لقاء القدر
اللقاء الشرعي والغرباء في الأقارب
بقلم ليلى الأحمد
عندما بزغت شمس اليوم التالي، حملت معها وعداً بجديد، وتحدياً لم تعهده فاطمة. استيقظت بقلبٍ يخفق، ليس خوفاً، بل ترقباً. أدركت أن الأيام القادمة ستحمل معها اختباراً حقيقياً لقدرتها على الحكم، وعلى التمييز بين ما هو واجب، وما هو رغبة، وما هو نصيب.
تم الاتفاق على أن يتم اللقاء الشرعي في منزل الحاج محمود، في غرفة الاستقبال الكبيرة، بعد صلاة العصر. كان الهدف هو توفير جوٍ من الرسمية والجدية، مع الحفاظ على خصوصية العائلة. حضرت والدتها، أمينة، وعماتها، وخالاتها، وكذلك والدة خالد، السيدة ليلى، وبعض قريباتها. كان حضور والدة خالد ضرورياً، لتشعر فاطمة ببعض الألفة، ولتكون السيدة ليلى بمثابة حكمٍ ورابطٍ بين العائلتين.
كان الحاج محمود قد أعدّ المكان بعناية. فرشت الغرفة بسجادٍ فارسي فاخر، وزينت الجدران بآيات قرآنية بخطٍ عربي جميل. وضعت طاولةٌ صغيرةٌ في الوسط، عليها أكوابٌ من الشاي والماء، وصحنٌ كبيرٌ من الحلويات الشرقية. كان الجو مليئاً بالترقب، وبحركةٍ خفيفةٍ من الضيوف، وهم يتبادلون التهاني والتبريكات، كأن الأمر قد حُسم بالفعل.
شعرت فاطمة بغصةٍ في حلقها، وهي تتقدم بخطواتٍ وئيدةٍ نحو غرفة الاستقبال. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، لم تضف إليه سوى حجابٍ فضفاضٍ باللون العاجي. كانت تريد أن تظهر على طبيعتها، بعيدةً عن التكلف والتصنع.
عندما دخلت الغرفة، وجدت السيد خالد جالساً على إحدى الأرائك. كان يرتدي ملابس أنيقة، تبرز أناقته. نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة، لكن عينيه لم تعكسا عمقاً بالقدر الذي تمنته. كان يبدو سعيداً، مرتاحاً، وربما واثقاً.
جلست فاطمة بجوار والدتها، محاولةً أن تتجنب النظر المباشر إلى خالد. كانت تشعر بنظرات الجميع موجهة إليها، ترقب ما سيحدث.
بدأت السيدة ليلى الحديث، بصوتٍ هادئٍ ولطيف. "أهلاً بكِ يا ابنتي، فاطمة. أنتِ زهرةٌ تفوح عطراً في هذا البيت. نحن سعداءٌ بلقائك."
ردت فاطمة بصوتٍ خافت، "شكراً لكِ يا خالتي. أنا سعيدةٌ بلقائكم أيضاً."
ثم بدأ السيد خالد الحديث، بصوتٍ رجوليٍ واضح. "مساء الخير يا أخت فاطمة. أرجو أن تكوني بخير."
"مساء النور يا أخ خالد. الحمد لله، أنا بخير."
كانت المحادثة الأولية رسميةً جداً. تبادلوا بعض العبارات حول الجو، وحول الأجواء الجميلة في الأقصر. كانت كلماتهم موزونة، ومحسوبة، كأنهم يخشون أن يخطئوا في أي كلمة.
شجعت السيدة ليلى ابنتها، وقالت، "الآن، حان دوركما لنتحدث. نريد أن نسمع منكما. ما هي أحلامكما؟ ما هي تطلعاتكما؟"
كانت هذه هي اللحظة التي انتظرتها فاطمة، والتي خشيتها في آنٍ واحد. بدأت تتكلم، بصوتٍ بدأ متردداً، ثم اكتسب قوةً مع كل كلمة. "أتمنى في حياتي أن أجد شريكاً يفهمني، شريكاً أستطيع أن أشاركه أحلامي، وأن أتعلم منه، وأن أعلمه. أريد بيتاً أساسه الاحترام، والمودة، والرحمة. أريد أن تكون حياتي مليئةً بالأعمال الصالحة، وأن نربي أبناءنا على حب الله ورسوله."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها نابعةٌ من قلبٍ صادق. شعرت فاطمة بأنها تقول ما تشعر به حقاً.
ثم جاء دور خالد. تحدث بصوتٍ واضح، وتناول موضوعاتٍ تهم الرجال أكثر. "أنا مهتمٌ ببناء مستقبلي المهني، وأتمنى أن تكون زوجتي شريكةً لي في هذه الرحلة. أريد بيتاً مستقراً، يوفر الدفء والأمان. أريد أن أكون مسؤولاً عن أسرتي، وأن أضمن لهم كل ما يحتاجونه."
كان حديثه منطقياً، وواقعياً، ولكنه كان خالياً من ذلك العمق الشعوري الذي كانت تبحث عنه فاطمة. لم تسمع منه شيئاً عن الأحلام المشتركة، عن التحديات التي ستواجههما معاً، عن تلك الروح التي تجمع بين قلبين.
تزايد شعور فاطمة بالانفصال. كان خالد يتحدث عن الزواج كأنه صفقةٌ تجارية، أو مشروعٌ استثماري. لم تتلمس في كلامه أي إشارةٍ إلى المشاعر، إلى الحب، إلى السعادة المشتركة.
قاطعت السيدة ليلى الصمت، وقالت، "خالد، هل لديك أي أسئلة لفاطمة؟"
نظر خالد إلى فاطمة، بعينين لم تعكسا سوى فضولٍ محدود. "نعم، أود أن أسألكِ يا أخت فاطمة، ما هي هواياتك؟ وما هي اهتماماتك؟"
"أحب القراءة، وخاصةً كتب الأدب والتاريخ. وأحب تعلم اللغات. كما أنني أستمتع بالبستنة، وزراعة الزهور." قالت فاطمة، محاولةً أن تبدو طبيعية.
"هذا جيد." قال خالد، ثم تطلع إلى والدته. "هل نعود للحديث عن ترتيبات الزواج؟ متى سيكون موعد الزفاف؟"
شعرت فاطمة بصدمةٍ خفيفة. هل كان هذا هو اهتمامه؟ هل كان يرغب في إنهاء اللقاء بسرعة؟
ابتسمت السيدة ليلى، وقالت، "كل شيءٍ في وقته يا بني. دعونا نسمع من فاطمة أولاً. هل لديكِ أي أسئلة يا ابنتي؟"
نظرت فاطمة إلى خالد، ثم إلى والدتها. كان عليها أن تسأل. كانت فرصتها. "نعم، لدي سؤال." قالت بصوتٍ ثابت. "يا أخ خالد، ما الذي جذبك فيّ؟ ما الذي جعلك تطلب يدي؟"
كان السؤال مفاجئاً، وشعرت فاطمة بأن كل العيون قد اتجهت نحوها. نظر خالد إليها، وللحظة، بدا وكأنه يفكر. ثم قال، "أعجبني حجابكِ، وصورتكِ التي رأيتها. رأيت فيكِ الفتاة الصالحة، التي تربي الأبناء على الدين. هذا كل ما أبحث عنه."
تجمّدت فاطمة في مكانها. صورة؟ حجاب؟ دينا؟ هل كان هذا كل ما يراه؟ هل كانت مجرد صورة، وشيءٌ من الدين؟ لم يكن هناك أي ذكرٍ للمشاعر، للروح، للتوافق الفكري.
شعرت بأن شيئاً ما قد انكسر بداخلها. نظرت إلى والدتها، ورأت عليها علامات الاستغراب.
قالت السيدة ليلى، محاولةً تخفيف الأجواء، "خالد، فاطمة تسأل عن الانجذاب الروحي، عن القلب. هذا مهمٌ أيضاً."
"بالتأكيد، بالتأكيد." قال خالد، وكأنما كان يتذكر شيئاً. "أنا رجلٌ عملي، والسيدة ليلى تعرف ذلك. أنا أبحث عن استقرار، وعن بيتٍ صالح. أما المشاعر، فهي تأتي مع الأيام."
"ولكن، هل تعتقد أن الحب يمكن أن ينمو بدون بذرةٍ أولية؟" سألت فاطمة، مستخدمةً استعارةً قد تفهمه.
ابتسم خالد ابتسامةً باهتة. "الحب يا أخت فاطمة، هو في النهاية، الاحترام والوفاء. وهذه الأشياء، يمكن أن تتطور مع الوقت."
لم تستطع فاطمة أن تخفي خيبة أملها. شعرت بأنها تقف أمام صندوقٍ مغلق، لا تعلم ما بداخله. كانت تتمنى أن ترى في عينيه بريقاً، شغفاً، شيئاً يدل على أن هناك تلاقياً بين روحين. لكنها لم تجد سوى البرود.
ثم، حدث شيءٌ غير متوقع. دخلت والدة خالد، السيدة ليلى، إلى المطبخ، ثم عادت ومعها صينيةٌ صغيرةٌ عليها كوبٌ من الماء. نظرت إلى فاطمة، ثم إلى خالد، وابتسمت.
"لقد استمعت إلى حديثكما، يا أحبتي." قالت السيدة ليلى. "وأنا أرى أن هناك تبايناً في وجهات النظر، وهذا طبيعي. ولكن، لابد أن تعلموا أن هذا الزواج هو لأجل بناء أسرة، وليس مجرد لقاءٍ عاطفيٍ مؤقت."
"نعم، هذا ما قلته." قال خالد، ببساطة.
"ولكن يا خالد،" قالت السيدة ليلى، وبدأت تبرز ملامح أخرى لشخصيتها، "هناك جانبٌ آخر في هذه الحياة. جانبٌ يهم الروح، ويهم الفهم المتبادل. لا يمكنك أن تتزوج امرأةً لم تشعر تجاهها بأي قرب. يجب أن يكون هناك تلاقٍ، ولو بسيط."
نظرت فاطمة إلى السيدة ليلى بامتنان. كانت هذه السيدة، التي تبدو هادئةً ولطيفة، تحمل حكمةً عميقة.
"ولكن يا أمي،" قال خالد، بتحدٍ طفيف، "أنا لا أرى مشكلةً في هذا. الفتاة صالحة، وهذا هو الأهم."
"الصلاح مهم، بالطبع." قالت السيدة ليلى، ثم نظرت إلى فاطمة. "فاطمة، هل لديكِ أي مخاوف أخرى؟ أي أسئلةٍ تدور في ذهنك؟"
ترددت فاطمة للحظة. ثم، وبجرأةٍ غير متوقعة، قالت، "أنا أحترم رغبتكم، وأحترم تقديركم. ولكن، بصراحة، لم أشعر بالتوافق الذي كنت أتوقعه. لم أشعر بأننا قد نتشارك الأفكار، أو الأحلام، أو حتى الروح. هل تعتقدون أن الحب يمكن أن يبدأ من فراغ؟"
صمتٌ ثقيلٌ ساد الغرفة. نظر الجميع إلى فاطمة. لم تتوقع عائلتها هذه الصراحة، ولم يتوقع خالد هذه الجرأة.
نظرت السيدة ليلى إلى خالد، وقالت، "خالد، هل أنت متأكدٌ أنك مستعدٌ لتكوين أسرة مع شخصٍ لا تشعر معه بأي قرب؟"
نظر خالد إلى فاطمة، وبدت عليه علامات التفكير. ثم قال، "لنقل أننا سنعطي الأمر فرصةً. إذا لم يكن هناك توافق، فيمكننا النظر في الأمر مجدداً."
كان هذا اعترافاً بأن الأمر ليس محسوماً. كان اعترافاً بأن هناك مجالاً للشك.
أنهت السيدة ليلى اللقاء بكلماتٍ حكيمة، "العلاقات تبنى بالحوار، والتفاهم، والمحاولة. لا تستعجلوا في الحكم، ولكن لا تتجاهلوا مشاعركم. سننظر في الأمر، وسنرى ما يكتبه الله لنا."
غادرت عائلة خالد، وتركت خلفها جواً من التوتر المتزايد. نظرت فاطمة إلى والدتها، ورأت علامات الحيرة والارتباك على وجهها.
"ماذا فعلتِ يا فاطمة؟" سألت أمينة بصوتٍ خافت. "لقد قلتِ ما لم يكن متوقعاً."
"قلتُ الحقيقة يا أمي." قالت فاطمة، بصوتٍ يرتجف قليلاً. "لم أشعر بالتوافق. لم أشعر بأن هذا هو الرجل الذي أريد أن أقضي معه حياتي."
"ولكن،" قالت أمينة، "ماذا لو كانت هذه فرصتك؟ ماذا لو كان هذا هو ما كتبه الله لكِ، وكان عليكِ أن تحاولي؟"
"ولكن يا أمي،" قالت فاطمة، ودموعها تتساقط، "الحياة ليست مجرد محاولة. الحياة هي سعادة. وأنا لا أريد أن أعيش حياةً بدون سعادة."
كانت ليلةً أخرى، مليئةً بالأسئلة. اللقاء الشرعي لم يحسم الأمور، بل زادها تعقيداً. شعرت فاطمة بأنها قد اتخذت خطوةً جريئة، خطوةً قد تغير مجرى حياتها. لكنها لم تكن تعلم إن كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى طريقٍ مسدود، أو إلى بابٍ جديد.