا من حقكم."
كان هذا الاتفاق هو الشرارة التي أشعلت فتيل التوتر في نفس فاطمة. لم يكن الأمر رفضاً تاماً، ولكنه لم يكن موافقةً كاملة. كان أشبه بتعليقٍ مؤجل، قرارٌ معلقٌ على رؤيةٍ لم تكن مستعدةً لها.
في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة النوم. كانت صور خالد تومض أمام عينيها. ذلك الشاب الذي يبدو أنيقاً في ملابسه، ويبتسم بثقة في الصور. هل كان هذا هو الرجل الذي ستكمل معه بقية حياتها؟ هل كان قلبه يدق بإيقاعٍ يشبه إيقاع قلبها؟ أم أن هذا مجرد زواجٌ تقليدي، لا يحمل في طياته سوى الواجبات والتقاليد؟
تذكرت محادثاتها مع صديقتها المقربة، نور. كانت نور، دائمًا، دائمًا، تنصحها بالبحث عن شريكٍ يحمل في عينيه شغف الحياة، وشريكٍ تستطيع أن تتشارك معه أحلامها وهمومها، وليس مجرد شريكٍ يملأ فراغاً في جدول الحياة.
"ولكن يا نور،" قالت فاطمة لنفسها، "ربما أكون مخطئة. ربما يكون الحب ينمو مع الأيام، ويكبر مع العشرة. أليس هذا ما يقوله الكثيرون؟"
ثم تذكرت كلمات جدتها، رحمها الله، وهي تروي قصة زواجها من جدها. "في البداية، لم أرَ فيه سوى رجلٍ غريب، لكن مع الأيام، ومع صبره وحنانه، أصبح كل شيءٍ لي. أصبح هو عالمي، وأصبحت أنا عالمه."
هل كانت قصص الجدات حقيقية، أم أنها مجرد نسجٍ من الخيال، أوهامٌ تبثها الأمهات في بناتهن ليتقبلن مصيرهن؟
فتحت نافذة غرفتها، وتسللت نسمةٌ باردةٌ إليها، تحمل معها رائحة الياسمين المتسلق على الجدار. نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، وكأنها تعكس اضطراب مشاعرها.
صوتٌ خفيفٌ طرق باب غرفتها، فانتبهت. كانت والدتها، أمينة، تقف على الباب، تحمل طبقاً صغيراً عليه كوبٌ من الحليب الدافئ.
"لم تنامي بعد يا ابنتي؟" سألت أمينة بصوتٍ حنون، وجلست على طرف السرير.
هزت فاطمة رأسها بضعف، وعيناها تتساقط عليهما الدموع مرةً أخرى. "لا يا أمي، لا أستطيع. عقلي وقلبي في صراعٍ دائم."
"أعلم يا حبيبتي. هذا أمرٌ جلل، ومن حقك أن تشعري بهذه المشاعر." وضعت أمينة يدها على شعر فاطمة، وربتت عليه برفق. "لكن عليك أن تثقي بنفسك، وبقدرتك على اتخاذ القرار الصحيح. والدكِ فعل كل ما بوسعه ليضمن لكِ الأمان والسعادة. والسيد أحمد، رجلٌ له وزنه، وابنه خالد، يبدو أنه شابٌ طيب."
"ولكن يا أمي، هل أنا أريد هذا؟ هل قلبي مرتاح؟" سألت فاطمة بصوتٍ مرتعش.
تنهدت أمينة، وقالت، "الحب يا فاطمة، ليس دائماً تلك الشرارة الأولى التي نراها في الأفلام. أحياناً، هو هديةٌ تأتي مع الوقت، مع العشرة الطيبة، مع الاحترام المتبادل، ومع تقوى الله في العلاقة."
"ولكن ماذا عن… ماذا عن الشعور؟" قالت فاطمة، وهي تفكر في ذلك الشاب الذي رأته في السوق، ذلك الشاب الذي كان ينظر إليها بطريقةٍ جعلت قلبها يخفق بعنف. تذكرت ابتسامته الصادقة، وعينيه التي كانت تحمل دفئاً غريباً. لكنها لم تعرف اسمه، ولم تعرف شيئاً عنه، وكان لقاءً عابراً، ربما لم يكن سوى خيال.
"الشعور مهم، بالطبع." قالت أمينة، وهي تحاول أن تفهم ما يدور في عقل ابنتها، "لكن الشعور وحده لا يبني بيتاً. الأمان، الاحترام، الوفاء، هذه هي الأعمدة. وأنا واثقةٌ أن خالد، بشهادة والده، لديه كل هذه الصفات."
"ولكن إذا لم أرَ فيه ما أريد؟ إذا لم أشعر تجاهه بالارتياح؟" سألت فاطمة، وصوتها بالكاد يُسمع.
نظرت أمينة إلى ابنتها بعمق، ثم قالت، "في اللقاء الشرعي، ستمنحون فرصةً لبعضكم البعض. تحدثوا، تعرفوا على بعضكم البعض. إذا لم يكن هناك توافق، فمن حقكِ، ومن حق والدكِ، أن تعتذروا بلطف. لكن يجب أن نعطي الفرصة أولاً. ألا ترين أن التردد الآن، قبل أن نعطي الفرصة، قد يضيع علينا فرصةً سعيدة؟"
شعرت فاطمة بأن الكلام أثقل كاهلها. كانت والدتها تحاول أن تكون داعمة، لكنها كانت تضغط عليها أيضاً. كانت تعلم أن عائلتها ترى في هذا الزواج مصلحةً وراحةً لها. لكن روحها كانت تشكو ألمًا خفيًا، وجعًا لم تستطع تسميته.
"سأحاول يا أمي." قالت فاطمة، وهي تأخذ كوب الحليب. "سأحاول أن أفتح قلبي، لعله يجد فيه مكاناً."
خرجت أمينة، وتركت فاطمة وحدها مع أفكارها المتضاربة. نظرت إلى المصحف، ثم إلى السبحة. هل كان هذا هو قدرها؟ هل كان عليها أن تتقبل ما يُكتب لها، أم أن لديها القدرة على تغيير مسار حياتها؟
تذكرت حديثاً سمعته في المسجد عن قضاء الله وقدره، وعن دور الإنسان في السعي والاجتهاد. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم." هل كانت هي بحاجةٍ إلى أن تغير ما بداخلها؟ هل كانت بحاجةٍ إلى أن تغير نظرتها للأمور؟
أغمضت عينيها. تخيلت نفسها تتحدث مع خالد. تخيلت الأسئلة التي ستطرحها، والأجوبة التي قد تسمعها. هل ستجد في عينيه ما تبحث عنه؟ أم أنها ستجد ما تخشاه؟
في تلك اللحظة، اتخذت فاطمة قراراً. لن تستسلم للقدر دون أن تحاول. لن تقبل شيئاً لم تتأكد منه. ستروح للقاء الشرعي، وستعطي نفسها وفرصةً، وستمنح الفرصة لخالد. ولكن، بداخلها، كان هناك صوتٌ ضعيفٌ جداً، صوتٌ يقول لها، "تأكدي يا فاطمة، تأكدي جيداً. فالحياة ليست مجرد واجبات، بل هي أيضاً أحلامٌ يجب أن تتحقق."
كانت ليلةً مليئةً بالأسئلة، وبالقرارات المصيرية. كانت ليلةً تحمل في طياتها بذور التغيير، أو بذور الاستسلام. ولم تكن فاطمة تدري أي الطريقين ستسلك. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: أن قدرها، قد بات على وشك أن يُكتب بشكلٍ نهائي، وأنها، لأول مرةٍ، تشعر بأنها تحمل مفتاح القلم.